محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

فرح وسهامها الأربعة... حكاية عن القصاص من الزمن...

مع احتفاظي بالحق في ابداء بعض الملاحظات؛ فقد قرأتُ منذ أيام رواية ساحرة، قد تبدو للوهلة الأولى رواية تقليديّة عن قهر الأنثى في المجتمعات الشرقيّة وخلافة، ولكن؛ عندما أنهيتُ قراءتها، أدركتُ أن عباءة الحكاية أكثر اتساعًا من حواديت القهر المألوفة. نحن أمام عمل مكتوب بسخرية لاذعة لا تغيب عنها المرارة. الشجون حاضرة بكثافة، والحكاية وإن عُنونت باسم فرح، فهي تميط اللثام عن الكثير مما يحيّر العقل البشري منذ حكاية الشجرة المحرّمة، حتى اليوم. هذا النص يعيد ترتيب الأسئلة التي ندور حولها جميعًا منذ نضجت مداركنا دون أن نجرؤ على التقاط إجاباتها.

الأنثى هي محور الكون، ربّة الحكايات وحارسة الصور، حافظة الذكريات، حاضنة الطفولة وخازنة السر. وهذه الحكاية عن الأنثى، لا أقول المرأة لأن حكاية فرح تختزل كل مشاعر الأنثى بين دفتي رواية.
لنطالع سويًّا هذا الدمج لعناوين الفصول من الثاني إلى السادس؛ "فرح تستيقظ من نومها، فتهدم البيت، ثم تخرج من الجروتة، وتتخلص من أمها، وتحرر ابنتها من الأسر"

في ٢٠١٩، تتلقى زينة نبأ وفاة أمها (فرح) بينما هي مغتربة تشيّد حياة متذبذبة غير واضحة المعالم. عقب ذلك يصلها صندوق من صديقة أمها المقربة حسب وصيّة الأم، والصندوق يحوي مذكرات فرح التي انتهت من كتابتها منذ خمس سنوات. تفكر زينة في تحويل مذكرات أمها إلى رواية، لكنها كلما خاضت في طرق الماضي متتبعة خطى أمها، وجدت في الأمر ما يتجاوز فكرة الرواية.

عندما استيقظت فرح من نومها في عام ٢٠١٤ إثر إصابتها بنزيف معتاد ناتج عن اعتلال هرموني وراثي، بدا كأنها تستيقظ من حياة كاملة عاشتها دون إرادة حقيقية تحدد المسار، حتى هروبها من مأساتها الأولى جاء كرد فعل على تعنت الأسرة، فعل أتت به بغية الانعتاق. هكذا نتصفح أوراق فرح التي تتأرجح في سردها للأحداث بين الراهن والماضي البعيد، تتكئ على ومضات وصور اختزنتها في ذاكرتها من حياة بعيدة، وتربط أثرها باللحظة الحالية، مفسّرة كيف أدى ذلك إلى هذا، وكيف يشكل الماضي دروب اليوم والغد. تقرر فرح أن تثور على كل شيء، لن تستثني من ثورتها أحدًا سوى ابنتها زينة، هذا ما كانت تظنه على الأقل.

تصوّب فرح أول سهامها نحو الماضي، وليس هنالك ما نرمّز به الماضي مثل البيت القديم، بيت العائلة الذي نطوف جميعًا حوله بغية استحضار أعذب الأوقات، كان هو المكان الذي قررت فرح أن تهدمه بعد وفاة أبيها، ففي هذا البيت ذكريات تتضاد مع كل مرادفات الفرح، هذا البيت الذي عرفت فيه أول سقطة، وتحسست فيه أثر الحبل والعصا، وهو البيت الذي لفظها قبل أن يكتمل استيعابها وإدراكها لورطتها مع ابن الجيران. ولكي نصل إلى بيت المنصورة الذي ستهدمه فرح، يعود بنا الكاتب إلى الأصول، فبيت المنصورة نتيجة، فرع لا أصل. هكذا نتعرف على حكاية الجدة زينات والجد (سيدي أحمد) صاحب الأطيان وماكينة الطحين، ونتابع نسلهما الذي ستكون زينب حبّة في سبحته الطويلة، ثم نتابع زواج زينب من حسين.

من خلال هذه السيرة العائلية الزاخرة بالوجوه والحكايات والصور والروائح، الغنية بالتفاصيل، يستعرض عز الدين شكري فشير مرحلة التهجير في الستينيّات، ثم يرصد مظاهر الانفتاح العشوائي في السبعينيّات وكيف ينعكس ظله المخاتل على حياة هذه الأسرة، قبل أن يتابع النزوح المصري الجماعي إلى دول النفط. يروي كاتبنا حكاية أسرة بسيطة تقلبت بين الفقر المدقع والثراء خلال سنوات قصار، بينما هو يؤرخ في ما وراء السطور حكاية وطن تكالبت عليه عوامل الفقر والطرد والفشل. بعد عدة تجارب فاشلة في بورسعيد والمنصورة، يسافر حسين إلى الكويت تاركًا أسرة قوامها زينب وولديهما خالد ووائل، وابنتهما فرح. وما بين قطع ووصل، واختفاء واتصال، وغربة وعودة، تستقر الأسرة في المنصورة في هذا البيت الذي لم يحفظ في ذاكرة فرح صورة واحدة تنجيه من ثورتها المتأخرة.

إثر مغامرة عاطفية جامحة، تقع فرح في المحظور، لا تفقد أعز ما تملكه المرأة في نظر الرجل، لكن الفضيحة كانت كفيلة بالنفي، أو الطرد إلى بيت الخالة، الأمر الذي تتخلص منه فرح عبر قبولها بزواج مبكر من مهندس هادئ ميسور الحال، تنجب منه فرح وحيدتها زينة، ثم يقع الطلاق بعدما انتفت أسباب الزواج باكتمال خطة الهروب.
خلال ذلك، نلاحظ توتر علاقة فرح بأمها، وتأرجحها بين الصد والود، والحب والخوف، كما نلاحظ حالة عدم الاكتفاء العاطفي الذي تعاني منه هذه المرأة الموصومة بعار قديم ترك ندبة شرخت أواصر علاقتها بأخويها، وبأمها، التي تمكنت منها أمراض الشيخوخة والزهايمر.

بعدما أكملت دراستها وباتت مُدرّسة في مَدْرسة دولية تمنحها ما يوفر لها كرامة الاستقلال عقب الطلاق، تفتش فرح الأرض بحثًا عن العشق الغائب، وقد وقر في عقلها ألا تقيم علاقة زوجية ترى أنها تقوّض الغرام. تطوي فرح الأزمنة، وتلملم نثار الحكايات المبتورة، حتى تلتقي كريم المالكي، الممثل الشهير، لتجمعها به علاقة عاطفية عاصفة تضعهما على حافة الإعصار. يخصص كريم شقة في عمارة الجروتة في المعادي للقاءاتهما السريّة؛ كان كل منهما يفرغ عبر التحامه بالآخر حمولته من الخوف والحرمان وترصّد الآخرين. تشهد علاقتهما عدة منعطفات حادة فيتناوب عليهما الهجران والحنين والتلاقي، حتى تقرر فرح أن تطلق سهمها الثاني ليستقر في قلب هذه العلاقة، ويقتلها.

السهم الثالث في جعبة فرح خصّصته لأمها زينب. ضجرت فرح من رعاية أمٍ لم تمنحها الحنان الذي عاشت تبحث عنه في أحضان الآخرين، ملّت خدمتها بعدما استحالت أمها عبئًا ثقيلًا، مسخًا شائهًا يتوجب عليها أن تلملم ما يسقط من جيوب ذاكرته المهترئة، علاوة على تغيير حفاضاته. لم تجد في دفاترها صورة واحدة تعكس الحنان المفقود، لم تجد لأمها مسوّغًا واحدًا يدفعها لقبول استمرار رعاية استمرت لسنوات في ظل تهرّب خالد ووائل من مشاركتها المسؤولية. تقرر فرح إيداع أمها في إحدى دور المسنين، عارفةً أنها بذلك تُتمم لزينب أسباب الرحيل المحتوم، الأمر الذي سوف يتحقق عقب ذلك بشهور.

احتفظتْ فرح بسهمها الأخير لتنقذ به ابنتها زينة. ابنتها التي وقعت بدورها في فخ الغرام وتجاوزت بجموحها ما بلغته أمها في مغامرتها الأولى. زينة حامل! وها هي توشط على إعادة دورة حياة الأم، وفرح لن تقبل أن تخوض وحيدتها ذات التجربة المقبضة. قبلت زينة الزواج لعلمها بما يتكون في أحشائها، نعم تحب خطيبها، لكن فرح ترى أن ابنتها وخطيبها اللذان تجاوزا للتوّ عتبة عامهما العشرين، غير مؤهلين لتجربة الزواج والأمومة. فرح تكره الزواج والأمومة لكنها لا تكره زينة، لذلك تختزن سهمها الأخير لإنقاذ زينة عبر خطة تحمل من مجازفة وجموح الأنثى أكثر مما تعكسه من مشاعر الأم. تتحوّل فرح إلى لبؤة متوحشة تنهش زلة ابنتها وتغامر بها حتى تُحرّرها، تتصرف بالطريقة التي تمنّت لو تصرّفت بها أمها منذ عقود. لن تخوض زينة ما خضته، لن تعاني ما عانيته؛ هكذا تُسرّ فرح لنفسها، هكذا تُقرر مصير ابنتها، وترفق بها السماء فتنجو زينة من إجهاض مُدبّر، ويتم إلغاء زفافها. عقب ذلك، نعرف أن فرح عرفت طريقها، فحققت حلمها المؤجل بكتابة القصص للأطفال، ونالت قصصها نجاحًا كبيرًا قبل موتها دون الخامسة والخمسين، موت لا نعرف تفاصيله بشكل واضح...

الفصل الأخير في الرواية أرهقني عاطفيًّا، شحنة آسرة من المشاعر، ومد شجون هادئ يزحف فوق آخر الأوراق، زينة تبدو أكثر استقرارًا مقارنة بأول الفصول، حياتها توشك على الاستقرار في صحيح المسار، ومذكرات أمها تحوّلت إلى بوصلة تقبض عليها لتوجهها نحو الصواب...
انتهيت من هذا الفصل وأنا أجاهد دمعة تتكوّن في مقلتيّ.

حتى الثلث الأخير من الرواية، كنت أحوم بإصبعي حول علامة النجوم الأربع على موقع جودريدز، ذلك لملاحظات تخصُّ التحرير والمراجعة، علاوة على تكرار ملاحظتي التي أبديتها مسبقًا عن رواية "كل هذا الهراء"، وهي الملاحظة الخاصة باللغة الواردة في بعض المقاطع، وعدم اتساق الألفاظ والسباب البذئ على لسان فرح مع حكايتها رغم كل ما مرت به. أعرف أن أنصار الواقعية اللصيقة بالأرض لن يجدوا في ألفاظ السباب والشتائم (رغم استبدال بعض حروفها بعلامة *) ما ينتقص من جودة النص ودرجة ترابطه، وربما يجد هؤلاء أن هذه اللغة الغاضبة تمنح التص واقعيّة مضافة. على الجانب الآخر، سوف يقف حماة الفضيلة ودعاة الأدب النظيف ووصاة الأخلاق لهذا النص بالمرصاد. وأنا لا أرفض هذه اللغة الحافلة بالغضب والسخط في المطلق، لكنني وجدت أن شخصية فرح، بكل معاناتها ونزواتها وخساراتها، لا يمكن أن تستخدم هذه الألفاظ كتابةً في مذكراتها، من الجائز أن تستخدم هذه الألفاظ في مقاطع حوارية مع صديقتيها المقرّبتين، ولكن؛ أن تكرّر فرح استخدام هذه المفردات في أوراقها المكتوبة، فهو أمر لم أستسغه.

على الرغم مما سبق، فور أن أنهيت قراءة الرواية، شعرتُ أنها تركت شيئًا في داخلي لن يغادره في أمدٍ قريب، غرستْ شيئًا من أجوائها ووجوه شخوصها وحكاياتهم في عقلي، تركتْ لدي الكثير من علامات الاستفهام التي أتمنى أن أجد يومًا إجابة مُرضية لها. لذلك، وبمنتهى الأريحيّة، وضعت العلامة الكاملة لرواية لديّ عدة ملاحظات سلبيّة عنها، الأمر الذي لا يعكس إلا براعة الحكّاء وحرفيّته، ومصداقيته المستمدّة من حياة -وربما حيوات- حقيقية، دمغت بصدقها سطور هذا النص.

بعد "كل هذا الهراء"، هل ابتعد عز الدين شكري فشير عن الرواية السياسية؟ هل هي هدنة أو استراحة محارب؟ هل هو قبول بالمقبول؟ أو جنوح نحو المسموح؟ لست متأكدًا! فهذه الرواية، "حكاية فرح"، تشرّح المجتمع المصري، وتعكس ظلال السياسات الحكوميّة على أسقف البيوت، وكيف تسحق هذه الظلال بيتًا وتحيل الآخر برجًا سامقًا. رواية تخبئ بين صفحاتها مخزون من صرخات الأنثى الشرقية، وتقّدم الجناة حفاة عراة أمام القارئ، لكنها في نهاية الأمر -أي هذه الرواية- تنجح في مراوغة الراهن فتخرج من أُطر الممنوعات، وتنجو من خطر المتربصين.

أيٍّا كان التأويل، وهو الأمر الذي حتمًا يختلف بين قارى وآخر، هذه رواية تحمل -حرفيًّا- روح كاتبها، فتغزل الانكسار والشجون بالأمل، والنجاح بالهزيمة، والحنين والشغف بالوحدة والفقد، والاستسلام بمطاردة بريّة الحقيقة...

كانت هذه مذكرات يمامة تحمل بين جناحيها رأس لبؤة جريحة!

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27

المصدر الأصلي على ووردبريس