محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

"غربة المنازل" لعزت القمحاوي طواف بين أبواب مغلقة، وعزلة سارحة بين الشرفات.

كما هي عادتي مع كل قراءة لأعمال كاتبنا القدير عزت القمحاوي، امتزجتْ لديّ الدهشة بالمتعة، وانخرطتُ في طوافٍ حافل بالقلق رفقة شخوص هذا العمل السردي المختلف. المكان هو بؤرة الحكاية، والوباء خيط حريري يربط بين الشرفات، والقراءة للقمحاوي -كما هي العادة- تستلزم قدرًا كبيرًا من اليقظة، إذ أن التشابك بين الفصول مخاتل يراوغ القارئ المنخرط في تتبع مسار الحكاية. ربما انقضتْ نصف صفحات هذا النص قبل أن أقبض بيدي على أول خيوط هذا النسيج القصصي المحكم، وقتما كانت علامات الاستفهام تحوم حول كلمة "رواية" المطبوعة على الغلاف. الرابط الأول بين الشخوص هو الرابط الملموس، وأعني هنا بقعة في قلب مدينة الغبار (أو القاهرة)، حيث البيت الذي يستقر الشخوص خلف أبوابه، أما الرابط الثاني فهو رابط محسوس، ينبثق من تعاطي السكان مع مراحل تفشي الوباء.

الأمر أشبه بحضور أحد المعارض، حيث تصطفُ اللوحات على الجدران، الواحدة تلو الأخرى. كل لوحة تؤطر مشهدًا لباب شفّاف برع الرسّام في نقله من مخيّلة خصبة تعجُّ بالتفاصيل، إلى أقل مساحة ممكنة. يطالعُ القارئ الأبواب/اللوحات، وتأسره كل حكاية على حدة، دون أن يدرك للوهلة الأولى أن التفاصيل تتسرّب من لوحة إلى أخرى، حتى يقف أمام آخر اللوحات، ليدرك هذه الحيلة البارعة، فلا يملك إلا أن يعود لمطالعة اللوحات بذات الترتيب مرّة أخرى.

الوباء حاضر ليفرض العزلة ويظلل عتبات المنازل، بيد أن حضوره لا يستجلب الرعب ولا يخلّف الانقباض المقرون بالخوف الفطري من إسدال ستار الحياة أمام العيون، الوباء هنا تم توظيفه بحنكة بحيث نراقب نتائجه، ولا نتتبع مساره هو. اكتفى القمحاوي هنا باستحضار ظلّ هذا المارد المقيت، دون أن يسلّط كاميرته على وجهه ولو لمرة واحدة، الأمر الذي أعدّه واحدًا من أهم عناصر الدهشة في هذا النص.

خلف الباب الأول، نتعرّف على أولى ساكنات البيت، فريدة؛ امرأة في منتصف الأربعينات تلتقي بصورتها بعد عشرين عامًا في عربة المترو، الأمر قابل للتأويل بحيث يفتح مصاريع الاحتمالات أمام الواقع والتخيّل، تنتهي حكاية فريدة بنشوة تغمرها عقب خوض تجربة عشق لم تعرفها من قبل، ولقاء غرائبي مع امرأة تشتل بنظراتها بذور الأمل، وتحرّضها على الاحتفاظ بالمحبوب، مشهد انعكاس وجه فريدة في عينيّ المرأة الستينيّة، والعكس، ربّما يحمل إسقاطًا يقصد الكاتب من خلاله إحالتنا إلى المقارنة بين المرأتين، أو المدينتين، فالستينيّة عرفت المدينة وقتما كانت ترتع في متنوّع ألوانها، أما فريدة فقد نشأت في مدينة الغبار.

ننتقل في اللوحة الثانية إلى باب شقة أخرى في ذات العمارة، لنتعرّف على حكاية رامي حنا وغيداء. علاقة غريبة، وربما فريدة، تجمع بين موسيقار وحيد لعوب وامرأة غامضة تتقدم للعمل لديه في وظيفة تدرك من البداية أنها وظيفة وهمية تنطوي على شرك ينصبه الرجل لاصطياد بطلات نزواته. يعيش رامي وغيداء سويًّا لعقود طويلة دون أي علاقة رسميّة أو جسديّة تجمعهما. ربما لذلك يظل العشق نابضًا في قلب رامي تجاه غيداء حتى بعد أن أثقل الشيب كاهليهما وأصيبت هي بالوباء وباتت في حاجة إلى الرعاية. استغرقتُ كثيرًا في تأمل هذه العلاقة، وتوقفتُ أمام كم الأسئلة والأبواب المغلقة التي توارت خلفها الحقائق، دون أن ينتقص هذا من إعجابي بهذه العلاقة. التقط القمحاوي مشهدًا واحدًا من علاقة استمرت لعقود دون أن يغوص في تاريخ العلاقة ومراحلها بطريقة ترضي فضول القارئ. ربما أعود لأكتب المزيد عن رامي حنا وغيداء فيما بعد!

اللوحة الثالثة تُظهر الباب الأهم في هذه البناية السرديّة، حيث يعيش المؤرخ فريد العطار الذي سبق الوباء إلى العزلة،. رجل تهاوت أسوار عقله تحت وطأة التاريخ. يتلقى نصيحة طبيّة مفادها أن عقلها في حاجة إلى restart، يستقبل المؤرخ الوباء بترقب مشوب بفضول الأطفال، وينهمك في متابعة أخباره حدّ الخروج من عزلته الاختيارية متحديًّا قوانين العزلة الإجبارية، بحثًا عن أثر لبقاء البشرية في مدينة الغبار.

ننتقل عقب ذلك إلى عتبة الباب الرابع، لنقتحم عالم الدكتور فريد عبد المحيط، طبيب النساء اللعوب الذي يملك أنفًا متبصّرًا يستشرف رائحة الموت المحيط بمدينة الغبار، تمامًا كما تتحكم فيه حاسم الشم لتمسي المحرّك الأول لتصرفاته وقراراته. في خزانته تذكارات نساء، وجثة عائلة كاملة من الفئران، وفي عقله خزانة أخرى تكتظ بروائح العابرات وذكرياتهم، وهاجس دائم لا يغادره. خلف هذا الباب نقرأ أحد أهم العبارات في هذا النص على لسان دكتور فريد، مفادها أن الحياة صراع دائم بين التحام الأجساد وتفسّخها. المقطع الذي يفند فيه الدكتور فريد مراحل حياة الإنسان إلى مجموعة من الروائح، بداية من رائحة الحليب الدافئة حتى رائحة العطن والتفسّخ، ربما كان أحد أهم مقاطع هذه الرواية.

أمام عتبة البيت الخامس، نشاهد حكاية حمادة رزق، حارس أمن المول التجاري، أو بالأحرى؛ خيال المآتة البشري الذي يخلق لنفسه بطولات وهميّة، شأنه في ذلك شأن الآلاف من قاطني مدينة الغبار. ينتشر الوباء فيصيب حمادة بالبطالة، إلا أن هذا الأخير لا يتوقف عن تسجيل بطولاته الزائفة، فيكلّف نفسه بنوبة حراسة مفتوحة لجيرانه وأهله من الوباء، يغوص حمادة في أرحام البيوت، حتى يعرف أكثر مما ينبغي، ويرى ما لا يحق له رؤيته، فينال طعنة غادرة لن تحيده عن مساره فيما بعد.

ثم ننتقل إلى الباب السادس، حيث لوحة تصوّر لنا مشهدًا تكسوه رماديّة الهزيمة. وديع العطار الذي أنفق عمره في مطاردة الذباب في قلعة البحر، حتى توقف عن عد هزائمه أمام هذه الحشرة التي تنشغل بلحظات العشق عن خطر الفناء. وديع، وهو شقيق المؤرخ بديع، يظهر في اللوحة متبوعًا بظلّين، كل منهما معارض للآخر، الأمر الذي يغلف خطواته بحيرة لا تفارقه. تتعاظم هذه الحيرة حين يتقاطع ظل وديع مع ظل امرأة صامتة في أحد الحدائق العامة. لحكاية وديع تتمّة يختتم بها الكاتب استعراضه للغربة السارحة خلف الأبواب، وفي أعمق بقعة من خلايا سكان مدينة الغبار.

الباب السابع قديم، منخفض بحيث يمسي الانحناء فرضًا على من يمر عبره ليطالع اللوحة المطبوعة في ما وراء أستاره. سالم هو بواب البناية، وهو زوج طعمة الحاضرة في أغلب اللوحات السابقة. طعمة هي الخيط الرفيع الرابط بين معظم البيوت، أما سالم، فهو رجل بسيط يرفض استمرار زيجته من فتاة غنجة، ويستبدلها بفتاة سمراء لها جسد صبي يافع. هكذا يصف سالم زوجته التي اصطفاها متجاهلًا تبرّم أمه. بيد أن جمال طعمة يتشكّل ويزداد في عينيّ سالم حين يلاحظ انجذاب السكان إلى زوجته! تصنع من عيون ملاحقيها قلادة، فتكتسي الفتاة السمراء بالجمال وتزرع خطواتها الطراوة في قلب سالم. يستدير جسدها في عينيه فيغار عليها وقد أضحت فاتنة مرغوبة تحيط بها نظرات العابرين. إلا أن الوباء يهبط على مدينة الغبار كوحش قبيح يفرض العزلة على الجميع. ينحسر مدّ النظرات عن جسد نعمة، فيكتشف سالم ترهلاته إثر تكرار الولادة، ويستعيد في عينيه صورتها مسخًا دميمًا.

تفتح صافيناز الباب الثامن، لنتصفح معها حكاية فتاة هاجرت عقب ثورة يوليو، وعادت كهلة في منتصف الثمانينات من عمرها بعدما دفنت زوجها في بلاد الغربة. ترغب صافيناز في نقل رفات زوجها إلى مقبرة العائلة في مدينة الغبار كأنها بذلك تنزع عنه ثوب الغربة. عقب نجاتها من الوباء، تفاجئها الدولة بقرار يقضي بإزالة مقبرة العائلة لإفساح المجال أمام طريق سريع. وهكذا، عوضًا عن استرجاع رفات الزوج المهدد بالمياه الجوفية في أميركا، تغادر صافي مدينة الغبار حاملة رفات أبويها، لتدفنهما في الغربة.

وهم الزعامة والسيطرة على الآخرين في أروقة الهيئات الحكومية يظهر وراء الباب التاسع، ثابت سند وقصة صعوده التي تليق بالتاريخ الحديث لمدينة الغبار. نتعرف بين السطور على تفاصيل التعايش في أروقة الهيئة، ما هي الهيئة المقصودة؟ لا يهم، فالحكاية تتسق كل هيئة تشرف عليها الحكومة. الأمر أشبه بصراع بقاء خفيّ، ربما لهذا نجد أن ثابت سند يُلصق بكل مدير إدارة لقب حيوان ما خلال اجتماعه المصيري بهم، لا يجهر بالألقاب بطبيعة الحال، لكنّه يقدم تفسيرًا ضمنيًّا لاختيار اللقب الذي يمنحه لكل موظف. الاجتماع يناقش عدة نقاط أهمها اللوحة الجدارية الضحمة التي تَقرّر وضعها في مدخل الهيئة، حاوية صورة السيد مدير الهيئة ورئيسها، دون إغفال مقاييس الرسم التي يجب أن تظهر كل صور بما يتسق مع وظيفة صاحبها. ثابت سند سوف يعتزل الهيئة ويتحول إلى شيخ بعد خروج الوباء عن السيطرة وانتشاره بين ذرات الغبار السابحة في فضاء المدينة.

دعونا الآن نتفادى طرق الباب العاشر، مستعيضين عن ذلك بتأمل نافذته: تلك هي الحاجة سمحة، ها هي تطعم الطيور كعادتها كلما تدلّى من السماء أول خيوط النور. لحظة واحدة. الآن طالعوا معي هذا الجسد المسجّى فوق قمم الأشجار أسفل البناية، بالضبط: هذه هي الحاجة سمحة أيضًا، ولكن بعد أن سقطت من نافذتها، أو طارت، أو حملتها غيمة العصافير واليمام! سقطت الحاجة سمحة دون سبب معروف، لكنها نجت إثر سقوطها فوق الشجر الذي تسكنه طيورها. الأمر يعكس أحد وجوه العدالة الغائبة، فكما أحسنت الحاجة سمحة استقبال الطيور في منزلها كل يوم، كان من المنطقي أن يحسنوا استقبالها فوق أشجارهم! يحملها سالم البواب إلى بيتها. لكن زوجها سعيد الطناحي، أو العمدة المتلذذ بتذوق "طَعَامة" زوجة البواب، يجد نفسه في موضع المتهم، ويصيبه صرع الانترنت فينغمس في بحث محموم بين صفحات تداولت أخبارًا عن رجل ألقى بزوجته من النافذة عقب اكتشاف إصابتها بالوباء. يتتبع سير الأخبار العشوائيّة غير موثقة المصدر، ويراقب شابًا يدعى حسام فخري يتلصص على علاقته بزوجة البواب، حتى يطمئن إلى سلامة موقفه عندما يدرك أن النساء اللاتي يتم إلقائهن من الشرفات أكثر مما يضعه في دوائر الشك! هنا تتحول الحاجة سمحة إلى درويشة! الطناحي نفسه يؤمن بطيرانها فوق السحب، ويقسم أنها ليست المرة الأولى، فيفد الناس من جحورهم المعبأة بغبار اليأس إلى الحاجة سمحة، وقد وقر في يقينهم أن النجاة من الوباء حاضرة في كنف درويشة عرفت كيف تحتضن السماء.

نعود إلى باب المؤرخ بديع العطار في اللوحة الأخيرة، الباب مغلق، ولكن جسد المؤرخ المكسو بزرقة الموت ظاهر في خلفية اللوحة. يكتشف وديع وفاة أخيه بديع. مات بديع وحيدًا دون أن يمسّه الوباء، وربما مات باختناق تاريخي! لم يقدر المؤرخ على تطبيق الـ restart كما ينبغي، سقط أسفل أطنان من صفحات حوت تواريخ الأوبئة، واختنق بالغبار. أما وديع، فهو ماضٍ خلف السيدة التي ترافق كلبها "ليل" إلى الحديقة العامة، متبوعًا بظلّين لا يفارقانه، أولهما يلومه على وفاة أخيه وقد غاب عنه منذ أربعة أيام، والآخر يؤكد له أنه ظهر في الوقت المناسب قبل تعفن الجثة وتفسخها، الأول يحذره من الاقتراب من السيدة، واسمها "لطيفة العراقي"، والثاني يشجعه على الاقتراب مؤكدًا أنه -أي وديع- ليس لديه ما يخسره!

الأمر الوحيد الذي استوقفني، وربما أرهقني، كان محاولة فهم السياق الزمني للفصول، فهناك تاريخ يستهل به الكاتب كل فصل من فصوله الإحدى عشر، التواريخ لا تسير في نسق تصاعدي، ولا العكس. فالفصل الأول يجمل تاريخًا في أغسطس ٢٠٢٠، والثاني في يونيو من العام ذاته، ثم نقفز إلى مارس ٢٠٢١ قبل أن نعود إلى ٢٠٢٠ مرة أخرى، وهكذا، اللهم باستثناء الفصلين الخاصين بالمؤرخ بديع العطار، وقد آثر الكاتب أن يمنحهما التاريخ الزمني الخاص بالمؤرخ.

تنتهي الرواية وسط الخضار، وديع في أحضانٍ لطيفة، الرجل حائر خائر فزع، وعبارة تتكرر على لسان المرأة المطمئنة "أكمل... لا تخف ... أكمل... لا تخف"، كلمات ربما تدفع وديع إلى محاكاة انخراط الذباب في لحظات العشق على حساب الخوف. نتصفح مصائر بعض الشخوص، ولا نعرف شيئًا عن البعض الآخر، يختفي الشاب المتلصص حسام فخري، يغادر الطناحي البيت رفقة درويشته إثر احتشاد مريديها، يتحول ثابت سند إلى شيخ ينتظر المسيخ الدجال ويستلم إدارة شؤون البناية من الطناحي، يستقر سالم وطعمة في بيت الحاجة سمحة، تعود صافيناز من حيث جاءت، ويعكف رامي حنا على خدمة غيداء، ينجو حمادة رزق من طعنة الغدر، يواصل فريد عبد المحيط تتبع الروائح، بينما لا نسمع شيئًا عن فريدة. تستمر الحياة، تتداخل المشاهد، إلا أن بعض الكلمات تشي بثمّة حياة أخرى تنتظرنا عقب انقضاء البلاء.

والسؤال هنا: هل تنتهي غربة المنازل برحيل الوباء؟

هل يعود الدفء إلى البيوت وقتما يعبئ الوباء حقائبه بأرواح الضحايا، ويمضي؟

هل سبّب الوباء غربةً سرحت في منازل مدينة الغبار؟ أم تُراه كشف -بحضوره الثقيل- عن وجودها؟

هل العنكبوت هو الجاني الذي يستحق العقاب؟ أم تُرانا نطارد الشبكة المعقدة التي نسجها حولنا بمحض إرادتنا؟

أُحيل القارئ هنا إلى مقدمة الرواية التي أورد فيها الكاتب مقتطفًا من واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة، تتحدث عن تحول البشر إلى حجر "حكاية عبد الله فاضل وأخويه".

نص أدبي ممتع ومدهش، ربما يحار البعض حيال تصنيفه بين الرواية والمتتالية القصصية أو القصص القصيرة المنفصلة المتصلة أو أو أو ... المهم بالنسبة لي هو تحقق المتعة بغض النظر عن التصنيف، وها هي المتعة ما تزال حاضرة وأنا أكتب هذه السطور.
في النهاية، ومع التغاضي عن فشلي في إدراك المقصد من ترتيب التواريخ، أقر أنني استمتعت كثيرًا بهذا النص، واندهشت بذات القدر!
نص رائع ومختلف عن أغلب النصوص الأدبية كما هي عادة القمحاوي، أنصح به الجميع.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27

المصدر الأصلي على ووردبريس