جنازة السيدة البيضاء عادل عصمت ومهارة "إعادة تشكيل طين الخلق"

سؤال أعتقد أنه ألح على اذهاننا جميعًا بعد رائعة عادل عصمت التي بلغت القائمة القصير للبوكر؛ الوصايا. فالمتابع لمسيرة كاتبنا الكبير، تحديدًا منذ اختفاء الرجل العاري، ووصولًا إلى مجموعته الآسرة "مخاوف نهاية العمر"، مرورًا بمحطات أدبيّة هامة مثل حكايات يوسف تادرس وصوت الغراب والوصايا، قد يعتقد -مثلي- أن عادل عصمت قد بلغ ذروة الاختمار في الوصايا، الأمر الذي قد يقود إلى السؤال أعلاه؛ ماذا بعد؟
ولكن؛ ألم يكن ذات السؤال هو ما طرحناه عقب "صوت الغراب"، حتى فاجأنا عادل عصمت بـ "الوصايا"؟
جنازة السيدة البيضاء... ومهارة إعادة الخلق.
من المذهل أن يتمكن الكاتب من التنويع دون الخروج من قوقعته! عنصريّ المكان والزمان لدى عادل عصمت يتمحوران حول ذات البؤر. نخطاي وطنطا كمسرح مكاني، والسبعينيّات والثمانينيّات والتسعينيّات كنقطة انطلاق زمنية لأحداث مخاتلة تسحبك إلى رحم الماضي حيث تشكلت نطفة الحكاية، ثم تضعك على أعتاب الزمن الراهن جنينًا مكتمل الوعي!
نعمة الأبيض تموت. هكذا تبدأ الحكاية كاشفة عن مدلول العنوان، مُلقية بورقة السارد الرئيسيّة على عتبة الرواية! شجاعة هائلة تعكس ثقة الكاتب في قدرته على جذب القارئ في رحلة تمتد لقرابة ثلاثمائة صفحة بعدما سرّب له جوهر النص عبر العنوان والاستهلال. يمنح القارئ جرعات متساوية من الشغف في فصول قصيرة يتناوب على سردها راوٍ غير محايد، ليروي التفاصيل في كل مرّة منحازًا إلى شخص بعينه، ومحاور السرد هنا تدور حول أربعة شخوص؛ نعمة الأبيض، وابنتها منار، وعثمان الفقي، وحمدي بدران.
كما أسلفت، ينطلق الكاتب من الزمن الراهن، ثم يفتح بطن التاريخ ليستخرج منها حكاية عائلة الأبيض. أسطورة ريفية عن ابن الذوات صاحب الأطيان الذي يتخلى عن كل شيء بغية الاقتران بفتاة ريفية بسيطة. اسم الفتاة نعمة، وهو الاسم الذي سوف يظل حاضرًا في كل أجيال عائلة الأبيض التالية، وصولًا إلى نعمة الأبيض التي نعرف في الصفحات الأولى أنها تستعد للرحيل.
تختار نعمة العقيد عثمان الفقي زوجًا لها، لتجنح بذلك إلى الاقتران بالهيبة والسطوة على حساب عشق حمدي بدران، صديق أخيها أنس الذي لم يعشق يومًا سواها. ترى نعمة أن حمدي يحبها أكثر مما يجب، لذلك تختار الزواج من العقيد عثمان، وتنجب منه مروان، ومنار، وسمية. يتخرج مروان من كلية الطب ويسافر إلى ألمانيا عقب ثورتين متوازيتين، ثورة 2011 التي فقد خلال موجاتها الارتدادية أقرب خلّانه، وثورته على أبيه. تتخرج منار من ذات الكلية فتقيم وحدها في القاهرة لتكون أقرب إلى مقر عملها، بينما تتزوج سمية ويسافر زوجها إلى الكويت فتظل هي الوحيدة القريبة إلى أمها، والشاهدة على لحظاتها الأخيرة.
يبرع عادل عصمت - كعادته – في استيلاد الأسطورة من رحم الأحداث العادية! يروي الحكاية دون أن يملي على القارئ رأيًا بعينه، فيتلوّن راويه العليم - الماكر - حسب الشخص المروي عنه، ليمنح للقارئ حرّية القرار والحكم على الكافة. تجد نعمة الأبيض في عثمان الفقي زوجًا كريهًا سيء الطباع، تحاول أن تتخلص من قيد زيجتهما أكثر من مرة، وتكاد أن تفلح في إحدى نوبات ثورتها، لكن العقيد المُحال إلى التقاعد لا يرضى بفقدان سطوته، ولا يتنازل عن ممتلكاته مهما كلفه الأمر. نشاهد مرة أخرى نموذج الأسرة المفككة في عوالم عادل عصمت، كما هو الحال في "حياة مستقرة" و"حكايات يوسف تادرس" و"صوت الغراب" وبعص قصص "مخاوف نهاية العمر". وعلى الرغم من اختلاف التفاصيل في كل حكاية عن الأخرى، يظل مشرط عادل عصمت هو الأقدر على تشريح حياة الأسرة المصرية ورصد تحولاتها وترهل أواصرها خلال العقود الأخيرة.
وما بين حكاية نعمة، والسرد السحري المحكم عن تاريخ عائلة الأبيض في فترة زمنية تمتد من الأعوام السابقة للحملة الفرنسية وحتى اليوم، يعرج الراوي بين الحين والآخر حاملًا كاميرته بين باقي أركان الرواية وأعمدة هذا البنيان السردي الفريد: منار؛ الابنة الحائرة حيال تحديد مشاعرها تجاه أمها ما بين شد وجذب وسطوة وتحرر. الحبيب كسير الفؤاد حمدي بدران الذي لم يفقد يومًا الأمل في الاقتراب من نعمة، حتى ولو تحقق له ذلك التمني في لحظات احتضارها، والعقيد عثمان الفقي زوج نعمة النرجسي الطباع، الذي يلقي مسؤولية فشله على الآخر طوال الوقت، بما في ذلك تحميل نعمة مسؤولية تدهور علاقته مع أبنائه، وإلقاء اللوم على الراغبين في التغيير دون تبيان لرأي صريح. هذا الرجل الذي ينشغل بثورة ابنته الصغرى وكيفية رد اعتباره أمامها أكثر مما يهتم بزوجة تحتضر. تتضح لنا عبر هذا التكنيك الذي ينتهجه الراوي عدّة ثنائيات وصور للتضاد؛ القهر والكبت في مقابل الرغبة في التحرّر (مروان ومنار نموذجًا)، العشق في مقابل الاستحواذ (حمدي مقابل عثمان)، التعلق والتخلي، القدر على مطاردة قطار الحلم ولو سار فوق قضبان متآكلة مقابل تفويت كل الفرص السانحة سعيًا إلى كمال واكتمال غير موجود.
ما بين سقوط نعمة الأول في بيتها، ومحاولة منار وحمدي اللحاق بآخر أنفاسها، وهروب عثمان من مرض آثر أن يظنه تمارضًا، تتراكم هواجس عادل عصمت على ضفتي النهر، مثال على هذا هاجس الموت، والموت هنا لا يّقدم كمصدر للخوف، بقدر ما هو كشف حساب لما دونته الحياة في دفاترنا بمحض إرادتنا؛ الموت هنا لحظة مكاشفة، نور يسطع ليكشف ما غيّبته المخاوف عن المدارك في لحظات لا يسع المرء فيها تبديل المسارات (الموت وحساب الأرض قبل السماء حاضر بقوة في أغلب كتابات عادل عصمت). كما لا يسعني ألا أتوقف أمام البيت القديم حاضن السر وحافظ إرث الحكايات (البيت القديم حاضر في حياة مستقرة وأيام النوافذ الزرقاء وصوت الغراب وغيرها من أعمال الكاتب)، والجد الأسطوري المتبصّر الذي يستشعر دنو الأجل (أنصح قارئ هذه الكلمات بالعودة إلى الوصايا). كما أن لدينا المقابر، وهي نقطة محوريّة في روايتنا هذه، إذ شيّد عادل عصمت في فضائها أهم master scene في الرواية حسب اعتقادي، علاوة على مشهد الختام. بيد أنني لا أود أن أحرق التفاصيل وأميط اللثام عن النهايات، فعنصريّ الإثارة والتشويق حاضران رغم معرفة القارئ بمصير نعمة الأبيض منذ الوهلة الأولى؛ الأمر الذي يعكس مهارة سردية هائلة وأدوات لا يمتلكها إلا قلة من الكتاب العرب.
لغة محكمة مناسبة للحدث، تنساب متنوعة بين زمن وآخر، بسيطة دون استسهال، ثرية ومكثفة دون تعقيد. شخصيّات آسرة ستعيش طويلًا في ذهن القارئ، بكل تفاصيلها ومراحل تطورها ما بين صعود وسقوط. حبكة رائعة تذهلك بساطة تفاصيلها وقدرتها على ابتلاعك بين أوراقها. حبكة لا تقوم على تقاليد الاستهلال والصعود والذروة، ولا تهتم بتنويع العتبات، فهي رواية ترتكز في استهلالها على لحظة ذروة، ثم تسحب القارئ في دوامات متداخلة تقذفه إلى ذروة أخرى، قبل أن تتركه حائرًا تتنازعه أسئلة شتّى.
ختام
فعلها عادل عصمت مرة أخرى!
هذا ما قلته وأنا أقرأ آخر سطور الرواية، مشهد بديع يسرّب الأمل من كفن الأم إلى جسد الابنة بعدما حققت هذه الأخيرة نصرًا بيّنًا بتنفيذ الوصيّة، نصيحة ضمنيّة تضعها الأقدار بين أيدي الابنة الحائرة أمام حب تكتمل أركانه بكلمات أهملتها الأم. نصيحة إلى الأجيال القادمة، ألا تفوت الفرص، وألا تهمل الإشارات، ولا سيما الخطابات!
عبقرية الكاتب هنا تتجلّى في مقدرته على إعادة تشكيل طين الخلق الذي شكل منه عوالمه السابقة، لينتج لنا -في كل مرة- عالمًا جديدًا مستخدمًا نفس الطينة التي ما زال يقبض عليها من أرض "نخطاي"! أضحى لدينًا عالمًا متكاملًا يخصّ عادل عصمت، يتجوّل فيها ويستدعي شخوصه وقتما اقتضت الحاجة واستدعت الحبكة. مر الشيخ عبد الرحمن سليم صاحب الوصايا ضمن أحداث جنازة السيدة البيضاء، فبدا كأنه -بمروره هذا- يضفي مصداقيّة إضافيّة على النص. كان الشيخ وزوجته خديجة قد مرا من قبل في قصة "زينب فخر الدين" في مجموعة "مخاوف نهاية العمر". هكذا يترسخ لدى القارئ يقينًا بوجود ثمّة عالم موازٍ يسكنه ويتحكم في مقاديره عادل عصمت، ويخلق نوعًا من الألفة بين القارئ والنص، ليس هذا النص فحسب، بل كل نصوص راهب طنطا وحارس حكاياتها.
الأمر أشبه بالقاهرة المحفوظيّة دون أدنى مبالغة، ليس من الإنصاف أن ننتظر خمسين سنة حتى نمنح هذا المبدع التقدير الذي يستحقه، ولا أن ننتظر فوزه بجائزة ما (حتى نوبل) لكي نحيط عنقه بأكاليل التكريم. نحن أمام مبدع فارق، صاحب مدرسة خاصة، قادر على الوصول إلى العالم بأسره من خلال نخطاي، مثله في ذلك كمثل المنسي قنديل وسعيد الكفراوي وجار النبي الحلو، ومن قبلهم نجيب محفوظ.
حيوات كاملة يصنعها عصمت كأنه عامل فخار يُعمل يداه في طينته الثرية بالأسرار والحكايات، قبل أن يراكم تلك الحيوات، الواحدة تلو الأخرى، بين دفتي غلاف يحمل عنوانًا ما! وبذكر الغلاف؛ أود أن أشير إلى أن عبقرية الغلاف هنا تتجلّى في قدرة المصمم على تلخيص الحكاية عبر تداخل ثلاثة وجوه نسائية ربما هي لنعمة الأبيض في مراحل عمرها المختلفة، وقد تكون لأكثر من نعمة من عائلة الأبيض، وربما هي لها ولبنتيها، الأروع من ذلك هو الخلفية المتدخلة مع الوجوه الثلاثة، والتي تحمل صورة لأرض الريف، بترعها وزروعها وطينها.
عن فوات الحياة، عن الفرص المهدرة، عن الخطابات التي لا نرسلها، وتلك التي لا نقرأها، عن تمرير الأيام في غرف الذكريات التي لا تغادرنا، عن صوت اليمام الذي نتوق إلى سماعه، عن الحب والتأقلم والانسحاب، عن كسر القيد كفرض وجوبي على كل حر، عن إرث الحكايات وإرث القهر، ونقاط التماس بين انكسارات الماضي وفُرجة الأمل السارحة في جدران الظلم، ظلم الإنسان للإنسان وظلمه لذاته على حد سواء. كثيرة هي الرسائل الضمنيّة التي حوتها هذه الرواية رغم عاديّة الحدث والموضوع. مرّة أخرى؛ ينحاز راهب طنطا إلى المرأة المقهورة، ويجرّم الرجل السلطوي النزعة. يطارد رغبته الأزلية في استكشاف البقع المظلمة في الوجدان البشري، خصوصًا لدى البسطاء، سواءً في الريف أو بين شرائح - ما كان يسمى سابقًا – الطبقة المتوسطة. يلتقط بعين خبيرة تكوّن نُطفة الحرية في قلب جيل جاء ليحرّض أجيالًا أدمنت السكوت. يستحضر ظل الموت الثقيل، ويعبئ الدور القديمة بأنفاس الحنين، قبل أن يستخرج خيط النور من ظلمة القبر، ليواصل خلق أسطورته الخاصة، بطريقته الخاصة، في عالمه الخاص.
درس آخر – مجاني – في الكتابة الإبداعيّة، احرصوا على الاستفادة منه، وسارعوا بتكريم هذا المدرس والمُربي الفاضل.
Al Kotob Khan
تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27