محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

بين الإخضاع والخضوغ الطوعي... كلب الفخراني يطارد حمامة زوسكيند...

استمتعت كثيرًا بقراءة رواية "إخضاع الكلب" للروائي المصري القدير أحمد الفخراني الصادرة مؤخرًا عن دار الشروق المصرية، وهي رواية تُضيف إلى الرصيد الإبداعي للكاتب الذي قدّم من قبل أكثر من نصّ ثريّ ومختلف، وحصد عن استحقاق أكثر من جائزة.

كعادتي، سوف أحاول قدر المُستطاع ألّا أُفسد متعة قراءة الرواية على القراء من خلال إماطة اللثام عن كامل تفاصيلها، أو تتبّع مسار الحدث وتأثيره على الشخوص. لذلك سأُحمّل قادم الكلمات بالانطباع والتأويل، دون السقوط في فخ الكشف عن التفاصيل.

مع الصفحات الأولى للرواية، كان تجاهل رواية الحمامة لباتريك زوسكيند عصيًّا، وأنا أعني هنا التشابه لا المحاكاة، إذ أن خلفيّة هارون "إخضاع الكلب" تتماس في أكثر من موضع مع جوناثان "الحمامة". فالتاريخ الشخصي لهما يجمع في صفحاته مفردات واحدة تدور في أفلاك الخذلان والغدر والهروب من الآخر، بكل ما تحمله كلمة "الآخر" من تفاسير. علاوة على ذلك؛ كلاهما يقرر الهرب من مدينته إلى مدينة أخرى كمحاولة للانسلاخ عن الماضي، كلاهما يتحوّل إلى شبح يسعى إلى الاختفاء، إلى التحول إلى طيف لا يلفت أنظار العابرين، ولا يترك وجوده أو تبخّره ثمّة أثر لدى سائر الكائنات...

الحمامة والكلب...

في الروايتين يخترق العزلة الطوعيّة المُختارة للبطل كائن ضعيف، برئ، مسالم، لا يُفترض به أن يخلق بوجوده ذلك الشرخ الذي يسرح تدريجيًّا في جدران العزلة. وإن كان زوسكيند قد جنح إلى تبسيط المؤثّر وإبراز الأثر عبر اختيار الحمامة، فقد اختار الفخراني كائنًا يمتلك القدرة على منح الإنسان نقيضين لا يجتمعان؛ الخوف، والأمان.
بذلك حمّل الفخراني روايته أبعادًا أجد أنها -وإن سارت على قضبان قطار زوسكيند- فإنّها تبشّر ببلوغ محطات أبعد مما انتهت إليه حكاية جوناثان مع "الحمامة".

الانطلاق من محطّة واحدة، ثم استبدال القضبان!

التاريخ الشخصي لهارون وجوناثان الذي سبق أن أشرت إلى نقاط تماسّه، يتفرّع بهارون إلى مصبّات حكي أخرى، على الرغم من انفجار الحكايتين من نبع واحد، وتشابههما كتوأمين لفظهما ذات الرحم في زمانين ومكانين متباينين. يتضح مع تعاقب الفصول أن التوأمين لا يتشابها إلا في اتخاذ القرار العزلة ومُسبّباته، إذ أن هارون يختلف تمامًا عن جوناثان!
هارون عاش النصف الأول من حياتها في محاربب الفن، مصوّر فوتوغرافي ومدرّس للتصوير. هارون لديه عقدة من الكلاب، وخوف دائم من هذا الكائن الذي يتجسّد لديه في المساحة بين الوعي والبصر مسخًا شيطانيًّا لا يقبل الاقتراب من مداراته. في حين قدّم زوسكيند الحمامة كرمز لخرق المألوف وكسر قيد الروتين والاعتياد على التكرار، دون أن يشيّد معمار سرده على مواجهة ظاهريّة مع خوف مترسّخ في الوجدان، تتحور إلى مواجهة للنفس، ثم محاولة ترويضها من خلال كبت الخوف، والتأرج بين الإخضاع والخضوع.
كان الفخراني أشدّ قسوة على بطله هارون!

قدّم الكاتب في روايتنا هذه بطلًا مأزومًا، مصابًا بدرجة ما من الفُصام. في الواقع لا أقدر على تحديد ماهيّة المُسمّى الطبّي لحالة هارون النفسيّة، إلا أن تخبطّه في متاهات الذكريات المشتبكة بالهلاوس، ونظرته العدائيّة تجاه الآخر، والشكوك غير الموضوعيّة، وشعوره أنّه بؤرة أنظار الكافة، الصراع الدائم بين الحاجات الفيسولوجيّة والسيكولوجيّة، ومحاولاته المستميتة للشعور بوجوده من خلال إخضاع الخوف المتجسد في مساحة ضبابيّة بين الواقع والوهم، كل هذه التفاصيل التي نسجها الكاتب باقتدار، تركت لديّ انطباعًا أنّني أقرأ أوراق أحد مرضى بالفصام. هنا يغادر الفخراني قطار زوسكيند، ويمضي في قطاره الخاص.

اعتمد الفخراني تكنيك الراوي الوحيد، غير العليم. فالرواية تأتي على لسان هارون، لذلك فهي محمّلة بكل تفاسيره وشكوكه وأوهامه وتأويلاته لكل شيء. شخصيّة هارون حافظت على هويّتها حتى الفصل الأخير، المونولوجات القصيرة التي تدور في عقله كانت مميّزة وقوية الأثر، خصوصًا وأنّنا نتعرف إلى كل الشخوص من خلال عينيّ هارون؛ طليقته وصديقه سمير الضمراني وابنه وأسما وكلاب الحيّ، نهاية بكلبه الذي فُرض عليه؛ "ونيس" (لاحظ اختيار اسم الكلب).
المدهش هنا هو بناء شخصيّة الكلب! ربّما اعتقدت في البداية أنه المعادل الرمزيّ للحمامة في رواية زوسكيند، وهو أمر صحيح في ظاهره، بيد أن زوسكيند لم يجازف كالفخراني، فلم يمنح الحمامة أيّة أبعاد خلاف رمزيّتها الجليّة، في حين قدّم لنا الفخراني كلبه كشخصيّة من لحم ودم! حتى وإن جاء تحليل تصرفاته ومشاعره على لسان مضطرب كلسان هارون. لا يمكن ألا يتعاطف القارئ من "شخصيّة" ونيس وحكايته، بل ربما يتناسى أن ونيس هو في واقع الأمر: مجرد كلب!

قالب الحكاية مصبوب في دهب كإطار مكاني، والزمن الراهن كقالب زمنيّ، هارون، الهارب من ماضٍ موشوم بالخداع والألم، اللاجئ إلى سراديب التخفّي والغياب في دهب، يتعرّف إلى فتاة حرّة جامحة هي أسما (الصورة الضدّيّة لشخصيّة هارون)، تبرق أسما في سماء هارون المتهدّلة ذات النجوم الذابلة، تومض وتأفل كشهاب عابر، إلا أنها تترك وراءها كلبها ونيس، ليقف هارون في مواجهة أولى مع خوفه القديم من الكلاب، تتحوّر إلى مواجهة للنفس، فمحاولة لإخضاع الذات، وإخضاع الكون لأمره من خلال السيطرة على كلب صغير، حسب ظنّه.

احتفظت الرواية بوتيرتها السرديّة، مضت الأحداث في تصاعد بطيء لا يسبّب الضجر، وراحت الصور المحذوفة من ذاكرة هارون وكاميرته المهملة تكتمل تدريجيّا توازيًا مع تطوّر العلاقة بين هارون وونيس، وخطواته المرتعشة على الخط الرفيع المشدود بين الارتباط والتخلّي، وصولًا إلى ذروة الأحداث بعودة أسما.
هنا فقط، في الفصل الأخير، تركني الكاتب في حيرة من أمري وأمر هارون، الضوء الباهر الذي سلطته عبارات أسما الأخيرة على عينيّ كقارئ شتّتني كثيرًا، دفعني إلى العودة إلى الخلف، ومراجعة بعض الفصول السابقة، بحثًا عن مُبرّر أو مقدّمة تتسق مع هذا الضوء الكاشف الأخير. فعلى الرغم من استيعابي للحالة النفسيّة المتردّية لهارون، والخلل العقلي السارح في طيّات عقله، كنت أعتقد أن تجربته في القاهرة هي ما أفرزت هلاوسه وأودت بعقله إلى الترنح على شفا الجنون، لكن النهاية جاءت لتوحي أن أزمة هارون بدأت في واقع الأمر قبل ذلك بكثير، وهي المفاجأة التي لم أجد لها التفاسير الكافية والإيضاحات المّتمّمة فيما سبق من الفصول، سواء في ما يخصّ الخلفيّة الشخصيّة لهارون، أو تطوّر الأحداث.
ملحوظة، مشهد النهاية جاء عظيمًا رغم ملاحظتي الأخيرة.

في النهاية، رواية أخرى شديدة التميّز للفخراني، لغة ثريّة مُحكمة، مونولوجات متميّزة ومقاطع سرديّة رائعة، جرأة يُحسد عليها الكاتب من حيث اختيار الموضوع والثيمة الرئيسيّة، وتجربة سرديّة تحمل روح التحدّي والتجريب، خرجتُ منها كقارئ بانطباع أكيد؛ مفاده أن الفخراني كان أكثر جرأة من زوسكيند، اقتحم صومعته، وأزاح أوراقه إلى حافة الطاولة، ثم كتب نصًّا جميلًا لا تشوبه المحاكاة، بقدر ما يمكن تصنيفه كتشييد معمار متكامل فوق بناء أثري، دون أن يشوّه أي منهما الآخر.

تحيّة تقدير وامتنان أوجهها إلى الكاتب القدير أحمد الفخراني، ودعوة صريحة واثقة أوجهها إلى كافة القرّاء بالمسارعة إلى قراءة هذه الرواية التي تغوص عميقًا في دواخلنا جميعًا.

تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27

المصدر الأصلي على ووردبريس