محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ما تركته شذى مصطفى خلفها ... أقدار تفرض الفطام، وأجيال ما عادت تستسيغ طعم الحليب!

تستهل الكاتبة الرواية بذكر عدم استساغتها لمذاق الحليب بعد انفصال أبويها، وقد كان في انفصالهما فطامًا قسريًا فصلها عن لُحمة الأسرة وقطع كل الأحبال السرية بالوطن الصغير الذي تكونه العائلة، بعدما نشأت في وطن فقدته قبل أو تولد! وبذات الملاحظة تختتم الكاتبة روايتها، مقرة بأنها مازالت لا تستسيغ طعم الحليب، في إشارة إلى طفولة سلبت منها، أو إلى كون الطفولة تحتل موقعًا بارزًا في لائحة المفقودات في حياتها.

التكنيك البنيوي الذي اعتمدته الكاتبة يتسق مع كتابتها، إذ يحمل صبغة التجديد والخروج عن المألوف، فهي تنحي العرف السائد في تقسيم النص إلى فصول وفصول فرعبة أو حتى عنونتها بأسماء وأصوات الرواة أو الأماكن، فهي هنا تمنحنا راوية وحيدة تُرمِّز مقاطعها السردية من خلال الترقيم، لتعنون حياتها عبر أربعة عناوين أو محاور رئيسية، الرقم 1 يرمز إلى لأم (رام الله)، والرقم 2 يرمز إلى لأب (القدس)، والرقم 3 يرمز إلى الأصدقاء في الجامعة (بيروت)، والرقم 4 يرمز إلى حكاية الغرام الأولى والأخيرة مع شاب سويدي تعرفت عليه من خلال دراستها (السويد/الفلبين)، لذلك نجد أن الكاتبة قد أهدت روايتها - بعد الإشادة بتأثرها وربما تتلمذها على يد الروائي اللبناني الكبير رشيد الضعيف- إلى عناوينها الأربعة التي أوردْتها عاليه، وبرغم عدم معرفتي بالكاتبة، سواء شخصيًا أو حتى من خلال العالم الافتراضي، فإن نهج الكتابة وشحنة المشاعر ومسحة الصدق الغالبة على النص، تشي بأننا نقرأ قسمًا غير يسير من تجربة شخصية للكاتبة، لا أستطيع الجزم بأنها رواية سيرة، ولكنها بكل تأكيد، تحتوي على قسم غير يسير من سيرتها الحياتية الحقيقية.

الأب والأم ينفصلان في طفولة الراوية، وينتصب بينهما الحاجز بين القدس ورام الله، هكذا يتم الفطام القسري الأول. للراوية أخ وأخت، الأخ يشبه الأب فتنفر منه الأم لا إراديًا، والأخت تشبه الأم فيحملها الأب كل الأخطاء بصورة عفوية، فيما الراوية، تلك الشقيقة الوسطى الحائرة بين هذا وتلك، تظل في حياد مستمر تعبر عنه بابتلاع أغلب الكلمات قبل أن يمسي المرغوب منطوقًا، الصمت هو وسيلتها الأولى للكلام، وهو ملاذها الأول، خندقها الذي تحتجب فيه مؤثرة الهروب الاختباء على خوض حرب تجري ولا تعرف هي عنها شيئًا. نعرف أن الأب قد تعرض لتجربة الاعتقال في سجون جيش الاحتلال، قبل ذلك كان الكون يسري في عاديته، ولكن الأب الذي دخل إلى السجن، لم يخرج أبدًا، فمن خرج كان شخصًا غاضبًا عنيفًا أناني النزعة، حاولت الأم أن تحتوي تغيراته ولكنها تتوقف متخذة قرار الانسحاب حين تعرف أن قرر الزواج من أخرى. يتنقل الأطفال الثلاثة بين رام الله وغزة، والحاجز يتسع كشرخ هائل في أرواحهم، حاجز أقسى من الحواجز الإسمنتية. تتقلب الموجات ما بين القدس ورام الله، حاملة متغيرات طارئة وأخرى دائمة، زواج قصير للأم، وزواج جديد أقصر أمدًا للأب، نتعرف من خلال تلك الومضات على شخصية الأب الخارج من السجن، ونفتقد ملامح الأب الأول الذي دخل السجن جون أن نلتقيه بين أوراق الكاتبة، كما نتعرف على مأساة الأم، والمرأة الشرقية في العموم، فهي لا يحق لها تحديد مسار حياتها، وربما هي مشاركة في سلب حق الحياة من نفسها، بالصمت والتخاذل والاستسلام، والتعلق بالأبناء. تصور لنا هنا الراوية الأمومة كأحد السجون التي تسيج المرأة الشرقية، وهو أمر يحتمل الكثير من التأويل، وربما ينبغي علينا أن نُجري مناقشة أكثر تعمقًا في هذا الطرح الذي يعري حقائق تتعارض من أسس تربت عليها المرأة الشرقية، ولكنه لا يجانب الصواب في المطلق!

بين الخواطر المعنونة بالرقم 1، والأخرى المعنونة بالرقم 2، نستكمل تدريجيًا تاريخ العلاقة بين الأب والأم وأسباب الانفصال وحيثياته، ولكن مشكلة الراوية تتلخص في أنها تعرف كل شيء في وقت متأخر، تصل إلى روابط خفية تتكشف من خلالها الصورة بعدما يفوت أوان المعرفة، تعرف الحقائق وقتما لا تملك أن تغير أفكارها التي كونت ما هي عليه الآن، حيث لا يمكنها أن تراجع تصرفاتها، ولا أن تعيد تشكيل قراراتها!

تمضي إلى لبنان حاملة حقيبة الذاكرة، حقيبة لا تحوي الكثير من المسرات في الواقع، شأنها أي عربي مهاجر في العموم، وأي فلسطيني على وجه الخصوص. في بيروت، تتسلل الراوية تدريجيًا من أصفاد المجتمع وقيود العقل الأبوي الذي نشأت تحت سيطرته، سواء من خلال الأب أو الأم أو الجدة على وجه الخصوص، تخوض حقل المحرمات الملغومة، تتجرأ على أفكار البكارة والخمر والجموح غير المسقوف بأقاويل السلف، تتعرف أن الممنوع والمحرم منذ الأول جائز ولا يسبب ذات الأضرار القابعة في مخيلة العقل الأبوي، الكاتبة هنا لا تدعو إلى الانحلال عبر نموذج البطلة، ولكنها تحرص على إلقاء مجموعة من الأحجار في بحيرات الركود والجمود، تدعو إلى استعادة الحرية والحق في تقرير المصير والمسار، وحرية الاختيار وتحمل تبعيات الخيار، وهي الحقوق التي لا تمنح للمرأة بكل بساطة في المجتمعات الشرقية، ذلك إن كان منحها من عدمه محل مناقشة بالأساس!

تجربة الغرام التي تروى أسفل الرقم 4، ومونولوج المناجاة الطويل للحبيب الغائب طواعية بحثًا عن مساحة حرية أكبر، لا يعكس سوى هشاشة البطلة/الراوية/وربما الكاتبة؟ فهي لم تكن قادرة على تحمل فطام آخر، فقدت وطنًا كبيرًا، ثم وطنًا أصغر، وعانت كثيرًا خلال فترة خصامها مع صديقة مقربة، اعتقدتْ أنها وجدت موطنها في حبيب بادلها مواثيق الغرام وتلا كل عهوده، قبل أن ينسحب، لا لسبب سوى عدم ثقته في الخطوة الصحيحة وتوقيتها، الراوية لم تقدر على تخطي هذا الفطام وإن أشارت له قرب الخاتمة، عبر تصوير افتقادها للحبيب بافتقاد معطف قديم، ولكنني كقارئ؛ شعرت أنها تدعي قوة لا تمتلكها، وإن كنت أتفهم هشاشتها، وأتمنى أن تقدر على استساغة مذاق الحليب مرة أخرى، وأن تتخطي كل مصاعب الفطام.

بالعودة إلى منهج النقد التقليدي الذي لا أميل له كثيرًا، ولا أسترجعه إلى مضطرًا، لا يمكن أن يفوتني أن أتوقف أمام الغلاف كعتبة أساسية للنص، الحقيبة التي تصور المنزل، أو المنازل/المطارح/الحيوات الأربع التي عبرتها تلك الشابة، كان التصميم بارعًا، إذ يمثل مدخلًا مثاليًا لأجواء النص، ويترك لديّ سؤالًا عن كل تلك الحقائب التي نحملها من المهد إلى الثرى، لتحوي كل الذكريات التي نحرص على ترتيبها وصفّها في أدراج الخسارات الواسعة، والمساحات الضيقة التي ندس فيها أوقات السعادة القصيرة!

عمل مؤثر، صادق، متمرد في كل عناصره، وإن كانت العاطفة هي الغالبة على بقية العناصر الأدبية، ذلك دون إنكار للعناصر أخرى، كالمعنى الذي يتم تمريره بين السطور كدعوة بالشب عن طوق المألوف والمسموح، والأسلوب الهادئ الحافل بتعابير الفقد والخسارة والشتات، والخيال، وإن كانت مساحة الخيال تبقى مُظللة بثقل التجربة الشخصية للكاتبة، هذا ما شعرته!

من يعرف الكاتبة الفلسطينية شذى مصطفى، أرجو أن يبلغها تحياتي وتهنئتي على هذا النص المعجون بطين التجربة وبكارة الاكتشاف، وخليط صادق من المشاعر المضطربة.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2020-12-30

المصدر الأصلي على ووردبريس