محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

وداعيّة جبور الدويهي للعالم...سيرة الوجع اللبناني من الحرب الكبرى إلى انفجار مرفأ بيروت... تتبدل الوجوه والبيوت، ويظل السمُّ سابحًا في الهواء...

من دون أن نشعر، كان جبور الدويهي يودعنا في نصه الأخير الصادر منذ أسابيع عن دار الساقي في بيروت "سم في الهواء". سيرة مكثّفة للمكان، صبّ فيها الكاتب القدير نصيبه من الوجع والضياع، كان الدويهي يرثي الماضي، يرثي جيله، يرثي أحلامه، ويرثي نفسه... كان يودع بيروت ويشيّعها قبل أن تشيّعه إلى نوبة "نعاسه" الطويل.

لن أتناول في كتابتي هذه تنفنيدًا لعناصر هذا النص الروائي ومواطن قوته وضعفه كما اعتدت، بل عوضًا عن ذلك، سوف أنقل لكم بعض المقتطفات من هذه الرواية، التي شاء جبور الدويهي -بمباركة السماء- أن تكون رسالته الوداعيّة.

"بقي السلاح مستترًا في جيوب المعاطف الواسعة ومزيّتًا جاهزًا خلف أبواب البيوت. لم يسقط قتلى لكن كان هناك سُمّ في الهواء. رغبة مُعلنة بإراقة الدماء" ص ٢٠

"السماء قاتمة والشيطان يتحكّم في الدنيا وسينحبس المطر عقابًا لمرتكبي الخطايا، جنة العالم هي الطفولة" ص ١٣٦

"ما زالت ماثلة أمامي حتى اليوم بنظراتها التائهة كأنها تستغيث في بحر لا يرحم، عالقة فوق ما يشبه طوفًا تلطمه الأمواج.... قرأتُ كلماتها فتحوّل قلقي إلى هلع. هلع من أن الميل إلى الخراب لا يأتي مما يحدث معنا في يوميات الحياة، بل مما نحمله داخلنا ولا نعرف متى يخرج إلى العلن ولا يمكننا التحكم فيه، ومن أن حياتي كلها حتى الآن هي محاولة للسيطرة عليه" ص ١٣٧

"أجلس وأسأل نفسي إن كنت موجودًا بالفعل: من أنا؟... هل أحمل وزر ولادتي أم أنني مجرد اختراع لكتبي وقراءاتي؟ هل أنا رقيق أم بليد؟ ينفطر قلبي من مشهد حميميّ لا يلفت انتباه أحد، أم متحجر لا يتراجع أمام الأذيّة؟ من أين تأتي واجهة القسوة هذه، وأنا، كما أشعر في نفسي، ضعيف محبّ وأسير عاطفة الآخرين تجاهي؟ يسكن فيّ معًا شيطان مثابر وأخ حنون يمكن الركون إليه" ص ١٩٤

"لم أرمِ "إشراقات" فور انتهائي منه، احتفظتُ به في جيبي ذخيرة لبضعة أيام. أكرر مقاطع منه بالصوت العالي وأنا أذرع أرض غرفتي طولاً وعرضًا محاولاً الرقص من دون إيقاع قبل أن أرضخ لفكرة تحرري منه فأشعلته في المدفأة، ولأسباب لم أفهمها تعود ربما إلى اشتداد الريح في الخارج في هذه اللحظة، أو خطأ في تركيب المدخنة، ارتد دخان "الإشراقات" داخل الغرفة فغمرها وأصابني بالغثيان. كدت أختنق لو لم أسارع إلى فتح النوافذ والوقوف إلى جانب إحداها أتنفس هواءً باردًا من الخارج وألوّح بيدي لإخراج الدخان. هكذا لن يبقى لي ما أقرؤه، لا شيء من لغة الآخرين. صرت محكومًا بالاستماع إلى صوتي وحده. صوت لا يتغذى من أقلام كتّاب عباقرة وأصحاب مشاعر متّقدة، بل من نفسي المهددة بالنضوب" ص ١٩٩
*أشراقات: نصوص للشاعر الفرنسي آرتور رامبو

"أدركت وأنا أرصد حركة طيور الحمام وهي تبيت في سطح القرميد، أنني أقترب من شخصيات العزلة التي خطرت لي ثم تخليت عنها. لا شك أنني على مثال هذه الشخصيات التي تجذبني مصائرها أعاني من عاهة لا أعرف كيف أصفها. يحلو لي الاعتقاد أن التمرد يسري في عروقي وأنني عاجز عن إصلاح نفسي. فإذا كان للقدر عين، رغبتي أن أضع عيني في عينه كما كنا، نحن أولاد الحارة، نتحدى بعضنا بعضًا صغارًا، ومن ترفّ جفناه أولاً يخسر المبارزة" ص ٢٠٠-٢٠١

"هبط الموت على المدينة، ولم تأتِ طيور الحمام في ذلك اليوم إلى سقف القرميد، فرّت إلى ملجأ آخر وستعود بعد أيام. وحده روح الشر ظهر، الهر البرّي الوسخ بمشيته الرشيقة يبحث عن طريده، وبره الأسود منفوش، تقدم إلى طرف السقف واختفى للمرة الأولى في الجهة المقابلة لظهوره. بقيت الفراشة تتعثر ببن النافذة والخزانة والمصباح الكهربائي في حركة محمومة حتى وجدت مخرجًا تهرب منه فاختفت نهائيًّا. عدت إلى مجلسي، لن أكسر عزلتي لأعرف ماذا حدث في البعيد في مرفأ المدينة، فهو مصير مكتوب ليس في مقدوري أن أغيّر فيه شيئًا. وضعت رأسي بين يدي وسرحت لساعات تصوّرت خلالها أن أمي أورثتني خوفها من العمر، طفلاً كبيرًا يحاول يإصرار النزول من القطار، يستغيث ولا من يجيب" ص ٢٠٦

"... سينظرون من النوافذ إلى جوار البيت حيث قد أكون التجأت. يدورون على أنفسهم فلا يجدون شيئًا. المكان مكشوف ولا مجال للاختباء فيه. سيسقط في أيديهم ولن يعرفوا أنني لوّحت بجناحيّ، وفي أول وآخر إقلاع صباحي، حلّقت مع الحمام بعيدًا نحو السماء الزرقاء حيث اختفيت، أنا والرفّ، في الأفق البعيد" آخر سطور الرواية- ص٢٠٧

هذه رواية مكان، رواية هويّة، رواية بطلتها بيروت، لم يمنح كاتبنا شخوصه أيّة أسماء صريحة، فالحكاية -بمنتهى الإيجاز- عن بيروت/لبنان، والسُمّ السابح في هواء بيروت منذ عقود، سُمّ الكراهية والطائفية وسعار الدم، هذا السم الذي استنشقه جبور الدويهي سبعين سنة حتى اختنقت آماله، فحلّق فوق السحب السوداء المنبثقة من مرفأ بيروت، ومضى إلى البراح المنشود.

يطمئننا جبور الدويهي في آخر كلماته، ومن خلال آخر سطور خطّتها يداه، فيقول إنه حلّق مع الحمام في الأفق البعيد...
فهنيئًا لك الأفق الخالي من السموم، وهنيئًا لنا إرثك الذي لن يموت.

في وداع كاتبنا الكبير، أرجو أن تحتفوا بإرثه، أن تتناولوا أعماله، أن تتشاركوا كلماته، علّنا بذلك نمنحه الخلود الذي يستحقه.

#وداعًا_جبور_الدويهي

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27

المصدر الأصلي على ووردبريس