التكثيف الروائي لدى إسلام أبو شكير"خفة يد" الكاتب تعكس صورة القارئ على "الزجاج المطحون"!

يكتب إسلام أبو شكير عن الإنسان. قد يسهل على الكثيرين إسقاط رمزيّة نصوصه على الواقع العربيّ الحديث، وربّما السوريّ بشكل خاص نظرًا لجنسيّة الكاتب، بيد أن ما يكتبه إسلام أبو شكير يتّسق بدرجة أكبر مع واقع الإنسان المعاصر. يُعرّي أبو شكير قشرة البشريّة، ينزع عن الإنسان جلده، يجرّده من قسم غير يسير من تاريخه الشخصيّ والمعرفي، قبل أن يطلقه بين أوراقه مثله كمثل آدم؛ مخلوق خلقه للتو، ووضعه تحت الميكروسكوب ليتقصّى سلوكه ويحلّل تصرفاته.
في نصّيه الأخيرين، الصادرين عن دار المتوسّط، زجاج مطحون (103 صفحة – 2016)، وخفّة يد (76 صفحة – 2020)، يقدّم أبو شكير درسًا مجانيًّا في فن التكثيف الروائي، وأعني هنا بالتكثيف القدرة على تحميل النص بشحنة هائلة من الأفكار عبر استخدام لغة مباشرة وبسيطة، ثريّة لكنها دون تعقيد أو استعراض، ثم إخراج هذه النصوص في عدد محدود من الصفحات، لا يشعر القارئ عقب قراءتها بأي نقصان. هذا يشمل البنية السرديّة وتطوّر الشخوص وتبلور الأسئلة المتراكمة في ما وراء الأسطر.
قد يحار القارئ، وحتّى الناقد حيال تصنيف نصوص إسلام أبو شكير، قصة أم رواية؟ قصة قصيرة طويلة أم رواية قصيرة أو نوفيللا؟ نص رمزي، أم هي رواية الإشارة كما يحلو للبعض تسميتها؟ شخصيًّا لا أبالي! أولًا لأنني من غير المتخصّصين في مجال النقد، ثانيًا لكوني من غير المهتمين بتصنيف النصوص الأدبيّة، طالما أدّى النص رسالته، وحقّق لديّ كقارئ درجة المتعة المتوقّعة والمرجوّة.
من هنا تتبلور مهارة "خفة اليد" الروائيّة لدى أبو شكير إن جاز التعبير، فهو -من خلال نصيّه المعنيّين- قادر على سرقة وقت القارئ، واختطاف عقله، وشغل مخيّلته كمتلقّي في مساحة ورقيّة يحلم بها أي ناشر! نحن نتحدّث عن نصّين مُحكمين ممتعين لا يتجاوز عدد صفحاتهما مجتمعين مائتي صفحة!
في رواية زجاج مطحون، يستهل أبو شكير نصّه ببداية مباشرة لا تستهلك الكثير من الأوراق والكلمات، استهلال ربّما يُحيله البعض إلى البدايات الكافكاويّة المفاجئة، لكنّني شخصيًّا لا أميل إلى هذه الإحالات، ولا أؤمن بملكيّة أي كاتب لنسق معيّن من الاستهلال.
من خلال هذا النص المُربك، المحيّر، يضع إسلام أبو شكير بطله/نفسه في مواجهة مع الزمن، إذ تدور أحداث الرواية داخل غرفة تحوي أربع مراحل عمريّة لذات الشخص. نحن أمام أربع نسخ من ذات البطل؛ العشريني والثلاثيني والأربعيني والخمسيني! عبقريّة الرواية تكمن في تشريح المراحل الفكرية التي يمرّ بها الإنسان في مراحل عمره المختلفة وتسليط الضوء على التباين الذي يطرأ على الأفكار والمعتقدات، وكيف يختلف تشكّل العقل بفعل إزميل الزمن. نتعرّف على العشرينيّ كشاعر حالم، كاتب يجيد التعبير عن أفكاره، بينما يبدو الثلاثينيّ أكثر حكمة مع قدرة أقل على التعبير عن الذات، وهكذا الأربعيني فالخمسيني، كلما مضى به/بهم العمر فترت عزيمته/عزيمتهم واتسعت رقعة القبول. مواجهة الشخوص مع أنفسهم هي الطبقة السرديّة الأولى/الظاهرة في هذا النص، في حين يتّسع إطار الحكي العام ليقدّم صورة مُحكمة للخضوع، أو الجنوح البشري الفطري للقبول بالمتاح والرضا بالمسموح، ومن ثمّ؛ تضخيم الفُتات الممنوح طالما ظل بين قوسيّ المسموح، والتنازل عن الضروريات والأساسيّات والحريّات الراضخة تحت ظل الممنوع. نطالع ذلك بينما تدور في طبقة سرديّة أخرى تنساب في خلفيّة المشهد مفردات الحرب وآثارها المتشابهة من حيث الرسوخ في الوجدان البشري.
في زجاج مطحون، وعقب طوفان من الصور الإنسانية، والعبارات القصيرة واللقطات الخاطفة المعبرّة، نتوقف في الخاتمة أمام صورة الرماد، رماد العمر، رماد الأحلام، رماد الشباب، رماد الدموع المسكوبة على الأمل المهدور. الزجاج المطحون يرمز إلى هشاشة الإنسان، أيّ أنسان، وكل إنسان، ليس بالضرورة أن يكون الإنسان عربيًّا حتّى يتساوى طرفي المعادلة، بل أدّعي أن زجاج مطحون هي مرثيّة للإنسان في العموم، يُمكن إسقاطها على الشعوب المقهورة بمنتهى الأريحية، ولكن، دون أن تتحدّد رمزيّتها بأُطر القهر السياسي. عقب قراءة هذا النص، شعرت كمن يقف على شاهد قبره، ليحاسب طيف روحه الحائرة حيال تحديد مسارات البداية وصولاً إلى النهاية؛ حيث يتحول الجسد إلى رماد، أو زجاج مطحون.
وفي خفة يد؛ لم يبتعد أبو شكير كثيرًا عن عوالمه التي ابتكرها في زجاج مطحون، وأنا أقصد بكلماتي هذه روح النص ورمزيّته، رغم اختلاف التكنيك والبنيان القصصي/الروائي في هذا النص عن سابقه. لكن؛ لو ادّعى الكاتب أن بطل رواية خفّة يد، هو ذاته بطل زجاج مطحون، في مرحلة عمريّة تتوافق أكثر مع الخمسيني، لما اختلّت لديّ متعة التلقّي، ولما اختلطت عليّ الأمور.
نحن هنا أمام شخص يبدو للوهلة الأولى كهارب من الزمن، شخص يحاول الانسلاخ عن ماضيه الشخصي لسبب سوف يتضح تدريجيًّا -وإن حرص الكاتب على إحاطته طوال الوقت بهالات من ضباب- بينما واقع الأمر أن الزمن هو ما يتسرّب من مسامّه. هنا لا ينشغل أبو شكير بتوضيح السبب بقدر ما يركز على النتيجة ويبرز الأثر، الأمر الذي أعده أحد أهم نقاط القوة في هذا النص.
مرة أخرى تبتدئ الرواية ويتكئ استهلالها على لحظة الاستيقاظ. رمزيّة تستحق الكثير من التناول والتأويل بطبيعة الحال، فالحكاية عند أبو شكير تبدأ دائمًا من حيث تنتهي الغفوة، لحظة صحوة افتراضية سرعان ما تبرهن المجريات كذبها. أبطال إسلام أبو شكير لا يستيقظون في واقع الأمر، على العكس، أراهم يرضخون أسفل أطنان من الغربة والحيرة والشتات، يثقل كواهلهم إرث الزمن الذي لا يعرفون كيفيّة التخلص منه. اللمحة العبقريّة في خفة يد تتمحور حول حقيبة؛ مجرد حقيبة ترمز إلى مقتنيات العمر، قصاصات وصور وحيوات كاملة تأبى أن تمّحي من ذهن البطل، يُنكرها وتتمسك هي به كما الرضيع الرافض للفطام. يجاهد بطل خفة يد بغية التحرّر من ماضيه، تتسع الشروخ في ذاكرته الانتقائيّة العنيدة فتصرّ على إسقاط الكثير من الأسماء والوجوه والمواقف والتاريخ الشخصي، ولكنه يسقط في حيرة بين الذاكرة المترنحة على شفا الضياع، وقلبه المستمسك بأواصر علاقات تأبى أن تسقط من شغاف القلب. صورة امرأة، واسم امرأة، يتحدان ليشكلا حبلا سرّيًا يحول دون السقوط. وبطلنا حائر في مدن السراب، ينتحي وجدانه تارة نحو القلب، فيحاول استدعاء تفاصيل الأجنة المعلقة في رحم الزمن، أن يعيد تشييد الروابط، أن يثبت الصور الآخذة في التذبذب والاهتزاز، ثم سرعان ما يُحيده عقله عن الواقع مُصمّمًا على إلباسه ثوب الحيرة والشك حيال مقتنيات العمر القابعة في حقيبته.
"آثار ما بعد الصدمة"، هكذا يُشخّص الطبيب حالة البطل الرافض للواقع، يترك أبو شكير الباب مُشرعًا أمام القارئ ليُحدّد مُسبّبات الصدمة؛ أهي فترة الاعتقال القصيرة التي أمضاها البطل في أحد السجون العربية، وما أكثرها؟ أم هي تبعيّات فقدان الأحبّة؟ أم هي الغربة بكل آثارها الجانبية الخبيثة التي تتراكم كجبل الثلج قبل أن تُسقط المرء وحيدًا أسفل ثقلها وصقيعها؟
كل هذا يأتي في هذا العدد المحدود من الصفحات!
القراءة لإسلام أبو شكير عمل ممتع لا يخلو من الإرهاق، فهذه القراءة التي تبتدئ بلحظات ما بعد الغفوة، تستلزم درجة عالية من يقظة القارئ، حتى يقدر على الاقتراب من الألغام المزروعة في ما وراء العبارات المباشرة في ظاهرها، أن يرتب الصور المتوارية بين السطور، أن يعيد رسم الوجوه، والمسارات، أن يشارك في استجواب الأبطال والشهود، قبل أن يقف إلى جوارهم، ليُخضع نفسه لذات الاستجواب.
متعة الانخراط في هذا العرض السحري هي الأثر الذي تخلّفه قراءة نصوص أبو شكير، لذلك أدعوكم جميعًا إلى مسرحه المفتوح، هنالك حيث يُخرج القضبان من قبعة الحُر، ويرد الذراع المبتور إلى الجندي العائد من حرب لا تخصه، ويعيد الرماد زجاجًا، قبل أن يطحنه بخفة يدٍ تعرف كيف تُشكّل الملامح، بحيث يرى فيها كل من يناظرها؛ انعكاسًا لوجهه!
شكرًا أستاذ إسلام أبو شكير، الكاتب السوري القدير
شكرًا لمنشورات المتوسط على كل ما تقدمه المتوسطAlmutawassit
تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27