ثنائية الأرواح البغدادية الهائمة لمحمد حياوي؛ من خرائب خان الشابندر إلى جنة بيت السودان

غادر محمد حياوي العراق في عام 1992، في أعقاب النهاية الدموية لانتفاضة 1991، والتي نشبت في صدور العراقيين بعدما شجت الحرب صدورهم وعاد الجنود من اجتياح الكويت وقد أدركوا أنهم محض جنود فوق قطعة شطرنج تحركها أهواء الحاكم، لا إرادة الوطن، ولا حماية الأرض، عقب أربع سنوات في الأردن، شد حياوي رحاله إلى هولندا، لاجئًا سياسيًا، ترك وراءه تاريخًا صحفيًا وأدبيًا، وشيّد في منفاه المختار حياة بديلة، درس التصميم الطباعي والجرافيك ومعمار الحرف اللاتيني، وجد حياوي ضالته في مداعبة الخيال فوق شاشات الكمبيوتر، محاولًا تصميم وطن بديل لذلك الذي لفظه جنينًا يبحث عن رحمٍ يقبل به، حط الصمت على لسانه، ونضبت من أقلامه الأحبار كافة، حتى عاد إلى العراق بعد ما يزيد على عقدين من الزمن، ليعاين آثار الحرب والحصار والدمار، فيفيض الحبر من يديه ليختلط بدموع جنينٍ عاد ليجد رحمًا ممزقًا نسفته الحروب وتنازعت على أوصاله الفصائل والكتائب والطوائف، ليُخرج لنا من صدره المشطور رواية “خان الشابندر”، والتي يتجلى من خلالها الإطار الذي انشغل بمتابعته، ألا وهو متابعة الأرواح الحائمة في أزقة بغداد، باحثة عن عراق تحول إلى خان كبير، يباع فيه كل شيء، ولا مكان فيه للفضيلة، وهو الأمر الذي يتممه ببراعة في “بيت السودان”.
نحن إذن أمام روائي قصفت الحروب كل الأزقة والجدران والأرحام التي اعتاد أن يأوي إليها، فقرر أن يتتبع في مشروعه الروائي سير الأرواح الهائمة، وهو مسلك سردي شديد الخصوصية، وجدتُ أنه من الحتمي أن أتوقف أمامه من باب الإنصاف، وإيمانًا مني بوجوب التنويه ولفت الانتباه إلى هذه التجربة المغايرة لأدب الحروب الذي انتشر وشاع في ربوع العرب خلال العقدين الأخيرين.
(١) خان الشابندر
عبر ومضات أشبه بالحلم، تحيد كثيرًا عن الواقع الذي يبحث عنه كل قارئ متمرس، يقدم لنا حياوي شخصية علي، الشاب العراقي المنشغل بكتابة بحث عن بائعات هوى يقطنون الخرائب في خان الشابندر، يعبر الشاب بين عوالم يتشابك فيها الواقع الضبابي بخيال غرائبي يسري في زمان جامد تخفق فيه أجنحة طيور توجهه وكأنها تدعوه إلى تخليصها من أسر لا تجد منه فكاكًا، يلج الشاب الحائر إلى منزل “أم صبيح”، ينجذب بداية إلى “ضوّية”، التي تقدمه بدورها إلى فتاة ستتمحور حياته حولها، هي “هند”. وعلى الرغم من أن حياوي يقدم لنا عليًّا دون تاريخ شخصي واضح ودوافع تمنح رحلته المصداقية اللازمة، فقد كانت حكاية هند وضوّية أكثر وضوحًا، فلكل منهما حياة سابقة أودت بهما إلى منزل أم صبيح. حياوي هنا لا يقدم لنا تلك الصور التقليدية عن الأعباء الاجتماعية التي تحول فتاة بريئة أو متعلمة إلى بائعة هوى، إنما يقدم بيت “أم صبيح” كرمز لوطن تناوب الجميع على اغتصابه، فبتتبع سيرة الفتيات عبر أحياء مثل الشعب والحرية والفضل، نتعرف على المفاهيم التي نسفتها الحرب، وعلى الفتاتين؛ ضوّية وهند، ومن خلفهما إخلاص أو لوصة، كنتاج لهذا الاغتصاب مكتمل الأركان لوطن منهك، وشعب خارت قواه على أعتاب الحروب حتى كفر بكل الشعارات الوطنية.
وحول خان الشابندر، الذي ينخرط عليّ في تتبع أطياف فتياته، تبرق صور لشخوص ووجوه تكمل أركان الحكاية، مثل نيفين، زميلته الصحافية التي يمكن أن نستنبط علاقة ما تجمعها بعلي، تتجلى في حرصها على مساعدته ودعمه حتى يتقبل التجربة الغرائبية التي يمر بها، ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن نيفين فتاة مسيحية تلتزم بارتداء الحجاب حال خروجها من البيت إلى العمل، ثم شخصية أخرى ثرية شديدة العذوبة والمصداقية، وهي الطفلة زينب التي تُعيل أشقائها بعدما اختطفت الحرب أبويها، مرورًا بأبو حسنين المصري، الفلاح المصري الذي اجتذبه مشروع صدام الزراعي القائم على استقدام فلاحين مصرين لزراعة آلاف الأفدنة، وكيفية فقده لولده في قادسية صدام، قبل أن يدفن زوجته في بغداد، ليقيم حول قبرها حدود الوطن الذي لا يجسر على مغادرته، وشخصية الملّا، رجل الدين الذي يحمي بيت البغاء ويحلل الزنا لنفسه، وسائق التاكسي الذي ألف الموت وتأقلم معه، وأخيرًا تلك الشخصية الفلسفية التي تبزغ في فضاء الحكاية كراوٍ موازٍ، وأعني هنا “مجر” حارس التاريخ وخازن الحكايات، المندائي العجوز الخالد، الذي يتقن العبور بين العوالم ويشاهد الله عبر منظوره الخاص.
تمضي الصفحات عبر إيقاع هادئ يترك أثرًا ضبابيًا لدى أغلب القراء، فالرؤى المتداخلة تتهادى كطوف فوق صفحة ماء هادئ، والباحث عن حقيقة دامغة بين الصفحات سوف يتوجب عليه أن ينتظر الصفحة الأخيرة، فالطوف مبحر في خضم من ضباب، والشطآن غائبة عن المشهد. شخصيًا؛ وجدت أن البدايات قد مهدت بصورة ما لمشهد النهاية، فعندما تصطحب نيفين عليًّا إلى الخرائب بحثًا عن بيت أم صبيح، في محاولة منها لاطلاعه على واقع ينكره، وتجاوبًا مع رغبته في إثبات صحة رؤاه، نعرف أخيرًا أننا أمام رواية لم تطرق لعوالم الأحياء بابًا، بل إن شخوصها جميعًا، هم مجموعة من الأرواح الهائمة التي خلفتها الحرب، عليّ نفسه، أم صبيح وفتياتها ضوّية وهند ولوصة، ونيفين وزينب وأبو حسنين ومجر وسائق التاكسي، كل هؤلاء يتجولون في عوالم بديلة، هم مجموعة أرواح تحررت من أصفاد الحياة ولم تجد إلى البرزخ معبرًا آمنًا، فظلت جوالة حول جدران لم تعرف غيرها وطنًا لا تقبل باستبداله.
في خان الشابندر، وضع محمد حياوي لبنة أساسية لروايته التالية “بين السودان”، وإن كانت “خان الشابندر” قد جاءت كصرخة عراقي مهزوم أطلقها فور أن عاين بنفسه آثار الجريمة، فأطلقها زفيرًا روائيًا دامعًا شحنته العواطف وجثمت على روحه فعلقت في ثوبها السردي بعض الهنات والهفوات، فإنني كقارئ، لم أملك إلا أن أميز الوجع المنساب فيما وراء السطور، وهو الأمر الذي دفعني لاستطلاع روايته التالية، وهي المحطة التي تبلورت فيها تجربة خان الشابندر، وأعني هنا روايته الأروع؛ بيت السودان.
(٢) بيت السودان
حكاية أخرى عن دار تحاصره الحروب، وطن صغير يسري في زمان موازٍ، ولكن الدار في هذه المرة مغايرة لبيت أم صبيح، فنحن هنا أمام بيت السودان، حيث الفتيات السمراوات يعكفن على التخفيف من أثر الحرب والفقد من خلال مجالس رقص والسمر، والبيت هنا – وبرغم كونه بقعة يحج إليها عشاق السمر – إلا أنه بيت ترسخت في أرجائه الفضيلة التي غابت عن كل المطارح سواه، فلا بغاء ولا دعارة تمارس داخل هذه الجدران.
بيت السمراوات هنا هو الغيمة البيضاء الباقية في سماء بغداد التي سوّدها البارود، رواية أخرى تتمحور حول رمزية المكان، واستطراد محكم للسردية الأولى، ربما هو استكمال لبنيان “خان الشابندر” الذي صممه الروائي بينما عيناه مغرورقة بالدمع، هو هنا يكتب بعدما هدأت أنفاسه، واستطاع أن يلتقط صورة أوضح للمشهد العراقي، الحكاية تدور في ذات الزمان، ولكن الراوي وكأنه يغير زاوية الكاميرا، لينقل لنا صورة أخرى لذات الزمن، وذات المكان، ولكنه فقط غيّر زاوية الالتقاط، لتنقشع ضبابية أجواء خان الشابندر، كاشفة عن بيت السودان.
بطل حكايتنا أيضّا هو علي، لا يمكن أن نعتبره ذات الشخص في الرواية السابقة، ولكن؛ ليس هناك ما يمنع من صهر كلاهما في إناء سردي واحد، عليّ هنا، والذي يدعى في بعض الآونة (علاوي) على سبيل التدليل، ولد ليجد نفسه الصبي الأبيض الوحيد داخل جدران البيت، هو الأبيض الوحيد، وهو الذكر الوحيد الذي يغدو الصبي والشاب والرجل الوحيد بين نساء البيت، هو ابن فرضي للمرأة الحاكمة والمُسيرة لشؤون الدار، وأعني هنا “ياقوت”، ولا يمكنني هنا ألا أتوقف أمام رسم هذه الشخصية مرارً وتكرارً، شخصية روائية فذة، نسج حياوي ملامحها ببراعة وتفرد، ياقوت هي أم مجازية لعليّ، وهي في ذات الوقت عاشقته وحاميته ومحبوبته، هي امرأة تجمع بين كل صفات المرأة التي يخابرها الرجل في مختلف أطواره العمرية، امرأة تسربت من كتب الأساطير لتصنع أسطورتها وتقيم مملكتها في آونة الدمار. أما عفاف، الضلع الثالث في مثلث الحكاية، فهي فتاة يسارية ثورية تنخرط في انتفاضة الشعب ضد صدام في عام 91، بينما عليّ حائر ما بين نقيضين يتصارعان في دواخله، يتأرجح عقله ما بين الجنوح إلى ضجيج الانتفاضة، والالتجاء إلى سكون الأمان والاستسلام؛ ما بين عشقه المضطرد لعفاف، وعاطفته المحرمة تجاه ياقوت، مسميات الحرام والحلال هنا ترد -أيضًا- على سبيل المجاز، فياقوت ليست أمه، ولكنها تعتبره ابنًا لها، إلا أنها تقف على خط رفيع بين الأمومة والغرام، فهي في آن تبعد عنه كل من قد تجتذبه إلى غواية الجسد، وفي آن آخر تتعرى أمامه وتدعوه ورفيقته للتمتع بجسدها.
ياقوت هنا بمثابة وطن يبذل كل ما يملك دفاعًا عن شعبه، وشعب ياقوت هم عليّ والفتيات الذين التقطهم من على جروف الهاوية وأتت بهم للدار أطفالًا وربما رُضَّعًا، علاوة على أمها عجيبة، المرأة العجوز التي تعرف الطالع، وتحب عليّ حبًا حمًّا، وشخوص آخرين أقل حضورًا فوق مسرح السرد، ولكنهم – جميعهم – لهم أهمية موازية للشخوص سالفة الذكر.
من السهل على قارئ الروايتين التقاط نقاط التماس، فكما كان لدينا الملّا الماجن في خان الشابندر، لدينا هنا السيد محسن، رجل الدين الذي يدعو إلى الله في الصباح، ويبشّر بالخمر كلما غابت الشمس، الفتاتين الراقصتين نعيم وشمة يتممان بحضورهما الحكاية كما فعلت ضوية في خان الشابندر، والطفلة درة، الساكنة في بيت الشعر في صحراء أور، تستدعي عنصر البراءة الذي استحضرته زينب في خان الشابندر، أما الشخصية الفلسفية التي تماثل مجر في بيت السودان، فهي شخصية ضُمد، العجوز المدهش، حارس التاريخ والمقابر الحاوية لكنوز الأجداد في أور، قارئ الرقم الطينية السومرية التي تستشرف المستقبل، وهو مربي الطيور فوق سطح الدار، ومن الملحوظ هنا تكرر استخدام حياوي للطيور في الروايتين، كمترادفة للروح الحبيسة، أو الحائرة، علاوة على استحضار طيف الغزالة الرامز مرة أخرى إلى حيرة الروح الهائمة. بخلاف تلك النماذج التي تماست فيما بين الروايتين، هناك شخصيات أخرى أثرت العمل، وأعني هنا على وجه الخصوص، شخصية الدكتور رياض، التي أضافت بحضورها التنوع الذي تكتمل به نماذج المجتمع العراقي الممزق.
بخلاف خان الشابندر، التي جاءت كخليط من الرؤى واستدعاءات ذاكرة حائرة دونتها أصابع مرتجفة لكاتب يعاين أنقاض وطن، جاءت بيت السودان رواية تصاعدية في مسارها السردي، فنحن هنا نلاحظ تطور الأحداث والشخوص، فنميز المدخل والتمهيد والتصاعد والذروة والختام، الحكاية تبتدئ كما انتهت خان الشابندر؛ حلم ضبابي يمزج بين أحلام اليقظة والخيال المتجسد، إلا أن مساحة الرؤية هنا شاسعة في عنصريها الزماني والمكاني، نتابع مسيرة علي ونموه وتحوره من طور الطفل البريء المتشبث بصدر أمه، إلى ذلك الشاب اليافع الذي يدرس ويلتحق بالجامعة في بغداد، دون أن يمتلك القدرة على توسد أي صدر بخلاف صدر ياقوت، أمه المجازية ومحبوبته الأزلية، عفاف تلتحق بالانتفاضة، ويؤثر عليّ الانصياع إلى تحذيرات ياقوت والاحتماء ببيت السودان، وعندما تتسارع وتيرة القتل والقصاص العشوائي التي ينفذها زبانية صدام، يهرب رفقة عفاف، بإيعاز من ملكة الدار ياقوت إلى صحراء أور رفقة ضُمد، وهناك يستشرفان الأيام القادمة التي تبوح بها الرقم السومرية، قبل أن يعتقلا من قبل القوات الأمريكية ثم يتورطان في اختطاف مجندة أمريكية سمراء، وهكذا تمضي الأحداث في تصاعد درامي مشوق محكم البناء، يرصد حياوي مظاهر توغل المد الديني لرجال باعوا الوطن والله والدين بغية إرضاء السلطة، أي سلطة تبرهن على قوتها، فالسيد محسن يرشد قوات صدام إلى بيوت قادة الانتفاضة، ولكنه يغدو معاونًا متآمرًا للمحتل فيما بعد، شأنه في ذلك شأن ضباط عراقيين منحوا ولاءهم الكامل للغاصب الأميركي، يعري حياوي كل الفئات الطفيلية التي تربحت من الحرب، ويواصل تقصيه لمصائر الأرواح الهائمة، إذ أن خاتمة الرواية تنتهي بحلم يتطابق مع استهلالها، ليصور لنا أن عليًّا يواصل تتبعه لأرواح حوريات بيت السودان، سمراوات البشرة، بيضاوات السريرة، بعدما قصفت دارهم عمائم الشيوخ.
ولكن خاتمة رواية حياوي هذه المرة، تحمل لنا نغمة أمل يسمعها القراء بصوت ياقوت، تستنهض من خلالها الشاب المطعون بالغياب، لكي يستعيد من ركام المأساة وطنًا يترنح على حافة المجاز، وتدعوه لأن ينفض عنه غبار الألم، ليمضي متتبعًا صوت الغد.
محمد حياوي
إنسان عراقي جريح، كاتب ينز قلمه ألمًا، تقرأ أوراقه فتدمع عيناك، تستمع إليه إبان محاورة عابرة فيختنق صوته بالعبرات، روائي وهب أوراقه لتخليد سير الأرواح الهائمة، وتتبع مساراتها، ومنحها حياة بديلة تقدر فيها على رواية الحكاية التي لن يقدر التاريخ على تزييفها، حتى وإن تكالبت عليها قوافل الكذابين من كتبة التاريخ، وحملة أختام السلاطين.
أحببتُ كتابة محمد حياوي، وأحببتُ محمد حياوي، وأتمنى أن تسمح لنا الأقدار بفرصة للقاء، ولكن؛ في قلب بغداد.
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2021-02-15