محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

الأميرة والخاتم لرشيد الضعيف، استعادة الأسطورة بغية وشم حكايات الماضي في مرايا الغد!

خاتمة متميزة لقراءات عام صعب، ربما جاءت قراءة هذا النص في أنسب موعد بالنسبة لي، ففي خضم الضغوط والمخاوف وتواتر أنباء الوباء هنا وهناك، فتح لي الكاتب اللبناني القدير رشيد الضعيف بوابة واسعة تفضي إلى عوالم سحرية لم أخابرها منذ قراءة ألف ليلة وليلة!

اللغة هنا أساس النص ومصدر مصداقية الحكاية، فحتى الأساطير تلزمها درجة من المصداقية تمنحها الخلود، وأنا في هذا الصدد أجزم بأن القارئ إذا ما قرأ هذا النص دون غلافه، وقيل له أنه يقرأ نصًا دوَّنه جدود الأجداد منذ قرون، لاقتنع وآمن بذلك، فاللغة هنا شديد الاتساق مع السياق الميثولوجي للأساطير والحكايات العربية، هي حكاية تكتمل بها أسفار السندباد وحكايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، ولكن؛ هذا النص لم يُكتب للتسلية فقط، فهو - كأغلب ذخائر التراث العربي – يتضمن العبرة والعظة، ولا يخلو من الإسقاط والتساؤل، ولا تغيب عنه الرمزية التي تلقي بالقداسة على الحواضر.
في الأميرة والخاتم، يقتحم رشيد الضعيف عالم الميثولوجيا، ليشيد أسطورته الخاصة، تبتدئ الفصول بزواج الملك من الملكة الحالمة بملامسة حافتي العالم، المشرق والمغرب، وهو ما يفرض علينا استحضار شخصية الملك ذي القرنين المذكور في الكتب المقدسة، وإن كان المؤرخون قد اختلفوا على حقيقة شخصية ذي القرنين، وإن كان هو ذاته الإسكندر الأكبر أو كورش الملك الفارسي أو ملك حمير أو إخناتون نفسه، فإننا هنا نقرأ عن ذات الملك برواية مغايرة لكل ما سبق، رواية أسطورية تليق بما ورد عنه في التاريخ، يصطحب الملك زوجته في رحلة إلى أقاصي الأرض، وينجحا سويًا في الوقوف على حافة العالم حيث تغيب الشمس، ويعودان إلى مملكتهما، حيث تضع الملكة ابنتهما الأولى والوحيدة، ثم يقدر لها أن تصاب عقب ذلك بمرض عضال يمتد لسنوات، حتى ترحل وابنتها تجاوز بالكاد أولى عتبات الطفولة.

ترث الأميرة عن أمها غواية الحلم، وتحظى بحب الناس بما امتلكته من عطف وقدرات خاصة، علاوة على مقدرتها على اختراق الغيب وسبر غور الآتي من خلال نوبات أحلام تتجلى فيها الحقائق وينكشف فيها المُلغز والمخبوء، تبحث الأميرة عن فارس أحلامها فلا تجده حاضرًا في عوالمها وزمانها، فتقرر أن تطارد طيفه خارج أُطر الزمن المتعارف عليه، وتختار السفر عبر القرون من خلال نوم طويل تتحقق في أعقابه نبوءة الحكماء، حيث تستيقظ حين يدخل الفارس في مداراتها. ولكي تنام الأميرة، لابد أن يُصنع لها سريرًا من خشب الشجرة النادرة التي لا يعرف أحدًا موقعها في أرجاء المملكة الشاسعة، تلتقط الأميرة طرف الخيط الواصل بالشجرة ذات حلم، تعرف أن شخصًا صالحًا ألقاه النسر من علٍ يعرف موضعها، وهكذا نلهث عبر الفصول في سباق للوصل بين الرجل الهابط من السماء والأميرة الباحثة عن سفر طويل آمن عبر الزمن، وتكون الأحلام والرؤى، أو قوة الغيب كما يفضل الروائي أن يصف يد القدر التي تحرك المصائر، تدل المنشود على المسار، يمضي مدفوعًا بطاقة القدر وملبيًا لتفاسير الحلم، حتى يتم المراد.

بالعثور على الشجرة المقدسة تبدأ مراسم الاستعداد لسفر الأميرة، فمن هذا الخشب سيتم صنع الفراش، ومنه أيضًا سوف يصنع الخاتم الخشبي الذي لا يؤثر فيه الزمن، ذلك الخاتم الذي ستمنحه الأميرة لفارس أحلامها حين تلقاه ذات زمان مخبوء في حشايا الغيب، ثم يشرع الملك والحكماء في البحث عن السائل السحري الذي يجب أن تشربه الأميرة لتسقط في هذا السبات الطويل، فيكون اكتشاف البشر للنبيذ، ثم تطويعه ليحقق المراد منه، وهكذا تنام الأميرة متشحة برداء له زرقة السماء، وإلى جوارها صندوق تتوسطه عين سحرية، من ينظر فيها يقرأ قصتها، وفي بنصرها يستقر الخاتم الخشبي الفريد.

وتمر السنوات والعقود والقرون، الأميرة نائمة، والعالم يتغير من حولها، ترتفع جبال وتغور جبال في رحم الأرض، تلتحم الجزر وتفترق الشطآن، تتغير معالم العالم الذي عرفته، تنشأ ممالك وتنهار إمبراطوريات، ويظل مرقدها مزارًا يحج إليه الراغبين في مسّ من سحرها يشفي مريضًا أو يرد غائبًا، فيكون لكل زائر من أراده، حد أن مرقد الأميرة النائمة يتحول إلى مصدر إزعاج لحكام الأزمنة التالية، فإيمان الناس بمعجزاتها وقدراتها يقوّض من عظمتهم ويحد من نفوذ مُلكهم بطريقة ما، ولكن الغيب يمد يده لتهرب الأميرة من شرنقة الحلم، وتجوس في عالم الغيب الذي يسبق الخلق ويعقب القيامة، قبل أن يقدر لها أن تعود إلى حلمها الأول، وتستشعر قرب ظهور الفارس الذي تعود عبر شروقه على عالمها إلى الحياة، يصدر عنها تنهد تلو الآخر فيتنبه الحراس الأزليين لمرقدها، ليجتمع الحكماء والمفسرون في ذلك الزمان، يتأهبون لاستفاقتها، حتى تشهق النائمة الأزلية شهقة قوية، تعود بعدها إلى عالم فصله عن عالمها مائة ألف نهار، لتبدأ رحلة البحث مرة أخرى، عن الفارس الذي ظهر، وتترك أقدامه أثر العشب حيثما مرّ وأينما مضى.

عبر رحلة أسطورية أخرى، تعبر فيها الأميرة الأهوال وتنجو من مكائد الغيلان وتيه الصحراء، تصل إلى الأرض خضراء أشبه بالجنان، حيث يعرف الناس بقدومها ذات زمن غير محدد، هناك تعرف أن فارس الأحلام شاب زاهد يبشر بالخير ويدعو إلى الله، تسأل في أي أرضٍ هي، فيجيبها الناس بفرحٍ ممزوج بنشوة اللقاء: أنتِ في فلسطين!

تلتقي بالرجل الصالح المبشر، الذي يدعوه الناس السيد المعلم، تقترب منه وتلتمع في عيونهما لهفة، ولكنه يتراجع دومًا قبل لحظات من إشهار اعترافه بميله تجاهها، تقنعه بأن يعود معها إلى زمان أبيها، فيفعل، ولكنه هناك، يعلن آسفًا أنه لا يحق له أن يكون لها، إنما هو ملك للعالم برمته، ولا يمكنها أن تستحوذ عليه! يؤمن الملك بقداسة ذلك الزائر، ويركع تحت قدميه، ويكرم نزله، حتى يعود إلى زمنه الآخر بعدما قبل هدية الأميرة التي منحته الخاتم الخشبي الخالد. ينكسر فؤاد الأميرة لفترة من الزمن، قبل أن تستعيد رباطة جأشها فتخلع عن جسدها ثوب الحَزَن، لتلتزم بما يتوقعه منها شعبها، يقرر الملك ذي القرنين أن يستكمل رحلته الأولى، فبعدما وجد موضع مغيب الشمس مع زوجته الراحلة، يقرر أن ينفذ حلمها ووصيتها بالوصول إلى مشرقها، فينطلق بعدما يطمئن قلبه إلى أن ابنته قد اتخذت لنفسها زوجًا طيبًا من عامة الناس، يسافر الملك حتى يصل إلى مشرق الشمس، ولا يعود.

في ذات الوقت، نعبر الزمن لنطالع مصير السيد المعلم، حيث يلقى القبض عليه بين أشجار الزيتون، فيترك الخاتم فوق صخرة سرعان ما تمتصه لتحفظه في جوفها، يغيب السيد المعلم في شعاب لا يعلن النص عن مآلها، ولكن الكنز يظل محميًا، حاضرًا في قلب صخرة، هناك في فلسطين، حتى اليوم!

من السهل تمييز وجه السيد المسيح في شخصية السيد المعلم، ولكن الأمر يحتمل التأويل، ولا يستقيم أن يحتجز داخل فكرة بعينها، لذلك فلنطلق الرواية من أسر الفكرة، ولنحررها من هواجس المحرمات، مكتفيين بمتعة التلقي، والانتشاء بسماع حكاية لا تختلف كثيرًا عن حكايات التراث، وميراث المنقول الشفاهي الذي حفظته الجدات، تمامًا كما حفظت الصخرة الخاتم الخشبي.

حكاية أسطورية آسرة، لن أنجرف إلى محاولة فك رموزها، سأكتفي بنشوة المتلقي وجاذبية الحكاية، سأترك الأمر في يد كل قارئ، هناك من قد يكتفي بمتعة المروية وثراء لغتها القادمة من زمان حدوثها، وهنالك من سيبحث عن كل مقصود لم يكتب، ومكتوب لم يظهر بجلاء كافٍ لالتقاطه، ولكن؛ كانت ملاحظتي الأهم، على الأقل بالنسبة لي، هي أنني لأول مرة أقرأ نصًا غير موجه للفتيان والناشئة، وأشرك فيه أبنائي أثناء قراءته، دون حاجة إلى حذف أو تغيير أو استبدال! الحكاية صالحة لكل زمان ومكان، مناسبة لكل الأعمار، لا أعرف تقييم القراء الآخرين لملحوظة كهذه، ولا أعرف مدى أهميتها خصوصًا وأنني لا أؤمن بمسميات الأدب النظيف والأدب غير النظيف، ولكنني سعدتُ كثيرًا بمشاركة أولادي حكاية أسطورية خيالية عربية خالصة، تُرسخ في وجدانهم أن الكنز المخبوء، والأثر الباقي من حكاية الأميرة، يستقر حتى اليوم في فلسطين! تلك الحكاية سوف يتوارثونها جيلاً من بعد جيل، حتى يهيـئ لهم الغيب فرصة للبحث عن الخاتم بأنفسهم!

اللجوء إلى الخيال الأسطوري قد يعده البعض ضربًا من الهروب من الواقع الراهن، ولكن؛ أعتقد بدوري أن هذا الاستحضار لأساطير الأولين، لم يخلو من ترسيخ الحاضر، وربطه بالآتي - ربما - عبر غرس بذرة الحلم باستعادة الخاتم في عقول القراء.
حكايات ألف ليلة وليلة لم تنته بعد!

شكرًا من القلب أستاذنا رشيد الضعيف
محمد سمير ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-01-01

المصدر الأصلي على ووردبريس