عزبة يوسف نبيل... التقاط صور للحياة من تحت الأنقاص...

التقنية السردية التي اعتمدها الكاتب تنتهج منذ البداية حيلة إشراك القارئ في النص من خلال راوٍ يخاطب القارئ بضمير المخاطب، الأمر الذي أذاب العتبات التي يرتكز عليها الكُتّاب عادة، واستثمره الكاتب ليطلق ما في جعبته زفيرًا طويلًا لم يُقسّمه إلى فصول وأبواب. تقنية جاءت ملائمة للنص، وجذبت القارئ إلى نوع من القراءة اللاهثة غير المتقطّعة. نحن أمام نص يبتلعك فور أن تقرأ صفحته الأولى، فإما إن تغلقه للأبد، أو لا تتركه حتى نهايته. كنت أنا من النوع الثاني، فلم أترك الرواية حتى باحت لي بكل ما اختزنته...
دون كشف تفاصيل الأحداث، نحن أمام صورة دستوبية حول مدينّة تشيّد على أنقاض مدينة، مستقبل يقوم على غرس أعمدته في أسس الماضي، غد يقوّض اليوم والأمس. هنا تتجلّى مهارة الكاتب الذي كرّس قلمه لكتابة حكاية عن مدينة جديدة، دون أن يسقط في فخ محاكاة المثير من النصوص القائمة على ذات الفكرة، فلا يمكن مثلا أن نشبه العزبة بيوتوبيا أحمد خالد توفيق، كلاهما تحدث عن مدينة جديدة يتم استيلادها من رحم الفقر وتغذيتها من شرايين الفقراء، لكن حكايتيهما -على ذلك- تختلفان تمام الاختلاف.
لدينا عدة شخوص، صور متنوعة وواقعية لنماذج انتقاها يوسف نبيل من الشارع المصري، حكاياتهم مدموغة بالحقيقة المرّة، وملامحهم شبيهة بالمارة في كل مكان في بر المخروسة، نساء مقهورات أو معطاءات أو منتهكات، أطفال ضائعون، ورجال تائهون بين استكشاف سبل العيش، ودروب المتعة، وطرائق الصعود المتكئ على السلطة، أية سلطة. تنتهي حكايات الجميع وقد استقروا تحت أنقاض الحاضر الذي وافقت الدولة على محوه لإقامة المدينة الجديدة، وموافقة الدولة هنا تتراوح بين التواطؤ والإهمال، لكن الحكاية توحّد طرفي الاحتمال لتساوي بينهما طالما ظلت النتيجة واحدة. يشاهد الضحايا العالم من تحت الأنقاض عبر ومضات برع الكاتب في رسمها وعززها بحضور ضبابيّ لموتٍ يقف مترددًا فوق الأنقاض، حائرًا كأنه لم يجد أسماء هؤلاء المغدورين في كشوفه. وفي ذات الوقت؛ يشاهد القارئ ذات الضحايا عبر فرجة ضيّقة تسمح بعبور الصوت، ولا تقبل أن ينفذ الأمل إلى المدفونين من دون كفن، ولا أمل، ولا جرم مشهود...
وفوق الأنقاض، يقف رجلان مهزومان موشومان بالعجز، يتهدل كتفاهما تحت وطأة الهزيمة. والهزيمة هنا لا تكتمل دون مشاركة المهزوم، إما بالتخاذل، أو بالصمت المستسلم.
نظير ثابت ومراد عبد العظيم، الأول جانٍ لا تخلو قائمة ضحاياه من اسمه، والثاني عاجز متقوقع آثر الانسحاب من كل المعارك. هذان النموذجان هما من أبقاهما يوسف نبيل فوق الأنقاض، بينما يئن أسفلها المئات من المقهورين، وكأنه أراد أن يقول أن من نجا من المحرقة إما فاسد بلا ضمير، وإما ضعيف أدمن الخسارات.
كان تحييد الكاتب لعنصر الزمن موفقًا، فهو يكتفي بفرد خريطة المكان أمام القارئ في مستهل الحكاية، ويترك له تحديد الزمن الذي تتفاوت سهولة استنباطه بين قارئ وآخر، بينما تسحبنا الرواية كشلال سردي كاشف سرعان ما يقذف بكل الإسقاطات المطوية بين أسطره، مطلقة نفيرًا مدوّيًا في وجه العمالقة الجدد، لعلّهم يتأنّون قليلًا قبل أن تسحق أقدامهم مدن الأمس، بكل ما خططناه على حوائطها من الآمال والأحلام وكلمات الغرام...
عمل مهم، شديد التميّز، ينطوي على محاولة محمودة للتغريد بعيدًا عن سرب السائد والمأمون. كتابة خارج صندوق المسموحات، تحمل رغم سوداويتها الظاهرة أملًا كبيرًا في تصحيح المسار، وتزف لنا نبأ كاتب ومترجم متمكن، يشق طريقه في تؤدة بينما يرتقي أدراج التفوّق...
عمل أنصح به محبي الأدب الجاد البعيد عن إعادة التدوير والاستسهال...
تحية لدار آفاق، وللكاتب المبدع يوسف نبيل
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27