ثوب حداد سليم بطي...في التطهّر من أثر الماضي عبر القصّ...والاختيار بين قبول الحاضر، والتكوّر في رحم الذكرى...

للأسف، هذه قراءتي الأولى للكاتب والناقد الأكاديمي اللبناني سليم بطّي. فعلى الرغم من صداقتنا الممتدة منذ قرابة ثلاث سنوات، وتزاملنا في عدة أندية للقراءة، وحرصي على اقتناء رواياته قبل توطّد صداقتنا، منجذبًا إلى نصوصه لما وجدته من ثراء لغوي متدفق في ما كان سليم ينشره من اقتباسات. برغم كل هذا، لم أقرأ لسليم سوى خلال الأيام القليلة الماضية، وقد استهللتُ قراءتي لأعماله بآخرها، ثوب حداد ملوّن، الصادرة عن دار نوفل /هاشيت أنطوان سنة ٢٠٢٠...
قالب الحكاية الأساسي يتمحور حول سؤال محدد، هذا النص يستفسر بصوت مبحوح عن قدرة الإنسان على التعامل مع متتالية الفقد في لبنان الرازخ تحت وطأة حرب أهلية لم يجمع بين أطرافها سوى سعار الدم والبارود. وعلى الرغم من وسم الكاتب الضمني لروايته هذه بأنها ثالث أجزاء ثلاثيّة روائيّة بدأها بروايته الأولى "لن أغادر منزلي"، ثم أتبعها برواية "فونوغراف"، إلا أنه صدق حين قطع أن الروايات الثلاث يمكن قراءة كل منها على حدة، رغم تشابك الأحداث والشخوص ووحدة الذكرى المرتبطة ارتباطًا سُرّيًّا بالمكان.
ويبقى السؤال معلقًا، ما هي حدود القدرة البشريّة على تعاطي مفردات الفقد؟ وهل يمكن للزمن أن يرتق ثوب الحداد الذي تمزق بين القبور، أو أن يزيل الندوب التي استوطنت الروح وشوّهت حواضرنا؟ هل ننال بانسحابنا نجاة مؤقتة، وهل تتحقق هجرة الجسد إذا ظلت الأرواح متكوّرة كما الأجنّة في رحم الحكاية الأولى؟
عقب استهلال مشهدي بارع يلخص به الكاتب أنماط الضحايا في أربعة طيوف عابرة، طفل يبيع العلكة، عجوز يبيع الحظ، لاجئ لفظته حربه إلى وطن أنهكته الحروب، وامرأة تيبّست أحلامها وتخشّبت في فراش الذكرى. عقب هذه المشاهد المتعاقبة، يرتدّ بنا زمن الحكاية إلى الوراء، متتبعًا جذور الأشجار التي أثمرت كل هذا الحزن، كل هذا الشتات، وكل هذا الضياع.
جيوفاني هو بطل حكايتنا، نعرف أن اسمه ذُكر في رواية سابقة للكاتب، أو أنه مرّ في أحد فصولها تاركًا أثرًا ما، لكن هذا لا ينتقص من حكايته، ولا يُضعف بنيانها.
طفلٌ لبناني مسيحي، تقرر السماء أن يتعلم حروف الفقد قبل أن يتقن بقية الحروف الأبجدية، يفقد أبيه قبل أن يعي ماهية الموت، ويعاني بغية استيعاب قسوة أمه التي استفحلت تزامنًا مع رحيل الأب. يعاني جيوفاني حالة انكار لموت الأب، يظل يراوغ اللفظ ويتحاشاه كأنه بذلك يبطل مفعوله، ويلغي آثاره، ويواصل الطقوس ذاتها بعد ذبح أمه.
لكن جيوفاني، في واقع الأمر، كان يوغل في رفض الحاضر لحساب الاحتفاظ بالماضي، الماضي الذي يخبئ في طياته أب وأم وأخ وأخت ومنزل وشجرة، ولفافة موز!
يُبرز سليم دور الأب الأصيل كمظلة تقي من القيظ والمطر، وكشمعة تحترق في خشوع طالما وفر احتراقها الأمان لمن تحب، وكحاضن أصيل للهوية. استفاض سليم كثيرًا في مديح هذا الأب الذي جمع في عاطفته مسؤولية الأب وتحنان الأم، وأبكاني وهو يصف هامشية رحيله في عيون الآخرين - ص ٨٤. لكن سليم لم يظلم الأم وإن وضع قوسين حول خيزرانتها التي ألهبت ظهورهم. كان سليم يصف الأم بصفات تتسق مع عقل الطفل جيوفاني، وهذه براعة تحسب له، فهذه النظرة الناقمة تجاه الأم الثكلى سوف تتغير عندما يبعد الراحل عن المرتحل. وهذه النبرة الغاضبة، سوف تتبدل فيما بعد، وقتما يدرك جيوفاني كيف أن هذه الأم صبرت واحتسبت وأبت وقاومت، كيف صانت عرضها وجنبتهم مذلة السؤال طيلة حياتها. ومع ضياع الأب، فالأم، تنسحق الهوية وتمّحي.
مع تكرار الخسارات، واضطرار جيوفاني لعقد هدنة مع سماء لم تتوقف عن إمطاره بوابل من نذالة الأقربين وغياب الأحبّة، يؤمن الطفل الذي شابت طفولته فبات شابًا تثقله كهولته إنه ملعون، إنه مجرد ميدوسا أخرى تؤذي كل من يقربها ويلامسها، لم يكن جيوفاني يحول الناس إلى حجارة بالمعنى الحرفي، لكن مقصلة القدر كانت تنقض على كل من يقترب منه، هكذا آمن بعدما راح يعدّ أسماء الراحلين على أصابع الطفل الذي لا يكبر في داخله، وكمحاولة فطرية للتأقلم مع هذه اللعنة، بات يحرص على إبعاد كل من يقترب منه، خصوصًا أولئك الذي يهتم لأمرهم، أو من يحبهم.
تبدأ الرواية من الزمن الراهن أو زمن الكتابة الأصلي، في مشهد يعاين فيه الراوي الخسائر، الظاهر منها والمطموس في أدمغة المفجوعين، ثم تستعرض الرواية في ألبومها المكتوب عشرات المشاهد من ثلاثة عقود ونيف هي زمن الخراب. يوكل سليم بطي مهمة السرد الرئيسية إلى جيوفاني، وهو راو شريك في الحكاية، ثم يلجأ قرب الخاتمة إلى إقحام صوت كارلا، طيف الحلم الراحل عن سماوات الشاب جيوفاني، مع إسناد محدود للراوي العليم في الفصول الأخيرة.
عنوان الرواية جاذب ومُعبّر، يحمل من التضاد ما يصوّر المسافة بين أحلام الطفل (جيوفاني وغيره) وواقعه المؤطر بالبارود. الحداد هو الواقع، والألوان لم تبرح قبورها في أوراق الطفل جيوفاني. المزج بين الحداد والألوان يعكس الصدمة التي شوّهت معالم الحياة في عيون أجيال عبّر عنها سليم من خلال نفسه في روايتيه السابقتين، ومن خلال جيوفاني هنا. الغلاف كذلك جاء متّسقًا مع ذات الفكرة، مراكب ورقيّة ملوّنة تصوّر أحلام الطفولة، تجلدها السماء بسياط المطر، تاركة انطباعًا مؤكدًا بأن هذه المراكب/الأحلام مآلها التمزق والغرق.
كثيرة هي الروايات التي تناولت آثار الحروب العربية، الحرب الأهلية في لبنان، حروب ما بعد الربيع العربي في سوريا واليمن وليبيا، والخروب التي لم تتوقف في العراق، وواقع الأمر أن الأدب العربي الحديث برع كثيرًا في رصد نتائج هذه الحروب، والتشوهات التي خلّفتها في الشخصية العربية، والصدوع التي باتت تسرح جليّة في الغد العربي، منبثقة من بؤر الماضي المخضّب بالدم والبارود والجهل والغدر، فما الجديد الذي قد يقدمه سليم بطي في هذا الصدد؟
يروي سليم كأنه شاهد عيان، مساحة الألم وصدق التعابير تجبر القارئ على الوصل بين الكاتب والمكتوب، كتابة تقطر ألمًا، وحروف تنزف حبرها عقب مخاض عسير تكاد صراخاته تُسمع في عقل الكاتب. ثم يأتي عنصر اللغة، ولنا هنا وقفة ضروريّة....
طالما قلتُ، واتفق معي كثيرون إن "اللغة معطف الرواية". فمهما كانت الحكاية متفرّدة، ومهما حوت وطرحت من وقائع وقضايا، تظل ضعيفة إذا أطلت على القارئ من معطف رث مهترئ، لذلك لا يمكن إغفال عنصر اللغة بكل ما تضمه من جماليّات وصور وأرض خصبة للابتكار والتنويع، مهما كانت الحكاية عامرة بالتشويق. الحكاية التي ترتدي معطفًا لغويًّا فاخرًا، لا أحسبها رواية مهما حققت من مبيعات ومهما نالت من جوائز... أقول هذه الكلمات الآن وأنا سعيد، بل إنني فخور بهذه اللغة العربية التي نسج من مفرداتها سليم بطّي هذه السرديّة الشجيّة. هذه رواية غُزلت فوق نول لغوي عتيق، غازِلها ومغازلها نسّاج وقع في غواية اللغة العربية، وطاردها حتى استقر به المقام في أروقة الجامعات: محاضرًا للأدب العربي... لا أتذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها رواية تحوي هذا الكم من الصور اللغويّة والتراكيب والتعابير المتفرّدة؛ هذه لغة تتوالد فيها المفردة تلو الأخرى في سياق قوامه جمل طويلة يودّ القارئ ألّا تنتهي، مسبحة طويلة من التفرّد اللغوي، حبّاتها مصقولة بالعشق والغيرة والخوف، عشق اللغة، والغيرة عليها ممن يمارسون الاستسهال، والخوف عليها من الاندثار... ولكي أكون مُنصفًا، أود أن ألفت نظر سليم بعد كل ما أسلفت، أن بعض المصطلحات المستخدمة في هذا النص الثري، قد تعطّل انسيابية القراءة لدى المتلقي. بعض الكلمات، وهي ليست كثيرة، تجبر القارئ على الاستعانة بالمعاجم. فاحرص يا عزيزي على المزيد من التبسيط، دون أن تحيد عن نهجك الأساسي الذي أود لو تبناه الكتاب جميعًا.
ما الذي ينقص هذه الرواية؟ كنت أود سماع المزيد عن عمر، الأخ الأكبر لجيوفاني، ربما أردت فصولا بصوته، وكذلك بصوت أختهما لميس، كذلك وددت معرفة المزيد عن كارلا وتفاصيل اللقاء والافتراق مع وعن جيوفاني، بيد ان سليم قطع عليّ هذه الطريق بما ساقه في صفحة ١٤٧.
ربما كان سليم بخيلًا في هذا الخصوص، لكن بخله لم ينتقص من براعته...
تنتهي الرواية دون أن تمنحنا إجابة، لكنها تكتفي بصلب الأسئلة فوق خشبة الحقيقة؛ ما هي حدود القدرة البشريّة على تعاطي مفردات الفقد؟ وهل يمكن للزمن أن يرتق ثوب الحداد الذي تمزق بين القبور، أو أن يزيل الندوب التي استوطنت الروح وشوّهت حواضرنا؟ هل ننال بانسحابنا نجاة مؤقتة، وهل تتحقق هجرة الجسد إذا ظلت الأرواح متكوّرة كما الأجنّة في رحم الحكاية الأولى؟ فهل يغادر جيوفاني رحم الذكرى؟ وهل غادرته أنت يا صديقي؟
رواية عربية أصيلة، ممتعة، متميزة، صادقة في ما تبثه من شجون، مذهلة من حيث الثراء اللغوي. نص يستجوب السماء قبل البشر، ويحاول التطهر من الذكرى عبر وشمها فوق وجه العالم، نص يكشف عن سوأة الحرب والمتحاربين بحرفية ومشهدية لا يجمع بينهما إلا كاتب بارع وشاهد عيان.
سليم بطّي... كاتب عربي لبناني يستحق المزيد من الاهتمام، وتستحق أعماله الروائيّة تناولًا نقديًّا جادًّا على نطاق عربي شامل. كاتب أدعو القراء إلى قراءة نصوصه، وكذلك أدعو الكُتّاب...
تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31