شوق الدرويش لحمور زيادة... أن يكون الكاتب سفيرًا لوطنه

في القراءة الثانية لرواية شوق الدرويش للكاتب السوداني حمور زيادة، وهي الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأمريكية في القاهرة، جاء تذوقي كقارئ للرواية بنكهة مختلفة، وإن كانت القراءتين قد تركتا في نفسي أثرًا طيبًا، فإن القراءة الثانية جاءت لتمنح القراء الأولى أفقًا أكثر اتساعًا، وصورة أكثر وضوحًا لهذه السردية الأدبية محكمة البناء.
بخيت منديل، الشاب السوداني الذي لم يعرف من صنوف العيش سوى العبودية والاستغلال، ولم تُظهر له الحياة سوى أكثر وجوهها عبوسًا وغضبًا، وقصة عشقه المستحيل لثيودورا، أو حواء كما سيتغير اسمها فيما بعد في ضوء تطورات الأحداث، وهي الفتاة اليافعة اليونانية القادمة من الإسكندرية إلى السودان ضمن بعثة تبشيرية تحت مظلة الكنيسة.شاب سوداني تم اختطافه ليتحول إلى عبد يباع ويشترى، يتم استغلاله معنويًا وجسديًا، ينضم إلى حروبٍ لمجرد الرغبة في التحرر، ولكن الحروب تغير فقط اسم وعنوان المالك ليظل هو عبدًا لا يبصر الحرية، وحين تمنحه الحياة فرصة التحرر، يسقط في عبودية طوعية تتمثل في حكاية الغرام المستحيل مع الفتاة البيضاء، ثيودورا أو (حواء). يجد بخيت للمرة الأولى معنى لحياته، يتحول العشق إلى وسيلة لمواصلة الحياة، هدف يمنحه الغاية وإن غابت الوسيلة.
بسطوع شمس حواء في سمائه دائمة الظلمة، يسترد بخيت ذاته، يشعر لأول مرة بانتمائه إلى الجنس البشري، يتحول من مجرد عبدٍ يؤمر فيطيع، إلى شاب حر يكد ويعمل ويحلم بوصال المحبوبة، يتعرف على ملامحه، كينونته، ينتمي إلى الحياة لأول مرة كعنصر فاعل، وهو الأمر الذي لم يعرفه منذ خابر الحياة طفلاً لم ترفق به السماء وبخلت عليه برحمتها. نعرف في بداية الرواية أن ثيودورا (حواء) قد قُتلت، وأن بخيت يقضي فترة عقوبة في أحد السجون، حتى تغزو جيوش المحتل السودان الذي وقع أسيرًا لثورة دينية قادها المهدي وأنصاره من الدراويش (أتباع الحركة المهدية)، ليجد بخيت نفسه حرًا بعد سبع سنوات من السجن، ولكنه كان قد دجّن نفسه وروضها على حتمية الانتقام كمصير أوحد يهب نفسه له، الانتقام ممن قتلوا ثيودورا.
وعبر تقنية الفلاش باك، أو التشظي الزمني بين الحاضر والماضي، تلتم فصول الحكاية تدريجيًا عبر نسق محكم، حتى تكتمل، موضحة صورة واضحة للمأساة. الحكاية في نسيجها تضم عدة طبقات، وأكثر من حكاية، ولقطات محورية شكلت تاريخ السودان، ربما تسيطر قصة الغرام والانتقام على المشهد الرئيسي المحرك لمسار القصّ، وهي الثيمة الأقرب لحبكة ألكساندر دوما؛ الكونت دي مونت كريستو، السجن ثم الخروج للانتقام من الظالمين والطغاة، إلا أن هذه السردية لا يستقيم أن يتم اختزالها في صورة أو قالب أو ثيمة تم تناولها أكثر من مرة بصور مختلفة، فنحن هنا أمام طبقتين من السرد، طبقة ظاهرة كما أسلفت، وهي الحكاية التي تطفو على سطح السرد ويسهل التقاطها؛ حكاية الغرام والانتقام التي تضفر عدة قصص شعبية وعالمية في إطار الغرام الممنوع، ثم طبقة أخرى أو عدة طبقات سردية تؤسس مصداقية الحدث والحديث، فخلف حكاية بخيت هناك تاريخ كامل يسرد بروية، تاريخ سياسي واجتماعي وديني، يلتقط من خلاله الكاتب ببراعة فائقة عدة كادرات سينمائية بامتياز، سياسيًا كانت التغيرات السياسية التي تجري في السودان حاضرة موثقة بطول الخط السردي، وأثرها على النسيج والتركيب الاجتماعي للبشر والمدن، سقوط المدينة أمام جيش المهدي، حملات المهدي على مصر، الغزو المصري الإنجليزي ضد الدراويش، تغير جغرافية البلد بالاتساق مع التغيرات السياسية. على الصعيد الاجتماعي؛ قدم لنا الكاتب عدة مرويات ساحرة تغوص في نسيج المجتمع السوداني، وتستعرض الكثير من الموروث الشعبي المنقول والشفاهي، حكايات السحر والجن والقرى الواقعة تحت سطوة الأسطورة، الطبقات المتراكمة المكونة للمجتمع السوداني، تزاوج السلطة بالثروة واستئثار الصفوة المقربة بمقادير أمة كاملة.
أما على المستوى الأيديولوجي، فقد تعمق حمور في تصوير المد الديني الذي مثلته الحركة المهدية، وكيفية اختطاف العقول لحساب الله وظله الإنساني المنتظر ليخلص البشرية، في ذات الوقت الذي يرصد فيه تشكل طبقة المنتفعين والراقصين على الحبل الواصل بين الأطراف المتناحرة، كانت كل الأطراف تستغل كامل طاقاتها للاستحواذ على العقول وصولاً إلى السلطة المطلقة، ولم يجمع بين هذه الأطراف – كحال العرب عبر العصور – سوى عدم الاكتراث بمصائر الشعوب. في ذات الصدد، مرر الكاتب بحيادية تامة تناوله الجامع لمفهوم العنصرية، فجعلنا نشاهده عبر عينين مختلفتين متعارضتين، فكما يقلل الأبيض من الأسود حد الاحتقار، نجد بين أصحاب البشرة السمراء من ينفر من بياض الأوروبيين حد التقزز!
لا يمكن أن تسقط من الذاكرة القرائية مشاهد مريسيلة وعشقها غير المشروط لبخيت، حكاية الحسن الجريفاوي وفاطمة، التحولات التي عصفت بأقدار الكافة وانتهت بثيودورا جارية يتم ختانها كنوع من العقاب، قبل قتلها إثر محاولة هروبها، استعمار العقول باسم الرب، رفقاء بخيت في السجن الذي أمضى في غياهبة سبع سنوات؛ الأب جوهانس والمصري مجمود الجرجاوي وجوهر والشيخ المغربي الذي يدعي أنه المسيح، شخصية فضل العزيز وحكاية يوسف أفندي سعيد المصري وزوجته الهاربة مع عشيقها.
لا يفوتني هنا الإشارة إلى أن الكاتب قد عرض كل هذه الأفكار بمنتهى الحرفية والحيادية، اكتفى حمور بالاستفاضة بالسرد القصصي دون أن تعلو نبرته لتجذب القارئ تجاه طرف أو جهة أو فكرة بعينها، فالمصري هنا غازٍ في آن، سيد كريم في آنٍ آخر، وسجين يائس في آنٍ آخر، والأوروبي ليس شيطانًا في المجمل، فهو محتال تارة، وغاصب تارة، وبريء صالح في تارة أخرى، وهكذا، وبذات النسق، لم يشيطن الكاتب فئة بعينها، لم يعمم وجهة نظر بعينها، حتى وان اعترض أنصار الحركة المهدية على هذا النص، أو الإسلاميين في العموم، فقد فاتهم أن حمور قد قدم ضمن فصيل المجاهدين شخصية ثرية في إنسانيتها هي حسن الجريفاوي، لذلك كان النص ممتعا، كاشفًا وافيًا جامعًا، لم يستوقفني فيه سوى اقتران العشق بالعذاب بصوره المختلفة، فظل العاشق هنا منكسر طيلة الوقت، إما للفقد، أو الغياب، أو الانسحاب، أو الخيانة.
حضرت منذ قرابة عشر أيام مناقشة للرواية حضرها الكاتب عبر تطبيق زووم، فتوقفت أمام الحالة الجدلية بين المتناقشين، وانتهت المناقشة وقد توصلت إلى عنوان هذه القراءة، فالقراء من مصر ولبنان وسوريا والمغرب وليبيا وغيرها من البلدان؛ قد عرفوا السودان من خلال قلم حمور زيادة، اطلعوا على مرحلة مفصلية من تاريخ هذا البلد الجميل المسالم في صفحات هذا النص، وهو الأمر الذي يسمو بالكتابة إلى آفاق تتجاوز النقد والتناول الأدبي، وترتقي بالكاتب إلى درجة السفير الذي يقدم حكاية وطنه إلى العالم، فأنا أجزم أن معرفة القارئ – أي قارئ- بالسودان قبل قراءة هذا النص، تختلف حتمًا عن معرفته بعد قراءته، وهنا تتبلور الرسالة الحقيقية للكتابة، وتتحقق أعظم أهدافها.فازت الرواية بجائزة نجيب محفوظ التي تقدمها دار نشر الجامعة الأمريكية في القاهرة، وهو أمر مبهج بالنسبة لي، خصوصًا وأنني من أشد معارضي الشيفونية الثقافية المصرية الداعية إلى الاكتفاء الذاتي والانغلاق أمام الآخر. الأدب العربي يشهد تطورًا ملموسًا في العقدين الأخيرين، ومن الجائر أن يتم تجاهله في مصر التي طالما كانت، وستعود، منارة للثقافة العربية.
شكرًا حمور زيادة، ما أجمل أن تكون سفيرًا لوطنك، وما أندر أن يكون السفير بمثل نزاهتك!
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2021-01-26