راهب طنطا في حالة تجــلّـــي!

مخاوف عادل عصمت ... راهب طنطا في حالة تجــلّـــي!
بداية: هذه الكتابة لا تهدف إلى شيء، اللهم سوى إهالة التراب عن كنوزنا المتوارية في أقاليم مصر، لتعلو أصواتهم بما يجاوز صخب القاهرة، وموالدها الثقافية التي لا تنتهي. قد يقول قائل أن عادل عصمت ليس في حاجة إلى إلقاء الضوء، فهو الفائز بجائزة الدولة التشجيعية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة ساويرس، علاوة على وصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية برواية الوصايا. لكنني هنا لا أقدم عصمت ككاتب مغمور، بل أعرض آخر أعماله، مستخلصًا حقيقة كونه أحد أهم الكتاب المصريين في العقود الأخيرة.
وكما نحتفي بقاهرة نجيب محفوظ، وإسكندرية إبراهيم عبد المجيد، ومحلة المنسي قنديل وجار النبي الحلو، وقرية سعيد الكفراوي وخيري شلبي، وعوالم أصلان وصنع الله إبراهيم، لا يجب أن يفوتنا الاحتفاء بطنطا عادل عصمت، تلك المدينة الهادئة الهاجعة في دلتا مصر، التي تحولت إلى عاصمة الكون ومحور أحداثه بين سطور راهب طنطا وحارسها الأمين.
في أحدث أعماله، يعود عادل عصمت لعالم القصة القصيرة، عبر مجموعة تحوي سبع قصص تدور في أفلاك الموت والحياة.
واللافت للنظر هنا أن أول أعمال عادل عصمت كانت رواية "هاجس موت"، بينما تصدر أحدث نصوصه الأدبية تحت عنوان "مخاوف نهاية العمر"!
• قصة الفجر
المقهورون يتمنون غياب الفجر، لأنه يذكرهم بقطار العمر وقد مضى في مضماره من دونهم، الزمان ثابت إذا ما استمر الظلام، لكن النهار يعلن عن استمراريته، وهكذا يقرر عم نسيم أن أسوأ فترات السجن في مرحلة اعتقاله، كانت لحظة طلوع الفجر. بعد إطلاق سراحه، يقنع عم نسيم بالعيش على ضفة الحياة، على الهوامش الممنوحة للمواطنين العاديين، حيث تتاح لنا حرية الحركة بين المنزل والمقاهي والأرصفة، والكلام عن كرة القدم وحوادث التحرش والاغتصاب، لكن عم نسيم يظل يروي حكايته، تستمر حياته بالحكي، وحين يواجه بنفور المستمع من تكرار الحكايات، وضيقه من التودد، ينسحب، يتوقف عن الحكي، فيموت!
أعتقد أن عم نسيم كان يشعر مع إطلالة الفجر من خلف القضبان بكل طعوم الألم والوحشة، لكنه حين غادر قضبانه، لم يجد الفجر الذي تصوره، ولم يجد الرفيق الذي يمرر في رفقته الأيام عبر نوبات الحكي.
(انعدام القدرة على الحكي هي هاجس الموت الأول)
• لن أتذكرك أبدًا
الراوي هنا مسكون بذكريات الراحلين، نميز في السطور الأولى علاقة شديدة الخصوصية مع صديقه الراحل. رحيل الصديق يدفعه إلى استعادة ذكريات الفراق والرحيل، إلا أن قصة واحدة تظل عصية على النسيان، قصة الحبيبة التي فارقته، بعدما صفعته بعبارة هي عنوان القصة ومحركها "لن أتذكرك أبدًا". الراوي هنا يفشل في مراكمة أحداث الحاضر فوق عتبات الماضي، وذكرى علياء حاضرة لا يفلح في مواراة أثرها، والسؤال الذي يتردد في عقله يتمحور حول الحرص على الرسوخ في ذاكرة الأحباب، الحرص على التواجد حتى عقب الغياب، هو سؤال حول السعي إلى الخلود ولو عبر ذكرى لا تغيب عن أذهان الأحياء.
(الخوف من النسيان هو هاجس الموت الثاني)
• زينب فخر الدين
لا أعرف هل لاحظ القارئ استدعاء شخصيات من رواية "الوصايا" في هذه القصة؟ أشعر أن قصة زينب وردت في رواية الوصايا، رجعت إلى الرواية، لكنني لم أعثر عليها! لكن في هذه القصة؛ يرد ذكر الشيخ عبد الرحمن سليم صاحب الوصايا، وتحضر الست خديجة زوجته لتمنح جثمان زينب راحة الخلاص.
الحكاية المتكررة في الأوساط الشعبية المصرية، سواء في الريف أو المدن الصغيرة، الأساطير التي تزاحم المنطق وتفرض سطوتها على العقول، القسوة التي تسيج المرأة والخطيئة التي تعني فناءها وتحولها إلى حفنة من عدم. للحكاية أكثر من وجه، الحكاية الرسمية المعلنة، تفيد أن البنت قد أصابها مس من الجن عبر القط الأسود، أفقدها عقلها فألقت نفسها في النهر، والحكاية الخفية توحي أن للعشق دور رئيسي فيما جرى، فيما تأتي الحكاية الأخيرة حاملة الحقيقة، فزينب فخر الدين قد قررت طواعية أن تهب نفسها للنهر، عروس نيل وقعت في زلل العشق، واختلطت في أوج غرامها حدود المحسوس بالملموس، فسالت بقعة الدم، لتغير من صفتها من فتاة حالمة، إلى شيطانة ممسوسة مغمسة بالدنس والخطيئة. الأسرة ترفض دفنها عبر إنكارها، تظل جثتها بلا قبر، حتى تعود الست خديجة لتمنح الفتاة قبرًا يضم رفاتها، ويواري عارها.
وفي تراث القرى والمدن المصرية آلاف من شبيهات زينب، أولئك المختفيات، والغارقات الطافيات على أوجه الترع والمصارف، وأولئك اللاتي يمتن بغتة دون علة في أوج شبابهن، كلهن عرائس نيل دفعن ثمن زلة قدم واحدة، خطيئة واحدة كسرت حدود الأعراف والمقدسات وقفزت فوق المألوف والمسموح، لتمنح صاحبتها صك الوفاة! الأنثى الشرقية مكبلة بكل الأعراف، مُطارَدة أبدية في أغلب العقول الذكورية، خطأ واحدة قد يكرره الرجل ألف مرة، كفيل بإنهاء حياة فتاة لو أتت به مرة واحدة!
(الخروج عن المألوف هو هاجس الموت الثالث)
"تعليق عابر: مشهد انتحار تشارليز ثيرون في فيلم Devil’s advocate، أو محامي الشيطان، أثر بوضوح على مخيلة الكاتب في القصتين الأخيرتين (زينب فخر الدين، ولن أتذكرك أبدًا) الفيلم من انتاج 1997 ومن بطولة آل باتشينو وكيانو ريفز وتشارليز ثيرون، وللعلم: فقد تم رفعه من دور العرض في مصر بعد أسبوع من عرضه!"
• الوطن
الراوي هنا نطفة شتلت في أرض غريبة، ونشأت في مناخ مغاير لفطرتها، أب خليجي وأم مصرية، تبتدئ الحكاية بالراوي وهو ينهي إجراءات حصوله على جنسية الأب، ليغادر مصر، أو هكذا ظن أن لديه القدرة على مغادرتها.
في حقائب ذاكرته، يستقر صوت الأم، ووجها في لحظاتها الأخيرة قبيل وفاتها إثر مرض سرطان الثدي، الأم هي حاضنة الهوية، حين يبتر الأطباء ثديها أملاً في شفاء لن يتحقق، توصيه الأم بدفنه، يسير الراوي حاملًا ثدي أمه الذي منحه معصور الحياة، كان له الملجأ والوسادة والملاذ لسنوات طويلة، يحمله إلى المعمل فيعرف أن مصيره الحرق، وهكذا تموت أمه فتدفن دون الثدي المبتور، لتواظب على زيارته في الحلم سائلة عن القطعة المنقوصة من جسدها، معاتبة إياه على عدم تنفيذ وصيتها.
الأم والثدي المبتور، هو انعكاس صريح لأزمة هوية الراوي، فهو منقوص الهوية، لا يقدر على زيارة قبر أمه، في كل مرة يعود فيها إلى مصر، يتردد ويؤجل ويسوف، يعرف أنه مثلها منقوص، يستدعي ميراث الحكايات الذي لا يسقطه عادل عصمت من ذاكرته، فالجد يفني عمره بحثا عن أصل حجازي شريف، فيما الراوي/الحفيد يبتر جذوره منكرًا أصله، وفي هذا التضاد يتضح المعنى، الراوي سيظل جسدًا منقوص الهوية، كما ظل جسد أمه ناقصًا لا يكتمل في رقاده. الوطن هو ذلك الثدي الي بُتر فأحرق، وبدونه لن يعرف الراوي إلى قبره مستقرًا. ولن يقدر على التعايش على الفطام من هويته الأولى، على العكس من ذلك، يظل غريبًا مهجوسًا لا يستوعب أحد حجم الألم في دواخله.
(فقدان الهوية هو هاجس الموت الرابع)
• رياح الخماسين
يتمرد محمود على العمل في ورشة أبيه، يقرر أن يحلق مبكرًا، متمردًا على الواقع المفروض كما يفكر كل أبطال عادل عصمت، يسافر إلى العراق ويعيش حياة رغدة ينغمس في ملذاتها وحريتها حتى يبدو كأنه استبعد فكرة العودة، إلا أن جيوش أميركا تدخل إلى العراق فينهار كل شيء، ويعود إلى حياة عادية رتيبة، يقاوم مد الحاضر باستحضار الزمن فوق لسانه طيلة الوقت، ويجد نفسه في الخمسين من عمره شخصًا عاديًا، عاد وتزوج وكون أسرة تقليدية، مجرد نموذج نمطي مكرر لآلاف الرجال المنخرطين في حياة ظن أنه أفلح يومًا في الفكاك منها. ومع تقدم العمر، وغياب الانتصارات الحياتية، وبداية الأفول الجنسي لديه، يتعرف على حبوب الفياجرا، ويشعر بخجل من ظهورها أمام زوجته، فيحتفظ بها في عشة الفراخ التي صنعها فوق السطح كمحاولة لأن يثبت لنفسه أنه مازال قادرًا على الفعل، وتمضي به الأيام، يتندر مع رفيقه حول مسمى البطرمان والبرطمان، هو يقولها كما تعودت جدته أن تقول (الجدات حاضرات على الدوام في عوالم عادل عصمت)، حتى تأتي رياح الخماسين لتسقط كنزه الدفين من مكمنه الآمن في العشة، تتناثر الحبات الزرقاء بين الديكة والدجاج، فيقف أمام المشهد مأخوذًا، مبهوتًا، كأنه يراقب سنوات عمره الضائع، وانتصاراته الزائفة، ويتفحص لأول مرة معالم هزيمته الكبرى.
(بوار الجسد هو هاجس الموت الخامس)
• حديث مريم
مرتكزًا على حوادث تكررت عدة مرات في التسعينيات وبدايات هذا القرن، يلتقط عادل عصمت حكاية شاب مصري يسافر إلى غزة، ويلتحق بواحدة من جماعات الجهاد الإسلامي، ليفجر نفسه فيما بعد في رتل عسكري إسرائيلي.
الخبر حتى هذه اللحظة معاد ومفهوم ويسهل التنبؤ بدوافعه وخلفية فاعله، لكن القضية هنا أن هذا الشاب لا ينتمي إلى أي فكر ديني متشدد، ولم يتم تجنيده عبر الجماعات السرية التي تنشط في الخفاء وتستقطب فقراء الحال والفكر والخيال، هو شاب مصري يفترض به أن ينشغل في نسج حكايات الغرام، ورسم درجات الصعود والترقي ولو بالطبشور على التراب وبقايا الأسفلت، لكنه يقرر عوضًا عن ذلك أن ينهي حياته طواعية دون أي وصاية أو إملاء من أحد!
إبراهيم عيد عرفات، هذا هو اسمه، وللاسم -حتمًا- دلالة!
فهو يحوي إشارة واضحة إلى إبراهيم وإسماعيل وحكاية الذبح على جبل عرفات. وبالعودة إلى استهلال القصة التي تستلهم عبارة من عالم نجيب محفوظ، نتفهم أن إبراهيم لم يجد لحياته معنى، فقرر أن يجعل لموته معنى! هي حكاية حقيقية عن معنى الحياة ومحاولة منحها قيمة ولو من خلال الموت، مما يلقي بالضوء على تردي الظروف المعيشية والأوضاع الحياتية. الحكاية تدور في الماضي، لكنها تتسع لتشمل الحاضر، وربما المستقبل.
وفي مسار موازٍ، لا يفوت على كاتبنا، الذي قرر أن يكتفي بدور المستمع إلى مريم، الصحفية التي تزور أسرة إبراهيم لتكتب تحقيقًا صحفيًا عن الحادثة، أن يضع بعض علامات الاستفهام فوق عناوين الجرائد، متسائلًا عن الحد الفاصل بين الخبر الصحفي، والمتاجرة بآلام البشر.
(فقدان الرغبة وضبابية الغاية، هما هاجس الموت السادس)
• مخاوف نهاية العمر
يعيد الكاتب رسم مشهد هام من رواية صوت الغراب، يستخدم جغرافيا المكان، ويدير الكاميرا لتستقر في بيت مواجه للمركز الطبي الذي أطلق منه بطل صوت الغراب صرخته الأولى. قبل أن تتوالى الصرخات ويشرع في تقليده الشباب التائه الفاقد للقدرة على تحديد المسار. نشاهد تبعيات هذه الصرخة على السيدة العجوز، وتأويلاتها لها، ووقوفها على شفا الجنون وقد باتت تتحير في مدى حقيقية الصوت أم كونه نتح خيال عجوز وحيدة، يغيب ولدها العازب الأربعيني أغلب ساعات اليوم. المرأة العجوز تؤمن أن الجميع ينتظر موتها حتى يتم بيع البيت وتوزيع الإرث، فيما هي تتشبث بماضٍ تأبي أن يغادرها، حد أن تتراجع عن البيع في أحد المرات عقب وصول المشتري بالفعل! يدوي صوت الغراب، فتسقط المرأة في دوامة من الهلاوس السمعية، تُخيّل لها نفسها عشرات الأصوات لمتسللين وغربان وديكة، وعشرات الأفكار حول سعي الكافة للتخلص منها ولو عبر دس السم في طعامها. سيقف القارئ حائرًا أمام هذه المرأة، فهو يتعاطف معها لوحدتها وهلعها المضطرد، لكنه يعود ويمسي قادرًا على استيعاب رغبة الأبناء والأقرباء في بيع البيت الذي تعطل هي بيعه بصفتها أحد الورثة.
تنتهي الحكاية بتشبث المرأة العجوز برأيها، لن أبيع البيت، هكذا تقرر أن تحتفظ بالماضي، حتى ولو كان الثمن هو عقلها الآخذ في التداعي.
(الشك وفقدان الأمان هو هاجس الموت السابع)
باقة متكاملة من المتعة، طاقة إبداعية متفجرة، ومبدع كبير، يعمل في صمت... مثله كمثل راهب اعتزل مجالس الصخب واعتكف بين أوراقه!
لا تفوّتوا ما يكتبه عادل عصمت، ولا تمروا بين صفحاته دون تركيز وتدقيق وتأمل، استمعوا إلى مخاوفه وهمومه اليوم، فهي مخاوفكم وهمومكم في الغد القريب...
شكرًا عادل عصمت، والكتب خان 
تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27