كريسماس في مكة... دعوة لعدم اقتلاع الجذور، وقبول الآخر، وإعادة بناء المعابر إلى الله!
في تجربتي الأولى مع الروائي والداعية العراقي د. أحمد خيري العمري، دخلت إلى عوالمه بحذر شديد، وذلك لأنني أعرف خلفية الرجل وأفكاره الدعوية، وأنا لا أفضل في العموم قراءة الأدب القائم على الوعظ، ولا أؤمن بمسميات الأدب النظيف والأدب غير النظيف، لذلك كان لدي انطباع مسبق حول الرواية، ولولا التزامي بقراءة الرواية من خلال نادي القراءة الذي أسعد بكوني أحد أعضائه، لما أقدمت على قراءة هذه الرواية. على الرغم من ذلك، كان الحبل السري الرابط بيني وبين بغداد ما يزال حيًا نابضًا، دافئًا، لذلك وجدتُ أن أثر الانطباع الأوّلي يخفت تدريجيًا، بدأتُ الصفحات الأولى بتحفز شديد، أبحث عن الهنات ومواضع النقص، أتقصى صوت الواعظ الذي ينفرني منذ الأزل، إلا أن الحكاية كانت لها رأي آخر، شتتت مخاوفي، وجذبتني إلى عوالمها، لتترك لدي الانطباع التالي:
نحن أمام رواية page turner بكل تأكيد، الأحداث متشابكة ومتلاحقة بحيث لا يمكن للقارئ أن يُفلت منها، خمسة عراقيون يجتمعون عقب 12 عامًا من الشتات، مريم طالبة العمارة في جامعة شيفيلد، وأمها ميادة، وعمها سعد، وخالها حيدر، وأخيرًا جدها التسعيني المقعد.
نحن هنا أمام استعراض لأشلاء النسيج العراقي الذي خلفته الحروب، العائلة تناثرت أفقيًا ورأسيًا، لدينا شهيدين ارتقيا مصعدًا نحو السماء (عمر والد مريم، وميثم خالها)، وجدة مريم وطليقة سعد في السويد، ثم مريم وأمها وخالها حيدر في إنجلترا. تقرر الأم (ميادة) التخطيط لرحلة عمرة بالتزامن مع إجازة مريم في الكريسماس، ومن هنا يأتي اسم الرواية، ليلخص الحدث، ويرمز في دلالة واضحة إلى حالة الانقسام/الفصام في الهوية العربية التي يقع في شراكها أغلب المهاجرين، فكلمتي كريماس ومكة لا يجتمعان في العموم، ولكن مقتضيات العصر والزمن الراهن، ونتاج الحروب والهجرة الطوعية والقسرية لملايين العرب، جعلت من اجتماع الكلمتين واردًا، وحاضرًا بقوة في عقول الكثير من المغتربين، حتى أن الآلاف من الحجاج المقيمين في أوروبا وأميركا وبعض دول الشرق الأوسط، لا ينسوا أن يحتفلوا بالكريسماس كل عام!
الهدف الأساسي للأم هو تأمين انتقال مريم من شيفيلد إلى لندن، عملاً على دمجها في مجتمع العراقيين المتواجدين بكثرة في لندن، سعيًا إلى ترسيخ ما تبقى من هوية مريم عبر تزويجها من رجل عراقي، سني أو شيعي لا يهم، المهم هو أن تظل مريم ولّادة لنسل عراقي أصيل عوضًا عن خلق المزيد من المهجنين الحائرين.
في حين كان هدف مريم نفسها هو استغلال تواجدها في مكة، لدراسة تصميم الكعبة والحرم والمسجد النبوي، عملاً على ترسيخ بصمتها المعمارية ذات الطابع العربي والإسلامي وسط أقرانها في شيفيلد، مريم تعرف أنها غريبة، وأنها ستظل كذلك مهما ذهبت بعيدًا في تماهيها مع ثقافة الغرب.
سعد، العم الذي يرعى والده -العسكري المتقاعد غير المرضي عنه من حكومة البعث- وحيد وضائع ولا يتوقف عن محاسبة نفسه، يجد في التقرب إلى الله مهربًا من مآسيه، مقتل أخيه ووفاة أمه من بعده، ثم هجرة زوجته له بعد سنوات من تيقنهما من عقمه، ثم الحالة الصحية المتردية لوالده التسعيني، علاوة على فقدانه لزمن لن يعود، وتمسكه بصورة ذهنية وبصرية لبغداد ما عاد بالإمكان زيارتها رغم بقائه فيها. كان سعد يريد أن يعوّض مريم وميادة عما فاتهما بعد رحيل عمر، خصوصًا وقد حرصت ميادة على قطع علاقة مريم بأهل أبيها بعد سفرهما، يتوق سعد إلى الشعور بالأسرة، بالالتفاف حول مائدة واحدة، لحكايات وذكريات تعيد إليه شعورًا بات يفتقده بأنه مازال حيًا، وأن لحياته ثمة هدف أو سبب للاستمرار.
حيدر، خال مريم، يهرب من رؤية ابنته التي حملت سفاحًا من صديق أسود اللون، يهرب من ازدواجيته، ما بين قشرة الحضارة الأوروبية التي حرص على إبرازها، وبذرة العنصرية البغيضة التي غرست في عقول المجتمعات الشرقية، علاوة على الشرخ العظيم الذي يمزقه بين الانخراط في حياة الغرب، وقبوله لأن تلد ابنته بدون زواج رسمي، وممن هو على غير دينها!
إذن، نحن أمام أربعة شخوص اجتمعوا لأداء مناسك العمرة، دون هدف ديني! يعرفون قداسة المكان والطاقة الروحانية التي تمس زائريه، ولكن الغرض من هذا الاجتماع، لم يكن دينيًا بالأساس، وإن حرص كل منهم على أداء الشعائر والطقوس بالطريقة المثلى.
وبالتوازي مع هذه الحكاية، يأخذنا الكاتب في رحلة تاريخية – وجدتها غير مبررة – عبر استحضار شخصية أحمد ابن الخليفة المستعصم الذي سيحاول استرداد بغداد بعض سقوطها أمام جيوش هولاكو. ربما أراد الكاتب عبر هذه الإحالة التاريخية أن يوحد بين مصائر أهل بغداد عبر التاريخ، والناتج دائمًا عن سوء التخطيط والإدارة، وهي الحالة التي تسيطر على التاريخ العربي في أغلب مراحله، لذلك كنت أود أن تقتصر الرواية على الحكاية الأساسية، والاكتفاء باستحضار أبيات شمس الدين الكوفي في رثاء بغداد الدولة العباسية على لسان الجد، كاستشهاد بتاريخ يصر العرب على تكرار كل خطاياه.
تلتقي الوجوه بعدما تقلبت القلوب، وكم كان من الممكن أن يكون هذا اللقاء عسيرًا لو تم في مكان مغاير، هل هذا ما قصده الكاتب؟ يبدو أن نفوري من الدعاة الجدد يؤثر عليّ مجددًا، طيب، فلنضع انطباعاتي المسبقة بعيدًا عن الكيبورد، ولنتابع سير الحكاية، القلوب محملة بالذنوب، مغمسة بالندم، ميادة لا تقدر على نسيان إهانتها لأسرة زوجها المقتول بعدما وجدت جثته بلا أعين! وسعد يشعر بالندم إزاء كل ما أظهره في السابق من تكبر وغطرسة جوفاء، حيدر يؤنب نفسه على الانخراط في حياة تعارض أسسًا تربى عليها ولا يقدر على اعتبارها محض سقط متاع ضاع إبان السفر، أما مريم فهي باحثة عن شيء لا تعرفه، تبحث عن جذور واهية تربطها بوطن ارتبط في ذهنها بماضٍ لا يجوز نقله إلى خانات الحاضر والمستقبل، ربما هي تعلن بحثها عن تصميم معماري متفرد، ولكنها تكتشف ما كانت تبحث عنه -فقط- قبل مغادرتها لمكة بدقائق.
أما الجد، فهو بؤرة الوجع الحية في الحكاية، الجرح المفتوح، حارس الحكايات القديمة الذي يصارع ألزهايمر، أبكاني الجد في أكثر من مشهد، عناقه الصامت مع مريم بعد سنوات من الشقاق، وبحثه عن عمر وعيني عمر طيلة الوقت، ونهاية بانسحابه الهادئ بعدما توسدت مريم كتفه الناحل، وكأنه قد عرف أن مهمته قد تمت بمد المعابر من الماضي إلى المستقبل، انتهت مسيرته بأن أعاد - دون قصد – وصل ذلك الرابط الواهن الذي لم تنجح في تمزيقه طائرات البوينج والإيرباص، والمدافع والصواريخ والدموع وشق الصدور ولطم الوجوه.
الحكاية مؤثرة للغاية، ربما القالب مكرر، تناول فكرة تشتت الهوية حاضر بقوة في أدب الألفية الحالية، خصوصًا في الأدب السوري والعراقي، وبعض الروايات المصرية مثل عناق عند جسر بروكلين تحديدًا، اللغة عادية، بسيطة لا تحمل أي ثراء لافت، ولكنها عامرة بالعواطف، الخطاب متشابه بين الشخوص، اللهجة شديدة التوحد، حتى أن الأسلوب لم يتبدل بين شقي الرواية، المعاصر والتاريخي، اللغة واحدة. السردية في العموم محكمة بدرجة جيدة - اللهم سوى الشق الخاص باستحضار سقوط بغداد في العصر العباسي – المشاعر متدفقة، ووصف الشخوص جاء متسقًا مع مسارات السرد، وتغيرات النظرة والمفاهيم لكل منهم جاءت مفهومة تحمل تفاسيرها وتترك بجلاء أثر الزمن على صفاء المشهد عقب سنوات من حدوثه.
باختصار، العمل مؤثر جدًا، شحنة عاطفية كبيرة أسقطتني في شراكها لأسباب إضافية لا أجد مبررًا لذكرها، خفة الظل العراقية حاضرة بوضوح، ولكن العمل برمته يظل يحمل صفة الدعوية، فالرسالة الصريحة المباشرة هي أننا بالعودة إلى الله تنجلي الأمور وتحل الأزمات وتستقيم المسارات، لا أمانع هذا بطبيعة الحال، خصوصًا وأن القالب الروائي جاء في صورة جيدة، ذلك رغم قناعتي التامة بأن الشقاق العربي لن يحل بهذه البساطة ولو اجتمع الفرقاء في حرم الكعبة!
أحببت مشاهد مكة والكعبة والمدينة، الصلاة تحت المطر، ملامسة الحجر الأسود، السعي والطواف، والتاريخ الشخصي للأبطال الذين تناوبوا على السرد عبر فصول قصيرة متتالية، إذابة الفوارق بين السنة والشيعة، واللوحة الختامية التي تقبل الآخر، دون أن تشيطنه ولا تكفره، جاء ذلك في مشهد اختلاط ضوء شجرة الكريسماس على مشهد الكعبة في الفندق، في مزج يوحي بقبول الاختلاف وهو أمر إيجابي حسب رأيي. ذلك مع التغاضي عن اللمحة الميلودرامية المصرية المستمدة من أفلام الأبيض والأسود في نهاية الرواية، حين فوجئتُ بمريم تقترح على أمها الزواج من عمها سعد، الأمر الذي لم ترفضه الأم بصرامة، لتترك الباب مفتوحًا أمام نهاية سعيدة تليق بأفلام ليلى مراد وأنور وجدي!
أمر آخر هام فات على المدقق والمحرر، ألا وهو تفاوت عمر مريم من فصل إلى آخر، ففي صفحة ١٠١ هي في العشرينات، وحسب صفحة ١٢٤ عمرها ١٩ سنة، وفي صفحة ٢٤٥ أصبح عمرها ١٨ فقط!
ملاحظة أخيرة
الكوميديا السوداء تنجلي فيما اكتشفته بالأمس فقط؛ حيث أن اسم الرواية الأصلي "كريسماس في مكة" تم اختزاله إلى "كريسماس" فقط في الطبعات التالية، وهو الأمر الذي تم على ما يبدو لأسباب تسويقية تمنح الرواية صك العبور إلى الدول التي ترفض هيئات الرقابة لديها الجمع بين كلمتي "كريسماس" و"مكة"، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء القراءة! فالرواية في النهاية، تحمل رسالة دعوية بالعودة إلى الله، وليس العكس! كان هذا الأمر من المضحكات المبكيات بمنتهى الصراحة.
رواية جيدة، مكتوبة بحس إنساني صادق لكاتب يحركه الألم، ويمرر رسالته بين سطورها بصوت خفيض، دون صراخ أو وعظ هادر يؤذي العين والأذن، أدبيًا، كنت لأمنحها نجمتين أو ثلاث نجوم على جودريدز، ولكنني منحتها أربع نجمات لتأثري الشديد بأحداثها.
أنصح بقراءتها.
تاريخ النشر في المدونة: 2020-12-12
