محمد جمال يطير... عندما نُعيد تدوير خيبة الأمل لتمنحنا جناحين، فلا يمنحنا الطيران سوى خيبة الأمل!

لعل قصة الكاتب محمد جمال معروفة لدى المهتمين بالشأن الثقافي المصري، وهي الحكاية التي شاءت الأقدار أن تكون عنوان روايته الأولى "كتاب خيبة الأمل". عانى جمال كثيرًا لينشر نصه الأول الفائز بجائزة أخبار الأدب، ولكن معاناته كانت طبيعية ومنطقية، لا لضعف أو قصور يشوب كتابته، فهو كاتب موهوب ومجتهد بشهادة الجميع وأولهم كاتب هذه السطور، ولكن؛ لكي تنشر نصًّا في مصر، لابد أن تكون لديك دائرة معارف قوية، أو عدد متابعين هائل على وسائل التواصل، أو أن يصادفك الحظ فيقع نصك بين يدي شخص (مثقف) محايد، وناشر لا يلتفت إلى المعايير التجارية قبل الأدبية، وهو احتمال قائم وإن كان نادر الحدوث. الواقع أن نسبة حدوثه تقارب احتمال مشاهدتك للحظة سقوط نيزك من نافذة غرفة نومك! المهم؛ تجاوز محمد جمال خيبة أمله الأولى، وتصادف أن وجد ناشرًا يؤمن بنصه. شاهد جمال النيزك نادر الظهور في سماء المحروسة، فقرر أن يطير، وأن يطارده، فكانت هذه الرواية!"طيران".
هذا هو عنوان رواية جمال الصادرة مؤخرًا عن دار المحروسة في القاهرة. العنوان اللافت، والغلاف الرائع، واسم الكاتب والناشر على حد سواء، كانت هي العوامل التي دفعتني إلى شراء الرواية فور صدورها. يضاف إلى ذلك عامل الفضول. كنت مهتمًا للغاية بمتابعة كتابة محمد جمال، والتعرف على ما سيفرزه قلمه بعد خيبة الأمل. كانت لديّ توقعات مسبقة، لم يخيّبها الكاتب.الإسكندرية هي مسرح الأحداث، والحكاية تمزج -في ظاهرها- بين الفانتازيا والدستوبيا، ولكنها شديدة التماس مع الواقع رغم كل ما حفلت به -نظريًّا- من شطحات وشطط وجنون ساخر. وبرغم الاعتقاد السائد بأن الدستوبيا تعادل رؤية سوداوية للمستقبل، فقد أعاد جمال عقارب الساعة ليقدم لنا دستوبيا تدور أحداثها في ماضٍ قريب (ربما كان ذلك بغية مراوغة مقص الرقيب الذي كان لينسف النص إذا دارت أحداثه بعد ٢٠١١، وربما لا ). المهم هو أننا أمام نوعية من الأدب قد تندرج تحت مسميات مختلفة ذكرتها في السطور السابقة.
لذلك لن أنشغل كثيرًا بتصنيف النص، لأننا أمام رواية تخترق صناديق الكتابة الآمنة، وتغرد خارج السرب الملتزم بميثاق المسموح.دون مقدمات، يكتسب أهل الإسكندرية القدرة على الطيران. هكذا تفصح لنا سطور الرواية الأولى عن لب الحكاية، بهذه البساطة المغلفة بمتعة إطلاق سراح الخيال المقيد بواقع خانق ومنطق مكبل بقوانين موروثة، سيسأل القارئ نفسه؛ ماذا لو؟ يحلق بنا الكاتب على جناحي الفكرة، فيقدم لنا عدة أنماط ونماذج لشخوص كانوا أول من عرفوا الطيران، والطيران هنا ليس حكرًا على أبطال مارفيل الخارقين. على العكس؛ نحن لا نتحدث عن سوبرمان وآيرون مان وبات مان. الطيران هنا هبة سماوية تمنح لكل من ولد في الإسكندرية. الكل هنا أبطال خارقون، ولكن؛ عندما يصبح الطيران أمرًا شائعًا، يفقد أسطوريته، وتتكسر سطوته، فيجبرنا الكاتب على متابعة الحكاية بعدما أقنعنا بعادية فعل الطيران. وهو ما أعده أول عناصر نجاح الرواية وأهم دلائل جودتها: تجريد الفعل الخارق من قدرته على تحقيق الدهشة، وتعرية الأسطورة، ثم الهبوط بها إلى الدرك الأسفل من الواقعية المادية.قسّم جمال روايته إلى أربعة أقسام، أول أيام التحليق، فطيران محدود، ثم حظر طيران، وصولًا إلى قسم القفص.ولأنني لا أود أن أستعرض تفاصيل الرواية بصورة قد تؤدي إلى حرق أحداثها وإفساد متعة قراءتها لمن لم يقرأها بعد، سأكتفي بعرض ثلاثة أمور استوقفتني:
1. رسم الشخوص كان شديد الإتقان.
على الرغم من كثرة الأسماء والحكايات في القسمين الأول والثاني، الأمر الذي صعب (ربما) مهمة القارئ في إيجاد الروابط بين هذا وذاك، فقد جاء القسمين الثالث والرابع ليغلقا كل الحلقات المفتوحة. اختيار الأنماط كان رائعًا وثريًّا في تنوعه، قدم جمال عدة نماذج حقيقية لا يمكن أن تخلو حياة القارئ من بعضها. أجاد الكاتب استحضار أغلب طبقات المجتمع، وبرع في خلق الروابط وإن جاء الربط متأخرًا بعض الشيء فيما يخص بعض الشخصيات، ولكن الحلقات مترابطة وقوية في النهاية. لا يمكن ألا أتوقف أيضًا أمام حضور خفة الظل في هذا النص، استحضر الكاتب ابتسامة القارئ في غير ذي موضع دون أن يسقط في فخ الكتابة الهزلية، تمامًا كما أجاد تحويل الخارق إلى عادي، والنادر إلى مألوف.
2. نحن هنا نتحدث عن الثورة، قل الثورات إن شئت فالأمر سيان. محمد جمال ينتمي إلى هذا الجيل الذي آمن بقدرته على التحليق، حلق الشباب في الميادين (أول أيام التحليق - القسم الأول)، ثم عادوا تدريجيًّا إلى حظيرة الدولة حين قبلوا بالتأقلم مع (طيران محدود - القسم الثاني)، قبل أن تفزعهم حكايات عباس ابن فرناس وإيكاروس التي روجت لها أبواق الدولة الرسمية ومنابرها الدينية على حد سواء، الطيران غير آمن، الطيران حرام، الطيران شر من فعل الشيطان، الطيران يهدد الأمن القومي للبلاد. هكذا قبل الشباب الذي آمن بالتحليق فوق ميادين الثورة بقانون (حظر الطيران - القسم الثالث)، نزعوا أجنحتهم طواعية، مزقوها فأدموا الحلم الأول، وتآمرت عليهم الأجيال التي لم تعرف الطيران ولم تقدر على مواكبته، ولا مواكبتهم، تلك الأجيال التي لم تعرف عن الميادين سوى صور مظاهرات التنحي وفيلم العتبة الخضراء. يصبح الطيران مسموحًا به لفئات دون غيرها، ويعاقب كل من يجرؤ على استعادة الحلم المسلوب ولو من خلال نوبات طيران ليلية يسرقها من الزمن وطيور الظلام، بالاحتجاز والإهانة، قبل أن يرسل إلى (القفص - القسم الرابع والأخير). لاحظ هنا عزيزي القارئ ظهور طائفة دينية تدعو إلى دين جديد يعبد طائر النورس، رمز السلام، تحتكر فكرة الطيران وتكلف نفسها بحمايته وكأنها قادت الأمر منذ بدايته.
3. الأمر السلبي الوحيد في هذه الرواية كان الحوار العامي الحافل بالسباب والألفاظ النابية. أعرف أن اللغة ومفرداتها تتسق مع الشخوص وخلفياتها، ولكنني أؤمن أن الرسالة ذاتها كانت لتصل إلى القارئ، بذات القدر من الجودة والوضوح، والقدرة على الإمتاع، إذا راوغ جمال بعض الألفاظ، واستبدلها بكلمات بديلة تصل بذات السلاسة بين القارئ والمعنى المقصود.في هذه الرواية الممتعة، يصور لنا محمد جمال شعبًا يتنازل بكامل إرادته عن حق الطيران، فيقدم حريته قربانًا لآلهة تعتقل النوارس وتقدس الغربان حتى تمنحه الأمان. أما من يجرؤ على الحلم، أو من يتجرأ على كسر الحاجز الخفي بين التمني والفعل، فمآله الاتهام الثابت بالخيانة، والوشاية من أقرب الأقربين.
تحية إلى الكاتب الشاب محمد جمال الذي تخلص من خيبة الأمل الكتابية الأولى، فطار إلى باريس، وإن كنت لا أعرف حيثيات سفره إلى مدينة النور فإنني أشجعه على مواصلة الطيران أيًا كان ما يفعله. أما كتابته عن الطيران، فهي إعادة تدوير لخيبة أمل اتسعت رقعتها حتى أضحت كافية لأن تنسدل على رؤوس أمه كاملة. كتب محمد جمال عن ثورات المصريين ونتائجها، كمعادل موضوعي لخيبة الأمل.في النهاية؛ منحنا جمال جناحين في أول الصفحات، ثم حرّم علينا التحليق في النهاية، ولكنه لم ينس أن يترك كوّة مفتوحة في سقف القفص، فهل بيننا من يجرؤ على التحليق؟تحية واجبة للناشر، ومصمم الغلاف، وللأصدقاء الذي اختصهم الكاتب بالشكر في آخر الصفحات.
نص مهم وممتع، يستحق المزيد من القراءة ومساحات العرض. والتناول النقدي بكل تأكيد.برافو يا محمد ⚘

#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2021-07-27