محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

أتبعك إلى العتمة… حول "تصفيح" العقول، قبل الأجساد!

أتبعك إلى العتمة… حول "تصفيح" العقول، قبل الأجساد!

هذه الرواية بمثابة اكتشاف مذهل بالنسبة لي، حرصتُ على اقتنائها دون معرفة سابقة بالكاتبة، كان دافعي الأساسي هو الاهتمام بهذه الظاهرة التي تتناولها الرواية، وفضولي للتعرف على تفاصيل سوسيولوجية وتراثية لم أقرأ عنها من قبل، اكتشفت أنني أقرأ رواية هي الأولى لكاتبتها، والحقيقة أن جرأة دار النشر أدهشتني بذات القدر الذي أدهشتني به الكاتبة في هذا النص!

نحن هنا نسمع أكثر مما نقرأ، الكتابة تحمل صرخة مدوية، شهادة إدانة لمجتمع يتفنن في قهر المرأة وتكبيلها بكل السبل، ولعل اللافت في الأمر في حكايتنا هذا، كان إلقاء الضوء على حقيقة ترسخ المنطق الذكوري في عقل المرأة قبل الرجل، فالأم التي تعاني من القهر والتمييز في زيجتها الأولى، تغدو هي مصدر تعاسة البطلة، هي من ترفضها جنينًا، وتقهرها فتاة، وتلقي بها في عتمة دائمة فيما بعد.

"التصفيح" هو عادة شعبية شديدة القسوة تتم في تونس، وهي على ما يبدو مستمرة حتى اليوم، والمراد بها تحصين المرأة ضد السقوط في دوامة الغواية، أو الاستجابة لحواسها ونداء جسدها. يتم جرح الفتاة سبع مرات في ركبتها اليمنى، ثم تغمس سبع تمرات في الجروح تباعًا، لتختلط بالدم، قبل أن تأكل الفتاة التمرات المغمسة بدمها! يبدو الأمر خياليًا الآن، ولكن الواقع طالما كان أكثر قسوة من الخيال!

عبر نص قصير في حدود مائة صفحة، برعت الكاتبة في خلق رواية أصوات، فصول قصيرة، ورواة كُثر، دون أي خلل في الإيقاع السردي، الرواة هنا رجال ونساء وأجنة وكلب، ونطفة لا يطول بها المستقر في رحم أمها، هذه الخليط السردي جاء متجانسًا إلى حد بعيد، مكتوب بحرفية وإحكام. لو سُألت عن مدى تقبلي لمشاركة كلب في سرد أحداث رواية ما، أو منح مساحة سردية لنطفة غير مكتملة تتمم بغيابها عتمة الحكاية، لافترضتُ أنني سأقرأ رواية فانتازية، ولكن المدهش هو أن نصًا بهذا التنوع السردي الكثيف، يحمل صورة شديدة الواقعية، وينجح في نقل أجواء العتمة التي فُرضت على "شمس"، بطلة الرواية ومحور أحداثها، ويدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف الألوان من منظور مغاير، والتسلل إلى العتمة المخيمة على الأجواء والحكايات، ليجد قبسًا من نور خافت يعكي الظلال ويكشف المخبوء خلف أستار الواقع المعلن!

جرأة شديدة في الفكرة والمضمون، دون أدنى قدر من الابتذال الذي كان ليشوه نصًا بهذه الطاقة المتدفقة من المشاعر والألوان. الرواية في ظاهر حكايتها تدين ظاهرة جسدية بشعة، تعكس ميراث القهر الواقع على النساء الشرقيات، ولكنها تمتد من ركبة المجني عليهن، لتستجوب عقل الجناة، المرأة هي العنصر الأكثر حرصًا على قهر المرأة، المنطق الذكوري العنصري حاضر بقوة في جينات المرأة العربية، تلك المرأة التي تعاني من الكبت والقهر، تحرص على ألا تنال الأجيال التالية مساحة أكبر من الحرية، ضحايا اليوم من النساء، هن صنيعة الأجيال السابقة من النساء، لا يقلل ذلك من حجم التسلط الذكوري والمنطق الأبوي المهيمن على عقل الرجل الشرقي، ولكنه يلفت الانتباه إلى أن المرأة الشرقية لن تتخلص من قهرها واستعبادها من أفكار الرجل المتسلط، قبل أن تلفظ ذات الأفكار من رأسها أولاً، لكي تؤمن بأنها كيان بشري معادل للرجل، كيان غير منقوص، له ذات الحقوق، ونفس القدر من حرية تحديد المسار.

كل الشخصيات واضحة ومفسرة، يعكس قصر حجم النص قدرة فائقة على الإلمام بخيوط الحكي عبر خمس وعشرين فصلاً يأتي كل منهم بصوت مغاير لصوت الرواة في الفصول السابقة والتالية، ولكن الحكاية تكتمل ببراعة، والصورة الممزقة تلتم تدريجيًا حتى تكتمل أمام الراوي. استحضار كلمات وتجارب فرجينيا وولف وفريدا كالو وفينسينت فان جوخ وجبران كان مثريًا للنص، وإن كان النص قد امتد لبضع صفحات إضافية، ربما كنتُ لأطالب الكاتبة بإلقاء المزيد من الضوء على تجارب البطلة الدراسية والقرائية والحياتية التي منحتها هذه الدرجة من الثقافة والوعي.

تحية للكاتبة، وتحية للناشر الذي انحاز إلى النص الجيد دون حساب مبيعاته مسبقًا، ودون الالتفات إلى عدد متابعي الكاتبة ومدى رواجها عبر الفضاء الإلكتروني. هذا النص انتصار للكتابة الجيدة في زمن النشر التجاري.

اقرأوا للكاتبة فائقة قنفالي، فهذا النص يحمل عنوانًا مخادعًا، فهو لا يدعوك لكي تتبع "شمس" إلى العتمة، بل لكي تخرج بها منها!

تاريخ النشر في المدونة: 2020-12-25

المصدر الأصلي على ووردبريس