أحجية محمد سعيد احجيوج، أن تكون نزيل ذاكرة مشوشة!

هذا النص مراوغ، يقول كل شيء، ولا يقر بأي شيء!
نص قصير ولكنه عامر بالألاعيب السردية ما بين التخييل والميتافيكشن والتشظي وأدب السيرة الذاتية المتخيلة لكاتب مغربي يهودي حقيقي هو إدمون عمران المالح، الرجل المعارض للصهيونية حتى النخاع.
النص يناقش بالأساس قضية الهوية والشتات لشاب عربي يهودي، وهو أمر طرحته الكثير من الروايات العربية في العقدين الأخيرين، ولكن حرفية الكاتب هنا كانت هي العامل الفارق، فلكي يناقش الكاتب فكرة شائعة كهذه، ومن خلال استحضار شخصية حقيقية، لابد أن يقدم ذلك عبر أسلوب مختلف لا يتماس مع أي نص مشابه، ولكن أحجيوج لم يكتف بتقديم نصه بتكنيك مختلف، بل إنه طرحه بأسلوب فريد، ومبهر! وربما أقول أننا أمام نص ملهم لكاتب شاب سعدتُ كثيرًا باكتشافه!
راوٍ وحيد، يروي الحكاية ذاتها بتفاصيل مختلفة في كل مرة، فيخلط ما بين الكاتب والمكتوب، ويترك القارئ حائرًا أمام كيفية الفصل بين هذا وذاك، ولكن الرسالة المررة تظل جليّة رغم ضبابية وتشوش الذاكرة التي نتنقل بين ردهاتها دون بوصلة تحدد المسار، شاب مغربي يهودي، ربما هو البطل، وربما هو بطل رواية البطل، لا يهم؛ فالحكاية لن تختل بنسبها إلى شخص بعينه، ينتقل الشاب من المغرب إلى إسرائيل محملاً بفكرة أرض الميعاد في أعقاب النكسة العربية في ١٩٦٧، ولكن الوطن الذي حلم به يُظهر وجهًا مغايرًا لكل ما ترسخ في عقله، ينتقل إلى فرنسا، ويشيد حياة مستقرة على الصعيد العملي، فنحن لا نعرف شيئًا عن الواقع الشخصي للراوي، وهو المأخذ الوحيد على الرواية حسب رأيي، إذ أنه رجل بلا امرأة تحوم في محيطه، بلا عشق يسطع في مداراته، اللهم سوى صورة مهتزة لفتاة مسلمة تركها خلفه في المغرب، ولكن عقب ذلك، لا شيء! يقتحم حياته الراكدة ناشر يهودي يحاول أن يؤثر عليه لتمرير نص بعينه إلى القائمة القصيرة لجائزة ما، فتختل حياته، وتتشوش ذاكرته، لتقف على عتبة تلك اللحظة، عتبة النص وركيزته السردية الأساسية، التي يتحرك منها الكاتب كبندول يققز بين السابق لها وما تلاها بطريقة محكمة ترسخ فكرة التشوش التي أراد الكاتب خلقها في عقل القارئ، عبر اصطحابه للتجوال في ذاكرة خربة قصفتها كل فصول الماضي وتداخلت شعابها حتى تشابهت.
هل نحن أمام راوٍ حقيقي، أم كاتب يكتب روايته الأولى؟
هل نحن أمام سيرة ذاتية حقيقية أم متخيلة؟
هل هو إدمون أم عمران أم عيسى أم أحجيوج نفسه؟
هل نحن أمام رجل شريف رفض الرشوة، أم أنه خضع لها؟
هل نحن أمام كاتب حقيقي كتب نصًا يروي حكايته، أم صحفي سرق رواية أرسلت له من امرأة مجهولة لإبداء الرأي؟
هل كان مجرد يهودي آخر هرب إلى أرض الميعاد، أم أنه بطل عربي إنحاز إلى عروبته فكفر بحلم الأرض الموعودة؟
لا تبحث عن الإجابة عزيزي القارئ؛ عليك فقط أن تلتقط الحكاية المراوغة فيما وراء السطور، لترى اليهود العرب فيما يسددون فاتورة قيام دولة اسرائيل، قبل أن يكتشفوا زيف الوطن الذي وعدوا به! وهشاشة أغلب الحكايات والأناشيد التي تم دسها في عقولهم، ليظلوا أوفياءً لمصيرهم المقدور، محض شتات بلا وطن، لا تملك إلا أن تتعاطف معهم على الصعيد الإنساني! خصوصًا أولئك اليهود العرب الذين ظلوا منبوذين في كل أرضٍ، دون أن يعرفوا معنى الصهيونية!
عقب ذلك، افتح موقع جوجل، وأعرف من هو إدمون عمران المالح الحقيقي!
هل يمكن تلخيص هذا النص؟
الكاتب يرفض الأمر برمته لأنه يرى فيه احتجاز مجحف لروح النص في قالب تأويل أوحد، لذلك منحنا نصًا يحمل عشرات الاحتمالات والفرضيات لتأويله. ولكن مهما كان التأويل، فقد وضع الكاتب علامة استفهام ضخمة فوق منصات الجوائز العربية كلها! هل كانت تلك مصادفة، أم إسقاط ضمني مقصود؟ خصوصًا مع ذكر بعض الأسماء لروايات تتشابه عناوينها مع روايات حقيقية فازت بجوائز كبرى مؤخرًا؟
الإجابة تتباين بين قارئ وآخر!
نص شديد التميز، يقدم لنا قلمًا شابًا لافت الموهبة، أتمنى أن ينال النص المقروئية اللائقة، وأن يحظى بالمزيد من العرض والتناول من خلال نقاد متخصصين.
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2020-12-29