يقول عادل عصمت
الأرض المصرية زاخرة بالكنوز المكنونة، وعلى وجه الخصوص الأراضي المتاخمة للنيل، حيث الخير يفيض طميًا تسرب لونه إلى وجوه المصريين عبر آلاف السنين. أولئك المصريين بدورهم صاحبوا النيل، ومزجوه بشعائرهم وطقوسهم وقامت عليه حياتهم. كانت الأرض السمراء هي العطيّة الربانية، والمستقر الأخير، لذلك سنّ المصريون عادة في تقديس الأرض، فائتمنوها على أثمن ممتلكاتهم. وجاءت الثقافة المصرية، الحكومية والخاصة، لتحرص على حفظ الإرث، فدأبت على تشييد الأصنام والتماثيل من الحجارة والطمي، وحفظت أقيم الجواهر أسفل طبقات متفاوتة من التراب. لذلك أرى أن هذه الكتابة لا تهدف إلى شيء، اللهم سوى إهالة التراب عن كنوزنا المتوارية في أقاليم مصر، ووضع الميكروفون أمامهم، لتعلو أصواتهم بما يجاوز صخب القاهرة، وموالدها الثقافية التي لا تنتهي.
قد يقول قائل بأن عادل عصمت ليس في حاجة إلى إلقاء الضوء، فهو الفائز بجائزة الدولة التشجيعية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة ساويرس، علاوة على وصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية برواية الوصايا، ولكنني هنا لا أقدم عصمت ككاتب مغمور، ولكنني أعرض بعض أعماله الهامة، مستخلصًا حقيقة كونه أحد أهم الكتاب المصريين في العقود الأخيرة، فكما نحتفي بقاهرة نجيب محفوظ، وإسكندرية إبراهيم عبد المجيد، ومحلة المنسي قنديل وجار النبي الحلو، وقرية سعيد الكفراوي وخيري شلبي، لا يجب أن يفوتنا الاحتفاء بطنطا عادل عصمت، تلك المدينة الهادئة في دلتا مصر، التي تحولت إلى عاصمة الكون ومحور أحداثه بين سطور راهب طنطا وحارسها الأمين.
الرجل العاري – شرقيات - 1998
فيما أعتبره أحد الأعمال التأسيسية في عوالم عادل عصمت (حيث أنني لم أنجح في العثور على روايته الأولى هاجس موت بعد جهد حثيث) طالعتُ بانبهار مغمس بالشجن أجواء الريف المصري الأصيل، كتابة عامرة بالصور والأصوات والروائح والطقوس التي اختزنها الكاتب حتمًا من مشاهد طفولته، هكذا شعرتُ بنوع من التقارب والألفة، ارتددتُ إلى قرية جدي في الغفارية مركز مشتول السوق، وأضاءت في مخيلتي مشاهد عابرة حوّلها قلم عادل عصمت إلى لوحات حية. أدبيًا: استوقفني أن استهل الكاتب روايته القصيرة واختتمها مستخدمًا ضمير جمع المتكلم، أي أنه يتحدث بالضمير الجمعي لأهل القرية، مما أضفى على الحدث المروي صفة الشهادة وختمها بصك التأكيد، إذ أننا لسنا أمام راوٍ بعينه، بل إننا نستمع إلى ما اتفق عليه أهل القرية، واشتركوا في روايته. حسب ظني: الرجل العاري هنا رمز، تجسيد للهواجس والمخاوف التي تسرح في العقول التي تفرض عليها المجتمعات رتابة العيش، والشكوك تتراكم حول شخص واحد هو إبراهيم ابن عطية، دون قرينة سوى رائحة السباخ التي تفوح من جسد الرجل العاري، وواقع الأمر إن إبراهيم تحديدًا قد سلخ عن جسده قشرة الأرض والطين، وراح يفتش عن مساحة أكبر من الحرية. الكاتب يتوغل ضمنًا في عمق الممنوع، ويذيع ما لا يصح إلا كتمانه وفق الأعراف، كالعري، جسدي الرجل والمرأة، والعلاقة الأزلية بينهما، ثم العري كتجرد من القشور التي تراها العيون، الحكايات تكتظ بأسماء شخوص تتصل في بعض الأحيان عبر رباط محكم، وفي بعض الآونة تظل على الهامش، محض إشارة أو نموذج يقوي الفكرة بالتكرار، مثل منتهى وسعاد، أول ما شاهدتا الرجل العاري، وصولاً إلى الحاجة أم السعد، العجوز الضريرة التي تزرع أول بذور الشك عقب جزمها بالتعرف على هوية الرجل العاري من خلال رائحته. تسري الأحداث حاملة المزيد من الحكايات التي تدور بضفاف ظهور الرجل العاري، والحقيقة أن كل دار تحوي بين جدرانها نوعًا من العري الذي لا تستقيم الحياة إذا ما ذاع بين الناس، كحكاية حماد وزوجته فرحة (وعشقها لموسى)، مختار ابن عبد الوهاب وزهرة (التي انتهت بقتل مختار ودفته أسفل دار حماد)، وحكاية محروس الطبال وزوجته سميرة (وحكاية السرقة التي اقترفاها)، شوقية مع أخيها الشهيد مؤمن، وأخيها عبد الرحمن (الذي يحتجزه أخوهما أحمد لذهاب عقله بعد دهسه لفتاة في الحقل)، ثم الحكاية الأساسية، نوال نصار ومؤمن الصغير ابن شوقية (وحكاية الخطاب الغامض).
تنتهي الحكاية كما ابتدأت، هاجس الرجل العاري، الفاضح والمفضوح يظل حرًا طليقًا، يقفز فوق أسوار العقول المهووسة بدفن أسرارها والحفاظ على عاداتها، وأظن أن الكاتب أراده باقيًا لإيمانه بأن الرجل العاري/الهاجس/المطلع على الأسرار، مازال يتجول في قرانا حتى هذه اللحظة. على الرغم من صعوبة العمل للمتلقي، إلا أنه يعد بمثابة المدخل الأمثل لعوالم عادل عصمت، وبرغم كون القرية هي مسرح الحدث، إلا أن طنطا أطلت على القارئ من خلال عدة مشاهد بصفتها المتنفس والملجأ الآمن، هكذا كانت معالم طنطا تتشكل في عوالم عادل عصمت في كتاباته الأولى: قِبلة يتأهب للحج إليها، وسكنًا يستعد إلى إقامة طويلة بين جدرانه.
حياة مستقرة – شرقيات - 2004
هنا يظهر البيت القديم في عالم عادل عصمت للمرة الأولى، وأعني هنا البيت المرتبط بالزمن، المقاوم للانجراف في تياره، والساقط في غوره تاركًا أثرًا لا يندمل في نفس الراوي، ذلك ما بين نص وآخر. لدينا هنا ثلاثة أشقاء، وأب غائب، وأم تحاول في أمدٍ قصير لم الشتات.
يمكنني أن ألخص الحكاية في حذائين، كما جاء في الغلاف، بيادة حسام التي عاد بها من حرب الخليج الثانية، والحذاء الذي ارتضى به الراوي رغم الثقب الذي كان يتسع في نعله مع كل خطوة. نموذج الشاب الحائر يتجلى للمرة الأولى في روايات عادل عصمت من خلال شخصية حسام، الباحث عن أسباب البقاء، والفاقد لدوافع الاستمرار عقب تجربة مريرة في الحرب، حين اضطر للملمة أشلاء رفيقه، فجمع منها قدر ما استطاع، دون أن يدرك أنه كان في ذات الوقت ينثر روحه أشلاءً لن يفلح في لملمتها كما فعلت إيزيس بأوزوريس. نشاهد هنا نموذج الزوجة التقليدية غير المتفهمة للصراع الذي يعتمل في نفس زوجها، ونتعرف على الحكي كوسيلة للتحرر من الهواجس واستكشاف النفس.
الراوي هنا مهزوم بمحض إرادته، فوت كل الفرص طواعية، ولكنه يحمّل كل من حوله المسؤولية، أناني النزعة، تخلى بفجاجة عن معشوقة الجامعة، وعاش من بعد هجرانه لها يتقصى أثرها في وجوه أخريات، لا يقوم بالدور المفترض أن يؤديه الأخ الأكبر إلا مجبرًا مكرهًا. يتعرف على ماجدة في أروقة العمل، وماجدة تحمل بدورها ميراثًا مضنيًا من الكبت والقهر الممنهج ضد الأنثى، يتحرر كل منهما من هواجسه عبر نوبات من الحكي، يخرج منها كل منهما وقد بات أكثر قدرة على التعرف على ملامحه، عندما يروي الراوي حكاية حسام، تتضح له مأساة أخيه بعد فوات الأوان، وحين تبوح ماجدة للراوي بأمور خاصة، تتمرد على واقعها للمرة الأولى، حتى تفارق بينهما المسارات والرغبة الجدية في تغييرها، فالراوي يميل إلى الرضوخ والمواءمة والتأقلم، يختزل أحلامه في الحصول على مساحة أكبر من الحركة (حلمه بقيادة سيارة أجرة تمنحه القدرة على تنقل وترحال طويل)، إلا أن ماجدة، وبعدما تمادى الجميع في قهرها، تأتي بثورة عارمة لا تعترف بأية أعراف أو تقاليد رغم سابق التزامها الديني، الصوري.
ثم يأتي فصل الرواية الأخيرة ليختزل الصور في مساحة أكثر وضوحًا، البيت، الزمن، ميراث حلم الأب الذي لم يختره الراوي ولا حسام. يرغب حسام في التحرر من هذا الإرث (المعنوي قبل المادي)، ويكون موقف الراوي كعادته غير حاسم، في حين تكون الأخت نورا هي الأكثر تشبثًا ببقاء البيت، كحصن أخير وحاضن أوحد قادر على لم شتات العائلة.
تنتهي الرواية دون أن تقر صراحة ببيع البيت، ولكن مسار الأحداث يوحي بثمة تقارب بين الراوي وأخيه، ويمهد لانتقال كلاهما إلى ما قد يعتبره البعض مثابة حياة طبيعية، أو حياة مستقرة.
أيام النوافذ الزرقاء – شرقيات – 2009
الكتب خان 2020
عن الاغتراب والحنين للبيت القديم، تولد حكاية النوافذ الزرقاء، جاعلة من فترة الحرب مسرحًا زمنيًا يؤطر الأحداث، وإن جاء زمن الاسترجاع معاصرًا، كالكثير من أعمال الكاتب، فهو يقف على عتبة زمان أقرب للحاضر، ثم يقفز إلى الوراء، ليغوص في جوف الزمن، مستحضرًا ومستخرجًا عشرات الإشارات والأحداث المشكّلة للحظة القص.
الجدة هنا بمثابة بندول الساعة، هي الحاضرة بين الأزمان، عصية على السقوط من الذهن ولو عبر تناوب/تأرجح الزمن/البندول. هي الحاضنة للجميع، القائمة بدوري الأب والأم بطوال الخط السردي. خال الراوي الأول، فؤاد، يستشهد في حرب الاستنزاف، يسقط الخبر على بيت الجدة فيحدث الشرخ الأول، الذي يؤسس عليه الراوي متابعته لمصائر الشخوص، منوعًا نبرات صوته ما بين الطفل الذي كانه، والرجل الغريب الذي صار اليوم بعيدًا منفيًا خارج مدارات الزمان والمكان.
يستحضر الكاتب نماذج الهروب من الواقع من خلال خاليّ الراوي الآخرين، نبيل، الذي هرب من الوطن وإرثه الثقيل ليستقر في ألمانيا، مكتفيًا بخطابات غير منتظمة تمنحه حق الاحتفاظ الذهني بالمكان، يتبعه في ذلك محمد شقيق الراوي، الذي يهاجر بدوره فيما بعد. أما محمود، خال الراوي الذي قرر الانسحاب من الواقع واللجوء إلى شرنقة البيت القديم، فهو يتقوقع في البيت كحضّانة زمنية تجمده في زمن لا يود مغادرته، ليبقى وفيًا للعيش خلف النوافذ الزرقاء، يطفو على وجه الحياة، ويكلف نفسه بنوبة حراسة أبدية للزمن، بعدما حمل في قلبه ندبة غرام ضائع.
لدينا كذلك نموذج الخالة سميرة، وهي نموذج رُسم ببراعة فائقة، ليمنح المرأة صك البطولة والمثابرة باقتدار، وقد كان لها حضورًا مؤثرًا في حياة أجيال العائلة المتلاحقة.
وعلى الرغم من قصر النص، وما ذكرته عاليه، لا يمكن أن أتغاضى عن بعض الأنماط والصور والتفاصيل الصغيرة التي يغزل منها عادل عصمت نسيج حكايته ويطرزه، فكانت لدينا شخصية سامي وشبح عازر ولوثة الحروب والدم (أثر الحرب هنا مشابه لأثر الحرب على حسام في حياة مستقرة وان اختلف الزمان والمكان)، كذلك أحببت رسم الشخصيات الهامشية مثل عم مرسي البوسطجي، وعبده الأصيل وصفية، ومنير زاهر.
الرموز حاضرة بقوة في النص، أعني هنا تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحكاية أسطوريتها، الحرب التي تأسر الناس جميعًا خلف نوافذ زرقاء، علبة الخياطة الضائعة جاءت كرمز مغمس بالشجن، يصنع الحدث ويلقي بدلالته على مساراته. حضور الفئران كمصدر خطر يقوض بنيان البيت القديم. ورمزية الطائر الذي ينقر الزجاج وكأنه يمهد لتسرب الروح عبر الجدران.
عمل روائي آخر يفوح منه عبق الزمن، وينشغل بمراقبة آثاره وتقلباته، عبر عرض أنماط بشرية تجمعها إما مصائر الشتات، أو الضياع كاختيار حر.
حكايات يوسف تادرس – الكتب خان - 2015
عوالم هذه الرواية أحالتني إلى استرجاع أجواء روايتين سابقتين هما إجازة تفرغ لبدر الديب، وحافة الليل لأمين ريان، إلا أن الكاتب هنا، ورغم تشابه المسارح السردية، نجح باقتدار في وضع بصمته الخاصة على الحكاية.
بداية، لا يمكن أن يشك قارئ هذه الرواية في أن كاتبها مسيحي، التفاصيل والأماكن والطقوس والذكريات التي تؤطر الأحداث لا يمكن أن يمتلكها ويلم بها سوى مسيحي حتى النخاع.
عبر راوٍ وحيد، يستحضره الكاتب بصيغة الغائب طوال الوقت، ليجعل بين القارئ والراوي حاجزًا شفيفًا؛ مستهلاً الفصول بعبارة واحدة هي "يقول عادل عصمت": تتمحور الرواية حول فكرة البحث عن الذات، وطغيان الموهبة كلعنة تنال ممن يُبتلى بها حتى تقف به على حافة الجنون، يقترب الكاتب بحرفية من عالم الألوان، ليلامس الخيط الرفيع بين الفن/الإبداع كهواية، والفن/الإبداع كمهنة. ويوسف تادرس هنا يحمل ملامح كل من حسام والراوي في (حياة مستقرة)، ومحمود في (أيام النوافذ الزرقاء)، وهو بدوره يمتلك تاريخًا من الإحباطات العاطفية، متمثلاً في حكايتي سناء المسلمة وتهاني المسيحية، كما يمتلك ذات القدرة التي يختص بها عادل عصمت أبطاله في تفويت الفرص، وغياب القدرة على الحسم، وتأجيل كل القرارات المصيرية،
الحكاية تستعرض رحلة يوسف تادرس من خلال ثلاثة عقود، فنحن نتعرف على الأب الذي ينجب يوسف في زواجه الثاني، وأمه المتدينة التي تهتم بأداء الخدمات الخيرية تحت مظلة الكنيسة، الأم هنا جعلت من مولد يوسف حكاية أسطورية لم تتوقف عن تلقينها له حتى شكلت بعض ملامح شخصيته.
يوسف يحب الرسم، ويجد نفسه بين أطياف الألوان، ويطالع العالم عبر تداخلاتها، ولكن ثقته مهزوزة، يتأثر كثيرًا بانتقادات الأصدقاء وآرائهم السلبية، ويحمل بعضها أكثر مما ينبغي.
نعاين مع يوسف انكسار النكسة وآثارها التي امتدت كشرخ وجداني لا تمحوه الانتصارات العسكرية، عقب ذلك نشاهد يوسف تادرس في شبابه، وهو يمر بذات الدوائر والدوامات الفكرية التي عصفت بنا جميعًا، كان لكل من "جماعة عنخ" الخاصة به، والمراد هنا أننا مررنا كلنا بمراحل زاملنا فيها أصدقاء يتصورن بأنفسهم القدرة على تغيير العالم من خلال الصفات النبيلة وأوهام نشر الثقافة والفن وتحرير الفكر. نشاهد زواج يوسف، ونرى ملامح زوجة الراوي في (حياة مستقرة) تطل من جديد في قسمات زوجة يوسف، وكلاهما نموذج شائع للمرأة الشرقية المتسلطة، التي لا تؤمن بموهبة رفيقها، وتقلل من شأنها لقلة مردودها المادي، بل وربما تحاول أن تشغله عنها بدمجه في أعمال إضافية لتأمين لقمة العيش، مدفوعة -فقط- بحب الامتلاك.
في النهاية، نقف أمام يوسف العجوز الذي استعاد شغفه بعدما أصبح جدًا، وقد أعاد اكتشاف الحياة مرة أخرى. لم يعثر يوسف تادرس على نفسه إلا حين تجرد من الشعور بالتفرد، وشعر بضآلته في هذا الكون اللانهائي، انسلخ عن ذاته القديمة وأسلم روحه لغواية الألوان بعدما نحّى جانبًا كل الأسئلة المكررة عن الداعي والغاية والسبب، تعرف على خيط الأصالة الرفيع في فضاء الألوان، انفصل كليًا كدودة تتحرر من شرنقة الحرير لتحلق كفراشة تناظر جسدها القديم وتتحدث معه.
لقطات مأثورة:
• أحببتُ استحضار طيف جورج بهجوري كنموذج يحلم الراوي بالوصول إلى مكانته، وخوض تجربته، أحلام التحرر كانت ظاهرة في تعلق الراوي بعبارة "جورج بهجوري يرسم من باريس"، فهو يريد أن يكون في باريس، بذات القدر الذي يود فيه أن يكون جورج بهجوري! ذات الاستحسان خابرته بحس شاعري كُتبت به المشاهد التي تحدث فيها الراوي عن لوحات وجوه الفيوم، وكيف ظل مأسورًا بوجه إيريني.
• الحنين إلى الماضي والأساطير الشعبية في الزقاق الذي يتحول إلى مخزن أفرغت منه الحياة ودهست الذكريات، هو نموذج آخر في أدب عصمت يتمحور حول الشوق إلى البيت القديم، كحصن أبدي للماضي وملاذ من عواصف الزمن.
• رصد عصمت بعناية فائقة، وبنبرة هادئة رصينة، بداية ظهور المد الطائفي في مصر وكيفية تحور العقلية المصرية وتجريفها عقب هذه الهجمة العقلية. لم يقع الكاتب في فخ التنظير والتأريخ، بقدر ما برع في رصد الظاهرة، وانعكاس ظلها على بطل الرواية المسيحي.
• حين استعاد يوسف تادرس شغفه أخيرًا، في الثلث الأخير من الرواية، رسم لوجهه تسعة وتسعين لوحة تظهر مختلف التعابير، كانت كل منها مختلفة عن الأخرى، حتى كانت اللوحة المائة، التي وجد نفسه فيها وكأنها تلخص كل ما سبقها. اختيار الرقم 99 لعدد اللوحات يحتمل أكثر من تأويل، أميل إلى واحد منهم، ولكنني احتفظ به لنفسي.
• من المؤكد أن الكاتب قد بذل جهدًا ضخمًا في دراسة مدارس الرسم وعوالم الألوان لينتج لنا عملاً بمثل هذا الاتقان والتميز.
في النهاية، وجدت أن يوسف تادرس كان وكأنه يتحدث إلى ذاته القديمة طيلة الوقت، مقدمًا نفسه بعبارة "يقول يوسف تادرس" لأنه أدرك أن المتكلم يختلف عن المخاطب، وإن جمعهما نفس الجسد. على الأقل: هذا ما ظهر لي واستحسنته كثيرًا
صوت الغراب – الكتب خان - 2017
أخيرًا: تتبلور صورة بطل عادل عصمت الذي طالما بحث عنه واقترب من ظله، وجسد بعض أطيافه في ثلاث روايات سابقة.
يستجمع الكاتب وجوهًا من عوالمه السابقة، فالراوي هنا، وهو مجهول الاسم - ربما بغرض منحه خاصية الشيوع والتكرار الأقرب إلى التعميم – يحمل شيئًا من روح إبراهيم عطية (الرجل العاري)، وحسام (حياة مستقرة)، ومحمود (أيام النوافذ الزرقاء)، والكثير من ملامح يوسف تادرس.
شخص مسالم يواجه المجتمع ويخوض معه حربًا صامتة لا يُسمع لها دويّ، فكل نتاج الحرب يتردد في عقل الراوي وحده. يجيد عادل عصمت مرة أخرى نقل المشاهد عبر المراحل السنية المختلفة بما يتسق مع كل مرحلة، فالراوي يسرد بنبرات ومفردات متغيرة تاريخ عائلته، بداية من جد لم يره (مندور البري)، ولكنه يحفظ سيرته وقد حقق تحرره التام بأن اختفى بغتة لينجذب إلى عوالم أخرى وجدت فيها روحه الألفة والسكينة المرجوة، كان "مندور البري" بريّ الطباع، وهو ما امتد -ربما- إلى شخصية الراوي. يمر الراوي عقب ذلك -تباعًا- بحكايات الجد بدوي، والأب عبد السلام، والأم، والخالة خضرة، والعم صلاح، ثم العمة سعاد، وصولاً إلى أشقاء الراوي؛ حسن ومحسن ومريم.
البحث عن الهوية، التوق إلى الحرية، الشعور بالاغتراب، الاستسلام وانعدام الرغبة في الفعل، استكشاف الحياة عبر التلصص على الجيران ومدرسة البنات من خلال المنظار، كانت تلك محاولات متواصلة لاستكشاف خبايا العالم وما وراء الجدران، تحمل في طياتها رغبة في استكشاف النفس والتعرف على ميولها ورغباتها، حتى أن سرقة الراوي للنقود من حقيبة أخيه، كانت مجرد محاولة أخرى للتجربة والتعرف على الذات! تنوعت نوبات التلصص فيما بعد، فنشاهد انتشاء الراوي بمشاهدة المقاطع المبتورة بمقص الرقيب من الأفلام السنيمائية، وصولاً إلى تعلقه بالسينما كرغبة موازية في الاستكشاف، وهي رغبة لا تستمر كثيرًا لكونها زائفة لا تنقل صورًا حقيقية كما يفعل المنظار. كان الراوي منشغلاً بعقد مقارنات بين حياة الأصل وحياة النسخة، قبل أن يكتشف -تدريجيًا- أن كل أنواع الرغبة يعقبها نفور واستغناء عقب تحققها.
التلصص، والتأمل الصامت لتحور القلوب والمدن وتبدلها، ومعاناته مع وجهه الفضاح بما يجيش في صدره من متغيرات، والتنقل ما بين نشوة الرغبة وأفولها، والتأثر بالحس الأسطوري للحكايات القديمة، وميراث المنقول الشفاهي الذي لا ينضب ولا يضيع، والتعلق بالبيت الأول، وصدمة جلال الموت والغسل وطقوس الوداع، نظرة الطفل المتشككة حول تحقق الاختفاء الكلي وزوال أحد الوجوه من العالم الذي يعرفه إلى الأبد؛ كل تلك العوامل تراكمت وتضافرت واختمرت لتنتج لنا هذا الراوي في صوت الغراب، شخصية غير عادية، تنغمس في استكشاف الذات، وتقترب من جوهر الروح لتلامسها، وتقترن بها، حتى يصبح الجسد إطارًا أجوف يقوض آمال التحقق، مجرد غلاف مادي مترهل يتوجب على المرء أن يتخلص منه، حتى تكتمل حريته، ويتحقق انفصاله عن سائر الموجودات، من خلال الطيران!
هنا تتجلي المواجهة بين اليقين الفردي، واليقين الجمعي، أي الفرد ومعتقداته، في مواجهة مجتمع يسيّج كل أفكار التحرر والتحليق عبر كتل خرسانية من الأفكار والعادات والتقاليد والمقدسات، يكتشف الراوي أن كل شيء زائف، الحياة برمتها رحلة عبثية، صلات الدم والأرحام وعلاقات الإخوة محض إطار قديم لصورة غائمة، تطرزه أمثال وأقوال وآيات لا محل لها من الوجود فوق الأرض ولا مستقر لها في القلوب. فالغراب هنا لا يواري سوأة أخيه، بل يمعنُ في إيذائه. طيف العمة سعاد يظل حاضرًا في ذهن الراوي، تلك الفتاة التي اقترفت جريمة الحب وأغواها الاعتقاد بحرية الاختيار، هكذا كان اتهامها يُتلى فيما بعد "كانت حرة"! وكانت تلك جريمتها الذي ذهبت بعقلها، فحُبست في غرفة مظلمة حتى ماتت، رحلت لتستقر في وجدان الراوي، قبل أن تحل روحها المتمردة في جسد شقيقته مريم.
ذات الإيذاء يتعرض له الراوي في الفصول الأخيرة، فحين يطنّ عقله بالأسئلة التي لا تجد الإجابات، والإجابات التي لا يجوز الجهر بها، يسقط ضحية لاكتئاب مرضي، يحاول اللجوء إلى طبيب نفسي ولكنه لا يضيق بالتجربة، يدخل إلى مصحة بحثًا عمن يداويه، حتى يغادرها دون أي تحسن فعلي، ليعيد الأخ حكاية العم مع العمة سعاد، فيحبسه في غرفته، فقط لأن إعلان جنونه يحمل نوعًا من العار الذي يشوه اسم الأسرة ومكانة اسمها التجاري.
حلم الطيران المبكر كان يراود الراوي منذ طفولته، فكانت الدراجة هي وسيلته الأولى لمخابرة الانطلاق، وهو ما كاد يودي بحياته، حتى استبدلها بالتحليق في المكان، وأعني هنا استخدام المنظار للتحليق فوق الأسوار، الطيران كان هو دافعه الخفي طوال الوقت، صوت الغراب الذي انطلق منه ذات غضب في المصحة كان تعبيره الأول عن نفسه! بعدما تخبط في متابعته للطرق التي سلكها أقرانه، الممثل مجدي المغربي، وإبراهيم الألفي، وحتى توفيق السيد مروج الشهوات.
وحين يتعرف الراوي على الأنثى كجسد، بعدما خابرها فوق الشاشات وفي عين المنظار، تتراوح رغبته ما بين الكشف والشهوة، في البداية كانت مراقبته لـ "سومة"، الريفية التي تخدم خالته، ومتابعته لمراحل التحور التي مرت بها قبل التحرر، بعدما اجتازت الخط الملغز الكثيف بين عالمين متناقضين حتى هربت من كليهما، أحب الراوي تجربة سومة كنموذج آخر لامرأة حرة، اختصها الكاتب بالإفلات من العقاب. ثم جاءت ابتسام، وفي ظني أن الراوي قد أحب ابتسام، ولكنه كان فاقدًا للبوصلة، لم يعرف ما يريد وأين يتوجب عليه الذهاب، لا يعرف خطوط بداية ونهاية، ولا ثقة لديه بقدرته على تحمل فكرة البيت، بات يكره فكرة البيت لأن عمته سعاد ماتت في البيت، وكذلك أبوه وأمه، وفي البيت أيضًا ضُربت مريم، وكاد هو يقتل حسن، البيوت تحدد مساحة الحرية. هكذا استقر يقينه، يتعاطف مع قهر ابتسام الموشوم على صفحة وجهها، ولكنه في ذات الوقت يمعن في قهرها بالانسحاب في اللحظات الفارقة، حتى يعرف بأنها قد أجهضت للتو جنينًا شتله هو في أحشائها، فتختلف رؤيته للأمور، ويقترب أكثر من تحوره الأخير إلى غراب حر.
النصر الوحيد الذي يحققه الراوي عقب عقود من التيه بين ردهات عقله الصاخب بالأسئلة والاستجوابات، كان انتصارًا لغيره؛ انتصاره لأخته مريم، عبر مساعدتها ضمنيًا في تلافي ملاقاة مصير العمة سعاد، مريم تحمل ملامح عمتها المغدورة، وتحل فيها ذات روح البرية المتمردة، روح مندور البري، فتقف لتواجه سطوة الأخ الأكبر المهيمن على كل شيء، وتكاد أن تسقط في ذات الهوة، ولكن الراوي يهب لنجدتها، في لحظة يتجمد فيها الزمن، ليكتشف خلالها الراوي قدرة جديدة في نفسه، قدرته على التحور من الاستسلام، إلى الشراسة الوحشية.
عقب هذا المشهد، يتأهب الراوي تدريجيًا، ليحقق حلمه المؤجل بطيرانٍ هو الأول، والأخير.
في رأيي المتواضع، صوت الغراب هي درة أعمال عادل عصمت، هي القطعة الأدبية الفنية النادرة التي توضح مقدرته الفائقة على نسج ثوب الأسطورة المبهر من خلال لملمة قصاصات الحكايات العادية، والتفاصيل المألوفة.
هي الرواية المصرية المعاصرة التي تطرح الحد الأكبر من الأسئلة الوجودية، دون تنظير أو وعط أو نبرة عالية منفرة، صوت عادل عصمت كما سمعته في أحد الحوارات، يحتفظ بذات الهدوء المنطوق إبان الكتابة.
لقطات مأثورة:
• استوقفتني مرة أخرى ملاحظة هاجس الفئران عند الخالة بالتزامن مع اغتيال السادات والشعور بأن بساط الزمن الذي تعرفه يُسحب من تحت أقدامها. حمل الرمز إحالة واضحة إلى توغل تيار التعصب الديني في نسيج المجتمع المصري. رمز الفئران، كان حاضرًا في رواية أيام النوافذ الزرقاء، ليمثل بصورة مغايرة ذات التهديد بتغييب معالم المكان والزمان.
• تسريب صوت مريم إلى المروية الأساسية من خلال قراءة الراوي لمذكراتها جاء موفقًا وملتحمًا بنسيج السرد.
• كان إرث التاريخ العائلي هو المسيطر على عقلية الراوي وقراراته المعلنة وغير المعلنة، فهو لم يتأثر بدراسة الفلسفة وتجربة التجنيد ثم العمل في محلات العائلة بذات القدر الذي تأثر به بمراقبة الأشخاص في عالمه الصغير، وتقصي أثر الزمن، احتفظ الراوي بشروده بطول الخط السردي، وعلى الرغم الإيقاع الهادئ في الظاهر، إلا أن وتيرة التغيرات في رأس الراوي، كانت سريعة جليّة سهلة الالتقاط.
• الرغبة في التحرر في حكايات يوسف تادرس كانت من خلال الفن، وفي صوت الغراب كان التحرر من خلال الطيران، وفي هذه المقارنة تتضح رؤية الكاتب في أن الفنون أحد أشكال التحليق فوق الرتابة والعادية، وها هو يبرع في أحد صنوف الفنون، وهو الكتابة.
• شخصية الخالة خضرة كانت شديدة الثراء، كانت الخالة هي الحاضنة للراوي، وهي الوحيدة التي قبلته كما هو. لا أود أن أطيل أو أعيد، ولكن؛ كان من الضروري أن أشير إلى هذه الشخصية، وأن أنصح كل هواة الكتابة بتتبع طريقة رسم وبناء وتطور هذه الشخصية التي لا تعد محورية في ظاهرها، ولكن أثرها امتد على مسار الأحداث، تمامًا كشخصية العمة سعاد. وشخصية مريم. الشخصيات النسائية في العموم كانت مرسومة ومرصودة بدقة شديدة.
• مشهد إطلاق صوت الغراب الأول، مرورًا بالمصحة، وتكرر إطلاق الأصوات، وأثره الرمزي في نفوس عشرات الشبان، بما يوحي بأنهم في واقع الأمر مشاريع غربان جديدة، فاقدة للرغبة، عاجزة عن الفعل، ومؤهلة للتحليق، ومن ثم الطيران المقترن بالانسحاب.
حالات ريم – الكتب خان - 2017
يخرج عادل عصمت من صومعته الأثيرة، عبر هذه النوفيلا القصيرة. يناقش راهب طنطا قضية تبدو في ظاهرها اجتماعية عائلية، ولكنها تضم الكثير من التفاصيل التي طالما برع عصمت في التقاطها. الكتابة تغوص في نفسية المرأة المصرية المعاصرة، وترصد تحولاتها وتقلباتها المزاجية بخبرة ودراية كبيرة، تعامل المرأة مع جسدها، واستيعابها لرغباتها الحسية والجسدية.
ترصد الحكاية علاقة زوجية بدت مستقرة قبل زمن القص، ولكنها تبتدئ في لحظة تتداعى في جدران البيت، دون سبب واضح. الراوي الوحيد (مهاب) يبحث عن التفاسير، ويراجع مفاهيمه حول الحب والارتباط وإطار الزواج، و(ريم) حائرة بين حالات تنجلي بها درجات التناقض الذي تعاني هي منه قبل أن يتسبب في إيذاء مهاب، تتسع الصورة لتكشف عن تأثر ريم بموجة المد الوهابي وتجريفه للهوية المصرية، تتأثر بكلام أختها العائدة من بلاد النفط، وزوج أختها كاتب كتب الأدعية، فتنتقل من عشقها للرقص والتحرر من التقاليد والأعراف، إلى ارتداء الحجاب ثم النقاب، ومع كل تغير كانت تبتعد خطوة إضافية عن مهاب، رغم أنه لم يعارض تلك التغيرات، وإن أذهلته.
وعلى عكس أبطال عادل عصمت، تنطلق ريم في اتجاه معاكس من الحرية إلى قضبان الأسر الطوعي، تختلط في عقلها مفاهيم الحرية والله والدين والموت، تلوم نفسها على حريتها، وتعاقب ذاتها بالخضوع إلى موات تدريجي طالما أعلنت خشيتها منه، ولكنها تصر على إتمام افتراقها عن مهاب دون سبب جوهري واضح، ماذا تريد ريم؟ هذا ما يردده مهاب طوال الوقت، ويجد القارئ نفسه شريكًا في ترديد ذات السؤال؛ ما الذي تريده المرأة؟ وهل نعني ريم على وجه التحديد؟ أم أي امرأة شرقية؟
ما الذي يدفع فتاة ممتلئة بطاقة الحياة، تبحث عن "السعادة" كأول كلمة قرأتها، إلى فتاة تستقبل في فراشها هواجس الموت، وتحتجب عن أنظار الناس خلف نقاب أو ستار عازل؟
ثم؛ كيف يواجه الرجل الشرقي الشعور بالرفض؟ من الطبيعي أن يكون الغضب حاضرًا في حالة انعدام الأسباب أو ضبابية الصورة، ولكن مهاب يذهب بعيدًا في وضع خطط الانتقام، هو لم ينفذ أي منها في نهاية الأمر، ولكن التفكير في حد ذاته يعكس شهوة الاستحواذ والشعور الذكوري بالتفوق، فهو في قرارة نفسه، ورغم تعاطف القارئ معه في المجمل، لا يقبل أن يكون مرفوضًا من حبيبة لم يعشق سواها، ولم يقدر على إبعاد صورتها الراسخة في عينيه، ولو عبر الانخراط في نزوات صبيانية عابرة.
رصدت الحكاية أثر المد الأصولي على العقول، وكيفية تحول كل صور السعادة إلى مقدمات لموت مقرون بعذابات القبر والجحيم، ولكن الحكاية قد رصدت بجلاء عجز الرجل عن فهم طبيعة المرأة، وفي ذات الوقت؛ حيرة المرأة أمام تحديد متطلباتها، ومعرفة احتياجاتها الفعلية.
في رأيي المتواضع، هذه النوفيلا كانت تحتمل صوتًا إضافيًا، نصف آخر موازٍ، نستمع فيه إلى صوت ريم، الضلع غائب الذي كان ليتمم بحضوره أضلاع الحكاية. مجرد رأي.
الوصايا – الكتب خان - 2018
مرت سنوات كثيرة، وتراكمت الخبرات، ومضى قطار العمر في مضماره. تخطى راهب طنطا عتبة عامه الستين، فاتضحت الرؤية، واتسعت مساحة المشاهدة، فقرر أن يستدعي كل أبطاله الحائرين، ليمنحهم عصارة تجربته الحياتية الثرية بالشخوص والمطارح، تلاوة الجد هنا هي وصية لرجل يحتضر، ولكن تلاوة عادل عصمت، وصوته الرابض خلف نبرات الجد الذي خبر الحياة ومر في كل مسالكها وشعابها، تحمل لحظة مكاشفة، ونوبة بوح واعتراف بخلاصة التجربة.
يستدعي الجد (الحاج عبد الرحمن سليم)، ذلك "الولد الساقط"، الذي يمكن أن نميز في ملامحه وجوه عدة أبطال رئيسيين وفرعيين في أعمال الأديب الطنطاوي الأبرز، فهو (الولد الساقط) صاحب الذات الحائرة الباحثة عن طريق لا تعرف من أين يبتدئ، وإلام يفضي.
يستشرف الشيخ المحتضر توقيت وفاته، يعرف أن أمامه بضع ساعات فقط، فيقرر أن يستدعي حفيده ليتلو عليه خلاصة حكايته، وعبر نوبات الصفاء والحكي المتقطعة، يسحب الجد حفيده إلى عالم آخر لن يقدر على مغادرته، يضع بين يديه إرث الحكايات، دون أن يلزمه بشيء محدد، هو فقط يطلب منه – ضمنيًا – أن يحفظ هذه الوصايا.
عالم متكامل منسوج على نول قديم، أتصور أن الغلاف نفسه مرسوم على كليم قديم في بيت جدي في قريتنا، الصورة عامرة بالألوان والأصوات والروائح، الصفحات عابرة للأزمان، والكلمات غائمة تتجسد من خلالها المشاهد فيما وراء السطور، هي حالة كتابة ولدت ذات صفاء في ذروة ساعات التجلي، لتخلق متعة حسية تجاوز حدود المتع القرائية المعتادة.
الجد والعائلة والأرض والدار القديم، حكاية الأجيال، والإرث الذي نرثه دون أدنى درجة من حرية الاختيار، ومحاولاتنا الحثيثة للتخلص من هذا الإرث، ربما دون إدراك كاف بقيمته، أو إلمام كامل بمحتواه.
الوصايا، العنوان كما يظهر للوهلة الأولى مشتقٌ من الوصايا العشر في الكتاب المقدس، ووصايا النبي موسى كما وردت في التراث اليهودي والمسيحي، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الوصايا تجاه الرب، وهي أربع، والوصايا تجاه الأقرباء وهي وصية وحيدة تختص ببرّ الأب والأم، ثم خمس وصايا تجاه المجتمع تنهى عن القتل والسرقة والزنا وشهادة الزور، وعدم اشتهاء ما لدى قريبك فيما يفسر على أنه وأد للطمع والرغبة في الاستحواذ على ما لدى الغير، وهو ما ينسحب وفق الاعتقاد المسيحي على ضرورة مقاومة رغبات القلوب السيئة في المجمل.
لا يثق الحفيد في قيمة وصايا الجد ويشك في كونها أعراض خرف لرجل يحتضر، وواقع الأمر أن هذه الكلمات حولته من مجرد ولد ساقط إلى رجل ينال الماجستير ثم الدكتوراة، رغم ذلك يظل يبحث عن نفسه في ضوء الوصايا العشر للجد الحكيم.
ترصد الرواية تاريخ مصر في الفترة من العشرينيات حتى نهاية السبعينيات، من خلال تتبع مسار عائلة سليم وأجيالها المتتالية،
الجد عبد الرحمن، الشاب الدارس لعلوم الدين، يعود مهرولًا إلى قريته يعدما يعرف إن أباه على مشارف الموت، يموت الأب ويتبعه بوقت قصير أخيه نعيم، فيدرك عبد الرحمن أن الأقدار قد اختارت له مسارًا مغايرًا، وأن السماء قد أوكلت له مهام رعاية البيت الكبير، واستعادة الأراضي التي فرط فيها أبوه في الثلاثينيات.
كانت لدى الجد القدرة على التواؤم مع السلطة والانخراط في تكديس الأراضي بعد الثورة، ذلك قبل اكتشافه لفضيلة التخلي، حتى كان أن انقلبت السلطة عليه بعد انتهاء مهمته. لم يغضب، فقد استعاد بالفعل الأرض التي ضاعت في الثلاثينات، بل إنه ضاعف مساحتها عدة مرات.
وعلى خلاف غالبية روايات الأجيال، لم أشعر هنا بضرورة رسم خريطة العائلة وكتابة أسماء الشخصيات ورسم الصلات التي تجمعهم، كانت انسيابية الحكاية جامعة لكل الروابط بما يوفر عناء القراءة المعتاد في روايات الأجيال. تظهر فيما بعد شخصيات مؤثرة في حياة الشاب عبد الرحمن سليم، زواجه من خديجة، وعلاقته برفيقه ونديمه نور الدين، وزوجته الست كوثر، ولعل علاقة الغرام الممنوع التي جمعت عبد الرحمن بالست كوثر، وتجاوزت مع الأيام حدود السر إلى العلن المذاع، كانت شديدة العذوبة، متفردة في قوانينها وأحكامها التي استقرا عليها وألفاها وقبلا بها.
شخصية الست خديجة بدورها كانت ثرية، ما بين تطوراتها وقبولها بالاستقرار في الهامش وحفاظها على البيت وقبول النفي القسري مع الأحفاد في طنطا فيما بعد، كنت أرى فيها ملامح الأمهات والجدات، فهي القادرة على التأقلم مع يقينها من أن قلب الشيخ يميل إلى غيرها، يستفزها تعلق ابنها صالح بدوره بالست كوثر، تضيق باصطفاء الشيخ عبد الرحمن لكوثر لتكون خزانة الأسرار والناصحة الأقرب ذات الصوت الأكثر قدرة على التسلل إلى دماغ الشيخ، ولكنها -الست خديجة- تصبر وتواصل مهمتها في صمت، ترتضي بكل تلك الأحداث التي لا تقبلها المرأة إلا إن كانت قد بنت لعشق رجلها في القلب مقامًا، هكذا ظلت الست خديجة، راضية شاكرة صموتة، حتى يصيبها مس من الجنون مع ورود فكرة هدم الدار القديمة وإعادة بنائها.
ومن حكاية الشيخ عبد الرحمن سليم، تتفرع أشجار الحكايات، بداية بعلي سليم (ابن أخيه نعيم) وزوجته نبية التي تتولى إدارة الشؤون المالية بقرار الشيخ عبد الرحمن لفترة طويلة، ثم أبناء الشيخ عبد الرحمن؛ صالح وعبد الله اللذان يقرر أبوهما استبدال أدوارهما بغتة، فيرسل عبد الله إلى الأرض للاهتمام بها بعد وفاة علي سليم، ويرسل صالح خارج القرية ليدرس علوم الدين، مستكملاً المسيرة التي لم تمنحه الأقدار الفرصة لاستكمالها. يظل عبد الله هو الابن المطيع الصموت، يتزوج من صفية ويلتحم جسده بالأرض فيصير كل منهما امتدادًا للآخر، أما صالح فيشب عن الطوق ويقرر الانسلاخ التدريجي من عباءة الأب والقرية والدار عقب إجباره على الزواج من فادية بنت المرحوم علي سليم، بينما كان قلبه متعلقًا بفتاة من البندر، يقبل صالح منحة دراسية يسافر من خلالها إلى عدة دول إفريقية لتأدية مهام دعوية، فيختفي أثره ويلقي على وجه الجد، عبد الرحمن، بأول ظل من ظلال الغياب. أما نعيم، الأخ الأصغر، فهو المهووس بالغازية في صباه، يجتذبه عالم الغجر والترحال، يتبع الغازية أينما حلت، وتعتقد الست خديجة أنه مسحور فتقيم الزار وتنفذ حرفيًا كل الطقوس والعادات التي من شأنها فك السحر. نعيم يُستدعى إلى الجيش في ذروة الحرب، ويصاب في كتفه، قبل أن يعود بروحٍ أكثر جنوحًا إلى السكينة والاستقرارـ فيتزوج من سعاد جارتهم في شقة طنطا مُذعنًا لشرط أبيه بالإقامة في الدار الكبيرة في القرية بعد تجديدها.
كانت تلك هل اللحظة المفصلية التي غيرت مسار الحدث ونبرة الحديث فيما أعقبها من فصول الحكاية، فالطنطاوية بنت البندر لا تنخرط في حياة الريف، وتواصل عملها كمُدرسة في دار تحتجب فيها النسوة خلف الجدران، لتوقظ بذلك النار الراقدة تحت الرماد، نار الغيرة بين نساء البيت، كذلك جاء التمهيد لاستقبال نعيم في الدار الجديدة، وما يستلزمه الأمر من هدم الدار القديمة وتشييد بناء جديد أكثر اتساقًا مع العصر، بمثابة الشرخ الهائل في جسد العائلة، الكل لا يصدق أن الدار ستتهدم، لا يعنيهم أن تبني في مكانها دارًا جديدة بالطوب والأسمنت كأهل البندر، هم لا يتصورون اختفاء المكان المقترن بالزمان، ففي تغييب الجدران إنكار للزمن ومحو لصفحات متراكمة من الذكريات! الست خديجة يطن عقلها بالهلاوس والوساوس مع بداية ظهور الفكرة، فتكثر من الإنصات إلى الجدران، وتقول بأن أولئك الذين لا اسم لهم (تقصد الجن وتتحاشى ذكره كسائر أهالينا في القرى) يريدون طردهم من البت وتشتيت العائلة، كان كلامهم محض هلوسة في نظر الكافة، حتى آمن الشيخ بأنها كانت بمثابة النبوءة، ولكن بعد فوات الأوان.
قبل ذلك، وخلاله، ومن بعده، كانت هناك فاطمة، ابنة الشيخ عبد الرحمن سليم الأكثر قربًا له، وهي التي ورثت عنه القسم الأعظم من خصاله وبعض ملامحه، هي البطلة الحقيقية وعمود الخيمة في دار سليم، هي الحافظة لأرث التقاليد والعادات والمحافظة على بقاء الدار بعد تحديدها، تصر على أن تظل الدار عامرة بأنفاس آل سليم، ولا تغادر القرية حتى يواريها ثراها.
وحين تتقوض أعمدة البيت الجديد بشيوع الشقاق والخلاف، وتتناثر أوصال اللُحمة العائلية هنا وهناك، ثم يشب الخلاف بين النساء فيتبادلن الصفعات ويشقن جلابيب بعضهن البعض، ويتناثر الطحين والخبيز على الأرض وتدعسه أقدام المتعاركات؛ يقرر الجد الانسحاب، يعتكف في غرفته رافضًا أن يشاهد أحدًا، لا يحق لأحد رؤيته سوى فاطمة، يستشعر تسرب الزمن من بين كفيه، يحاول العودة إلى الأرض ولكن كل الصور تبدو مغايرة لما التقطته ذات الأعين في أزمنة ولت، الألوان باهتة، والرجال قل عددهم، ما بين هجرة إلى الداخل أو حج غير مبرور إلى خلجان النفط، يلوم نفسه على هدم الدار وتجديدها، يشعر أنه بدد تاريخ العائلة وشتتها بما فعل، فيقرر توزيع الميراث بقسمة العدل قبل وفاته، تحاول الست كوثر رده إلى رشده، ولكنه يصر على ما بلغه في دروب التجلي، وقد عرف أن التخلي والتحلي يُحدث التجلي، يتأهب الجد، ويحدد موعد رحيله، ثم يستدعي الولد الساقط، لتبدأ الرواية.
لقطات مأثورة:
• الدار والأرض كرمز للوطن والهوية، هي هاجس أساسي في روايات الكاتب، وفعل الهدم وإعادة البناء يتحمل الكثير من التأويلات والإحالات. علاوة على أنه يحمل تجسيدًا بليغًا لمفارقة ماضينا لنا، ذلك الزمن الجميل الشجي الذي يولينا ظهره شيئًا فشيئًا.
• مشهد معاناة فاطمة مع الختان مر ضمن سيل الحكايات، ولكنه يضع لبنة أخرى في جدارية الكاتب التي يجمع فوقها صور المرأة المقهورة.
• مشاهد مقاومة الجد لتغير الزمن وتجريفه لصور الأمس من خلال رفض دخول الترنزيستور والراديو، كانت ثرية فواحة بالشجن.
• أحلام الشيخ في الأسابيع الأخيرة من حياته كانت حافلة بالرموز والإشارات الفلسفية، ربما لا يتسع المجال لتأويلها جميعًا، ولكن الأجواء العامة للأحلام كانت بدوره جلابة للشجن.
• شخصية علي سليم بكل تحولاتها، من طفولته وحتى صباه وشبابه ورجولته ونهاية بموته، تستحق تناولاً نقديًا وبحثًا في تكوين الشخصية ودراسة تحولاتها كنموذج آخر أنصح به هواة الكتابة، درس آخر مجاني في مهارة وحرفية رسم الشخوص وشق مساراتها، يقدمه عادل عصمت.
• تحدث الكثيرون عن تشابه أجواء الرواية مع الملاحم المحفوظية، وعوالم خيري شلبي، إلا أنني شعرت بتشابه الأجواء مع رائعة عبد الحكيم قاسم أيام الإنسان السبعة.
الوصايا العشر:
خلاصك في مشقتك - إياك والعمى - المتعة عابرة كالحياة- كن يقظًا وقت الأفراح - الثروة مثل الدابة عليك أن تسوقها - احذر أن تقتل أخاك - الأحزان سموم القلب - تحمل الألم - المحبة دواء أيام الباطل - أعظم الفضائل في التخلي
الوصية المطمورة
لا أهم من وصايا الشيخ سوى تلك العبارة التي لخصت تجربة الحياة وفق منظور الشيخ "السديم هو الضباب الخفيف، سحابة من التراب أو الغاز، وفي علم الفلك نجوم بعيدة تظهر وكأنها سحابة خفيفة أو يقع ضعيف الضوء، وفي المختار، السدم هو التعب والحزن، ورجل سادم نادم: ما نحن سوى سديم، يتجمع ثم يتبدد"، الوصايا كلها هي في واقع الأمر اختزال لدورة حياة الإنسان فوق الأرض.
المشكلة الحقيقية أن الإنسان بري النزعة، مفطور على الانطلاق، مفتون بحب المغامرة والتجربة، لذلك يضيق بالنصح، ويرغب في كل مرة أن يكتشف الحقائق بنفسه، أن يصل إلى ما لم يدركه الأسلاف، ولكنه في كل مرة يصل إلى ذات النقطة التي انتهت بها حيوات الآخرين، وحاولوا نقلها له، ولكنه رفض!
هذا الولد الساقط الذي لم نعرف له اسمًا، هو -بكل بساطة- أنا وأنت، وكل قارئ يقرأ هذه الوصايا.
مخاوف نهاية العمر - الكتب خان - 2020
في أحدث أعماله، يعود عادل عصمت لعالم القصة القصيرة، عبر مجموعة تحوي سبعة قصص تدور في أفلاك الموت والحياة.
واللافت أن أول أعمال عادل عصمت كانت رواية "هاجس موت"، في حين أن أحدث أعماله يصدر تحت عنوان "مخاوف نهاية العمر"!
• قصة الفجر
المقهورون يتمنون غياب الفجر، لأنه يذكرهم بقطار العمر وقد مضى في مضماره بدونهم، الزمان ثابت إذا ما استمر الظلام، ولكنه النهار يعلن عن استمراريته، وهكذا يقرر عم نسيم بأن أسوأ فترات السجن في مرحلة اعتقاله، كانت لحظة طلوع الفجر. بعد إطلاق سراحه، يقنع عم نسيم بالعيش على ضفة الحياة، على الهوامش الممنوحة للمواطنين العاديين، حيث تتاح لنا حرية الحركة بين المنزل والمقاهي والأرصفة، والكلام عن كرة القدم وحوادث التحرش والاغتصاب، ولكن عم نسيم يظل يروي حكايته، تستمر حياته بالحكي، وحين يواجه بنفور المستمع من تكرار الحكايات، وضيقه من التودد، ينسحب، يتوقف عن الحكي، فيموت!
أعتقد أن عم نسيم كان يشعر مع إطلالة الفجر من خلف القضبان بكل طعوم الألم والوحشة، ولكنه حين غادر قضبانه، لم يجد الفجر الذي تصوره، ولم يجد الرفيق الذي يمرر في رفقته الأيام عبر نوبات الحكي.
(انعدام القدرة على الحكي هي هاجس الموت الأول)
• لن أتذكرك أبدًا
الراوي هنا مسكون بذكريات الراحلين، نميز في السطور الأولى علاقة شديدة الخصوصية مع صديقه الراحل. رحيل الصديق يدفعه إلى استعادة ذكريات الفراق والرحيل، إلا أن قصة واحدة تظل عصية على النسيان، قصة الحبيبة التي فارقته، بعدما صفعته بعبارة هي عنوان القصة ومحركها "لن أتذكرك أبدًا". الراوي هنا يفشل في مراكمة أحداث الحاضر فوق عتبات الماضي، وذكرى علياء حاضرة لا يفلح في مواراة أثرها، والسؤال الذي يتردد في عقله يتمحور حول الحرص على الرسوخ في ذاكرة الأحباب، الحرص على التواجد حتى عقب الغياب، هو سؤال حول السعي إلى الخلود ولو عبر ذكرى لا تغيب في أذهان الأحياء.
(الخوف من النسيان هو هاجس الموت الثاني)
• زينب فخر الدين
لا أعرف هل لاحظتم استدعاء شخصيات من رواية "الوصايا" في هذه القصة؟ أشعر أن قصة زينب وردت في رواية الوصايا، رجعت إلى الرواية ولكنني لم أعثر عليها! ولكن هنا، يرد ذكر الشيخ عبد الرحمن سليم، وتحضر الست خديجة زوجته لتمنح جثمان زينب راحة الخلاص.
الحكاية المتكررة في الأوساط الشعبية المصرية، سواء في الريف أو المدن الصغيرة، الأساطير التي تزاحم المنطق وتفرض سطوتها على العقول، القسوة التي تسيج المرأة والخطيئة التي تعني فناءها وتحولها إلى حفنة من عدم. للحكاية أكثر من وجه، الحكاية الرسمية المعلنة، تفيد بأن البنت قد أصابها مس من الجن عبر القط الأسود، أفقدها عقلها فألقت نفسها في النهر، والحكاية الخفية توحي بأن للعشق دور رئيسي فيما جرى، فيما تأتي الحكاية الأخيرة حاملة الحقيقة، فزينب فخر الدين قد قررت طواعية أن تهب نفسها للنهر، عروس نيل وقعت في زلل العشق، واختلطت في أوج غرامها حدود المحسوس بالملموس، فسالت بقعة الدم، لتغير من صفتها من فتاة حالمة، إلى شيطانة ممسوسة مغمسة بالدنس والخطيئة. الأسرة ترفض دفنها عبر إنكارها، تظل جثتها بلا قبر، حتى تعود الست خديجة لتمنح الفتاة قبرًا يضم رفاتها، ويواري عارها.
وفي تراث القرى والمدن المصرية آلاف من شبيهات زينب، أولئك المختفيات، والغارقات الطافيات على أوجه الترع والمصارف، وأولئك اللاتي يمتن بغتة دون علة في أوج شبابهن، كلهن عرائس نيل دفعن ثمن زلة قدم واحدة، خطيئة واحدة كسرت حدود الأعراف والمقدسات وقفزت فوق المألوف والمسموح، لتمنح صاحبتها صك الوفاة! الأنثى الشرقية مكبلة بكل الأعراف، مُطارَدة أبدية في أغلب العقول الذكورية، خطأ واحدة قد يكرره الرجل ألف مرة، كفيل بإنهاء حياة فتاة لو أتت به مرة واحدة!
(الخروج عن المألوف هو هاجس الموت الثالث)
"تعليق عابر: مشهد انتحار تشارليز ثيرون في فيلم Devil’s advocate، أو محامي الشيطان، أثر بوضوح على مخيلة الكاتب في القصتين الأخيرتين (زينب فخر الدين، ولن أتذكرك أبدًا) الفيلم من انتاج 1997 ومن بطولة آل باتشينو وكيانو ريفز وتشارليز ثيرون، وللعلم: فقد تم رفعه من دور العرض في مصر بعد أسبوع من عرضه!"
• الوطن
الراوي هنا نطفة شتلت في أرض غريبة، ونشأت في مناخ مغاير لفطرتها، أب خليجي وأم مصرية، تبتدئ الحكاية بالراوي وهو ينهي إجراءات حصوله على جنسية الأب، ليغادر مصر، أو هكذا ظن بنفسه القدرة على مغادرتها.
في حقائب ذاكرته، يستقر صوت الأم، ووجها في لحظاتها الأخيرة قبيل وفاتها إثر مرض سرطان الثدي، الأم هي حاضنة الهوية، حين يبتر الأطباء ثديها أملاً في شفاء لن يتحقق، توصيه الأم بدفنه، يسير الراوي حاملًا ثدي أمه الذي منحه معصور الحياة، وكان له الملجأ والوسادة والملاذ لسنوات طويلة، يحمله إلى المعمل فيعرف أن مصيره الحرق، وهكذا تموت أمه فتدفن دون الثدي المبتور، لتواظب على زيارته في الحلم سائلة عن القطعة المنقوصة من جسدها، معاتبة إياه على عدم تنفيذ وصيتها.
الأم والثدي المبتور، هو انعكاس صريح لهوية الراوي، فهو منقوص الهوية، لا يقدر على زيارة قبر أمه، في كل مرة يعود فيها إلى مصر، يتردد ويؤجل ويسوف، يعرف أنه مثلها منقوص، يستدعي ميراث الحكايات الذي لا يسقطه عادل عصمت من ذاكرته، فالجد يفني عمره بحثا عن أصل حجازي شريف، فيما الراوي/الحفيد يبتر جذوره منكرًا أصله، وفي هذا التضاد يتضح المعنى، الراوي سيظل جسدًا منقوص الهوية، كما ظل جسد أمه ناقصًا لا يكتمل في رقاده. الوطن هو ذلك الثدي الي بُتر فأحرق، وبدونه لن يعرف الراوي إلى قبره مستقرًا. ولن يقدر على التعايش على الفطام من هويته الأولى، على العكس من ذلك، يظل غريبًا مهجوسًا لا يستوعب أحدًا حجم الألم في دواخله.
(فقدان الهوية هو هاجس الموت الرابع)
• رياح الخماسين
يتمرد محمود على العمل في ورشة أبيه، يقرر أن يحلق مبكرًا، متمردًا على الواقع المفروض كما يفكر كل أبطال عادل عصمت، يسافر إلى العراق ويعيش حياة رغدة ينغمس في ملذاتها وحريتها حتى يبدو وكأنه استبعد فكرة العودة، ولكن جيوش أميركا تدخل إلى العراق فينهار كل شيء، ويعود إلى حياة عادية رتيبة، يقاوم مد الحاضر باستحضار الزمن فوق لسانه طيلة الوقت، ويجد نفسه في الخمسين من عمره شخصًا عاديًا، عاد وتزوج وكون أسرة تقليدية، مجرد نموذج نمطي مكرر لآلاف الرجال المنخرطين في حياة ظن أنه أفلح يومًا في الفكاك منها. ومع تقدم العمر، وغياب الانتصارات الحياتية، وبداية الأفول الجنسي لديه، يتعرف على حبوب الفياجرا، ويشعر بخجل من ظهورها أمام زوجته، فيحتفظ بها في عشة الفراخ التي صنعها فوق السطح كمحاولة لأن يثبت لنفسه أنه مازال قادرًا على الفعل، وتمضي به الأيام، يتندر مع رفيقه حول مسمى البطرمان والبرطمان، هو يقولها كما تعودت جدته أن تقول (الجدات حاضرات على الدوام في عوالم عادل عصمت)، حتى تأتي رياح الخماسين لتسقط كنزه الدفين من مكمنه الآمن في العشة، تتناثر الحبات الزرقاء بين الديكة والدجاج، فيقف أمام المشهد مأخوذًا، مبهوتًا، وكأنه يراقب سنوات عمره الضائع، وانتصاراته الزائفة، ويتفحص لأول مرة معالم هزيمته الكبرى.
(بوار الجسد هو هاجس الموت الخامس)
• حديث مريم
مرتكزًا على حوادث تكررت عدة مرات في التسعينيات وبدايات هذا القرن، يلتقط عادل عصمت حكاية شاب مصري يسافر إلى غزة، ويلتحق بواحدة من جماعات الجهاد الإسلامي، ليفجر نفسه فيما بعد في رتل عسكري إسرائيلي.
الخبر حتى هذه اللحظة معاد ومفهوم ويسهل التنبؤ بدوافعه وخلفية فاعله، ولكن القضية هنا أن هذا الشاب لا ينمتي إلى أي فكر ديني متشدد، ولم يتم تجنيده عبر الجماعات السرية التي تنشط في الخفاء وتستقطب فقراء الحال والفكر والخيال، هو شاب مصري يفترض به أن ينشغل في نسج حكايات الغرام، ورسم درجات الصعود والترقي ولو بالطبشور على التراب وبقايا الأسفلت، ولكنه يقرر عوضًا عن ذلك أن ينهي حياته طواعية دون أي وصاية أو إملاء من أحد!
إبراهيم عيد عرفات، هذا هو اسمه، وللاسم -حتمًا- دلالة!
فهو يحوي إشارة واضحة إلى إبراهيم وإسماعيل وحكاية الذبح على جبل عرفات. وبالعودة إلى استهلال القصة التي تستلهم عبارة من عالم نجيب محفوظ، نتفهم أن إبراهيم لم يجد لحياته معنى، فقرر أن يجعل لموته معنى! هي حكاية حقيقية عن معنى الحياة ومحاولة منحها قيمة ولو من خلال الموت، مما يلقي بالضوء على تردي الظروف المعيشية والأوضاع الحياتية. الحكاية تدور في الماضي، ولكنها تتسع لتشمل الحاضر، وربما المستقبل.
وفي مسار موازٍ، لا يفوت على كاتبنا، الذي قرر أن يكتفي بدور المستمع إلى مريم، الصحفية التي تزور أسرة إبراهيم لتكتب تحقيقًا صحفيًا عن الحادثة، أن يضع بعض علامات الاستفهام فوق عناوين الجرائد، متسائلًا عن الحد الفاصل بين الخبر الصحفي، والمتاجرة بآلام البشر.
(فقدان الرغبة وتضبب الغاية هو هاجس الموت السادس)
• مخاوف نهاية العمر
يعيد الكاتب رسم مشهد هام من رواية صوت الغراب، يستخدم جغرافيا المكان، ويدير الكاميرا لتستقر في بيت مواجه للمركز الطبي الذي أطلق منه بطل صوت الغراب صرخته الأولى. قبل أن تتوالى الصرخات ويشرع في تقليده الشباب التائه الفاقد للقدرة على تحديد المسار. نشاهد تبعيات هذه الصرخة على السيدة العجوز، وتأويلاتها لها، ووقوفها على شفا الجنون وقد باتت تتحير في مدى حقيقية الصوت أم كونه نتح خيال عجوز وحيدة، يغيب ولدها العازب الأربعيني أغلب ساعات اليوم. المرأة العجوز تؤمن بأن الجميع ينتظر موتها حتى يتم بيع البيت وتوزي الإرث، فيما هي تتشبث بماضٍ تأبي أن يغادرها، حد أن تتراجع عن البيع في أحد المرات عقب وصول المشتري بالفعل! يدوي صوت الغراب، فتسقط المرأة في دوامة من الهلاوس السمعية، تُخيّل لها نفسها عشرات الأصوات لمتسللين وغربان وديكة، وعشرات الأفكار حول سعي الكافة للتخلص منها ولو عبر دس السم في طعامها. سيقف القارئ حائرًا أمام هذه المرأة، فهو يتعاطف معها لوحدتها وهلعها المضطرد، ولكنه يعود ويمسي قادرًا على استيعاب رغبة الأبناء والأقرباء في بيع البيت الذي تعطل هي بيعه بصفتها أحد الورثة.
تنتهي الحكاية بتشبث المرأة العجوز برأيها، لن أبيع البيت، هكذا تقرر أن تحتفظ بالماضي، حتى ولو كان الثمن هو عقلها الآخذ في التداعي.
(الشك وفقدان الأمان هو هاجس الموت السابع)
المتشابهات: خطوط عريضة وخيوط متشابكة…
- هاجس البيت القديم كمرادف للزمن، الحنين إلى الماضي/الطفولة مجسدا في خلق أسطورية البيت القديم
الحنين إلى بيت الجدة في أيام النوافذ الزرقاء بعد الانتقال إلى بيت الأب إثر موت الجدة.
الحنين إلى البيت الأول في صوت الغراب والشعور بالغربة بعد انتقال الأب إلى بيت جديد بعيدًا عن البيت الذي ماتت فيه سعاد.
الزقاق الذي تحول إلى مخزن في حكايات يوسف تدرس
البيت الذي يحاول الراوي جمع شتاته في حياة مستقرة ثم تردده حيال بيعه.
مخاوف المرأة العجوز من بيع البيت في قصة مخاوف نهاية العمر
نوال نصار في الرجل العاري تأتمن جدران الدار الطينية على سرها المخبوء (الخطاب) - النظر كمرادف للبصيرة والهاجس المستمر بفقدانه
تصبب عيني الأب في يوسف تادرس بالتزامن مع خوار قوته.
خوف الراوي من العمى في أيام النوافذ الزرقاء.
المنظار في صوت الغراب كوسيلة لاستكشاف المخبوء من الحياة خلف الجدران.
تصور الحاج عبد الرحمن سليم لأن ابنه نعيم قد أصيب في عينيه في الحرب، والواقع أن أصيب في كتفه. - الزمن
لا يتحرك الزمن في خط تصاعدي، ولكنه يتعرج بين لحظات مختارة بعناية لتتمم الحدث، يقف الراوي دائمًا على رأس الحدث، ويرتد لاسترجاع التاريخ المكون للحظة القص.
الكاتب مهموم بالزمن وتتبع أثره، منغمس في حقبة طفولته وصباه.
مسرح أزمنة الحكي يدور دائمًا في الفترة من أواخر الستينيات وحتى مشارف التسعينيات أو بداية الألفية الحالية. لم يكتب عادل عصمت بعد عن نتائج ثورة 2011، وإن كان قد عرض بعض المظاهر الممهدة لحدوثها. - المرأة المقهورة والقوية
نماذج المرأة في عوالم عادل عصمة شديد التميز والخصوصية، الوجوه تشع بالألفة، الأمهات والجدات وحتى الفتيات يمزجن بين ضدين لا يجتمعان، القهر والقوة، ولعل القهر الممارس ضد المرأة في عوالم عادل عصمت يتحور إلى قوة خفية تمكنهن دومًا من المحافظة على البيت/الأرض/الماضي، ولدينا على سبيل المثال نماذج صالحة لدراسات أتمنى أن يقوم بها من هم أقدر مني على التناول النقدي المبني على دراسة أكاديمية، من هذه النماذج:
نوال نصار في الرجل العاري
ماجدة في حياة مستقرة
الأم في حكايات يوسف تادرس
عايدة: الفتاة التي أحرقت نفسها في أيام النوافذ الزرقاء.
منيرة أخت الجدة في أيام النوافذ الزرقاء.
سعاد في صوت الغراب، ثم مريم ابنة أخيها.
نموذج سومة وابتسام في صوت الغراب، وتشابه سومة مع مريم في شهوة التعري وان اختلفتا في جمح الرغبة.
سميرة في أيام النوافذ الزرقاء وحزنها الدائم على أخيها.
الست كوثر، والست خديجة وفاطمة في الوصايا.
زينب فخر الدين في مجموعة مخاوف آخر العمر
السيدة العجوز في قصة مخاوف نهاية العمر.
بالتوازي مع ذلك تتكرر لدينا شخصية المرأة الشرقية التقليدية، التي تجمع مع ما سبق صفة التسلط والتحكم، هي تلك المرأة التي يحركها حب التملك، فتمسي عدائية تجاه اهتمام زوجها بالهواية، أذكر من هذه النماذج زوجة الراوي في حياة مستقرة، وزوجة يوسف تادرس. - الأحلام الضائعة وإتقان تفويت الفرص
يفتقد أغلب أبطال عادل عصمت للحسم، وعلى النقيض يجيدون تفويت الفرص، والتراجع في اللحظات الفارقة، طالما قدم عصمت نموذج الشاب الضائع في رحلة البحث عن أسباب الوجود، من خلال نظرة تفكيكية لمفردات الحياة تحمل نبرتها أسئلة وجودية يسهل التقاطها من بين الأصوات، من خلال التصرفات والسلوك السلبي، وفوق قسمات الوجوه والخوف من المبادرة. على سبيل المثال:
حلم الستر – الرجل العاري
حلم الحياة المستقرة – حياة مستقرة
الهروب من حبيبة الجامعة – حياة مستقرة
قصة الحب مع ماجدة – حياة مستقرة
حلم كلية الفنون الجميلة – يوسف تادرس
قصص الحب مع سناء وتهاني – يوسف تادرس
حلم التكيف/الطيران – صوت الغراب
حلم مهاب باسترداد ريم – حالات ريم
حلم صفية – أيام النوافذ الزرقاء
حلم الجد الضائع في لم الشمل في الوصايا
حكاية علياء في قصة لن أتذكرك أبدًا - إحالات ورموز
رمزية الطائر (ناقر الزجاج في أيام النوافذ الزرقاء والغراب في صوت الغارب)
تكرر قدرة العجائز على استشراف الموت في روايات عادل عصمت وقدرتهم على معرفة وقت حدوثه قبل وقوعه.
الفئران التي تقرض عتبة الذكريات: انتشار اخبار الفئران في الصحف وفي مخيلة الخالة بالتزامن مع مد الاسلام السياسي واغتيال السادات - صوت الغراب. والفئران التي تداهم بيت الجدة والخال الثابت في مكانه راسخًا في زمان بعيد رافضًا الانضمام إلى ركب الحاضر والمستقبل - أيام النوافذ الزرقاء.
استحضار الخادمة في بيوتنا القديمة، مثل أم وداد – أيام النوافذ الزرقاء، وأم سعد – صوت الغراب.
هل انتهينا الآن؟
لا، كانت تلك هي البداية!
والآن؛ أعطني يدك عزيزي القارئ، وامنحني الفرصة لأصف لك الصورة الكاملة لتلك العوالم التي تراكمت وتناثرت، ثم عادت لتتراكم وتتناثر في دورة حياة أبدية، هذا هو سديم عادل عصمت! دقق النظر، نحن في شارع واسع في طنطا، على يمينه تنتشر البنايات القديمة حاجبة النصف السفلي من بنايات حديثة تراكمت خلفها وتوارت، ثمة صيدلية في مكان ما، هناك بجوار دار الكتب، أمام المقهى الذي تتراص الكراسي الخشبية أمامه على الرصيف، أنظر؛ على اليسار ترعة رائقة، تفصلنا عن قرية هاجعة، سارحة في خضار لا نهائي، راقب معي هذه الظلال، الفلاحون لم يتوقفوا عن ري الأرض بالعرق والدم، قل تعدادهم ولكنهم لا يتوقفون، شاخت الأرض ولكنها أبدًا لا تموت، راقب بقية الظلال في الشارع، الرجال متشابهون، انتبه إلى حركاتهم ونظراتهم، هم حتمًا يفتشون عن شيء مخبوء، شيء يشعرون بوجوده ولا يدركون إليه السبل، كلهم يحومون حول البيوت القديمة، يطرقون أبواب كساها غبار الزمن، ولا مجيب، بعضهم مقيد بحبل يربطه بامرأة لا تكف عن الصراخ، وبعضهم يستسلم لليأس فيقتعد الرصيف، وبعضهم يركض، ولكنهم يبدون كالتوائم، نقّل بصرك حيث شئت، ظلٌّ واحد مختلف يقف على المعبر بين الشارع والقرية، أعني ذاك الرجل العجوز الذي يرتدي الجلباب ويحمل كتابه في يمينه، أتراه؟ إنه يراقب الحركات ويدونها، هل تعي مهمته؟
تتبع معي ظلال النساء، بعضهن يظهرن وقد حُبسن خلف قضبان غليظة، وبعضهن خلف قضبان من ورق، وبعضهن يهربن من زحام الظلال في الشارع ويقيدن أنفسهن طواعية بأحد أعمدة الإنارة، أو يقفزن في الترعة، ولكن إذا ما أمعنت النظر في جدران البيوت القديمة، ستجد أن لكل منها جدار تحمله امرأة عجوز، راسخة وفية كالنهر الخالد، كل واحدة منهن إذا ما استسلمت، أو ضعفت، أو كلّت فتحركت، ينهار البيت وتفقد كل الظلال مأواها.
والآن أغمض عينيك لتُطلق حواسك كلها، الحواس تتحرر من أثر النظر وتنجلي معجزتها إذا ما عطلنا البصر، هل تسمع؟ صوت راديو قديم، أم كلثوم؟ نعم هي، حاضرة بقوة وبهاء رغم تسرب أصوات مزعجة صادرة من ترانزستور أحضره أحدهم من الخليج، تدريجيًا ستغيب أصوات الترانزيستور، ويقاطعها صوت مؤذن شجي، هل تشاهد قبة مسجد السيد البدوي هناك في آخر الشارع؟ بالفعل، ولكن الصوت قادم من مسجد الأحمدي!
هل تشم؟ الهواء معبق برائحة الأرض، الطين، صوف الأضاحي المفروش على مسطبة بيت جدك، الكليم الأخضر القديم، الحصر، التبن ورائحة الخبيز الصابح، هل اكتمل المشهد؟ ليس بعد، يمم وجهك إلى البيوت، ألا تشم رائحة أمك المختلطة بطشة الملوخية وروائح البصل وتسبيكة الطبيخ وصابون الغسيل؟ تلك الرائحة التي يحيرك مصدرها هي رائحة أبيك، حبر الجرائد والكتب القديمة ممزوج مع روائح العطارة والفول المدمس وقرطاس الطعمية والعرق!
والآن افتح عينيك مجددًا، ودقق النظر على أسطح دور القرية والبيوت القديمة، مجموعة من المصابيح القديمة تسطع في قوة تتوارى أمامها مصابيح الكهرباء، العمارات الجديدة غارقة في برد الظلمة. البقاء هنا للزمن! هل تشعر بالخوف؟ أنا لا شيء يفزعني، أشعر فقط بدرجة عالية من صفاء الذهن، أعيش لحظة تجلي، وأشعر بألفة دافئة تلخص علاقتي بهذا العالم. الظلال متشابكة تبحث عن مخرج، عن غاية، عن تفاسير غائبة، ولكنها لا تملك إلا أن تحلق وتطوف حول البيوت القديمة.
سؤال: هل تدرك الآن عزيزي القارئ، كم الروايات الجيدة والمتميزة، التي خرجت من عباءة عادل عصمت، أو تم استحضارها من عوالمه في السنوات العشر الأخيرة؟
إنه عالم عادل عصمت الذي دخلتُ عوالمه منذ شهر ونصف، ولا أريد أن أغادرها!
فأهلاً بك!
عادل عصمت، كاتب مصري من مواليد أبشواي الملق – قطور - محافظة الغربية سنة 1959، تخرج من كلية الآداب قسم الفلسفة سنة 1984 من جامعة عين شمس، كما حصل على ليسانس المكتبات من جامعة طنطا عام 1986، ويعمل حتى الآن كأخصائي مكتبات في وزارة التربية والتعليم في مصر.
محمد سمير ندا
12 ديسمبر 2020
تاريخ النشر في المدونة: 2020-12-17
