محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

بالحبر الأزرق...غواية الحبر... والعودة إلى رحم التاريخ المنسيّ.

في روايته الأحدث "بالحبر الأزرق"، يواصل هشام الخشن استمتاعه بلعبة الكتابة. هكذا أتصوّره وأنا أتابع رواياته في السنوات الأخيرة، فهذا الرجل يتخذ من الكتابة هواية يحقق من خلالها متعته ولا يسعى إلى ترضية ناقد أو إشباع قارئ. وحسب ما قرأتُ من روايات الخشن، أستطيع القول إنه حريص على التنويع والتجريب، فقد بلغ القائمة الطويلة للبوكر بروايته "جرافيت"، وهي رواية تاريخية تستدعي صورًا وشخوصًا من مصر مطلع القرن الماضي وترصد تأسيس جماعة الإخوان، ثم انتقل إلى الرواية النفسية العاطفية الحافلة بالشجون "تلال الأكاسيا" وهي رواية مرهقة في كتابتها ممتعة في قراءتها، قبل أن يعود إلى خوض تجربة تاريخية أخرة بعيدة كل البعد عن "جرافيت"، أعني هنا روايته "حدث في برلين"، التي خرجت عن أُطر المألوف والمعتاد في الروايات المصرية المنشغلة بتقصّي التاريخ، فسردتْ قسمًا غير يسير من آثار الحرب العالمية في أوروبا والشرق الأوسط. ثم جاء الخشن ليقدم رواية اجتماعية مصريّة خالصة، ترصد تحولات المجتمع المصرية في العقود الأربعة الأخيرة مختزلًا لعبة الحياة فوق طاولة البوكر. هذا قبل أن يأتي أخيرًا ليفاجئنا مرة أخرى بالعودة إلى الرواية التاريخية، بيد إنه اختار هذه المرة شخصية مصرية منسيّة سقطت من ذاكرة التاريخ المنقول رغم حضورها الـمُشع في زمانها، وهي الأميرة نازلي فاضل، ابنة شقيق الخديوي إسماعيل.

وكما يحرص الخشن على تنويع المواضيع، ولا يتردد في نقل لعبة الكتابة إلى مساحات مختلفة في كل مرة، كأنه طفل صغير يستكشف العالم ويود أن يعرف كل أسراره، فهو يحرص على تغيير تقنيته السرديّة، فالروايات التي أسلفت ذكرها تعتمد على تقنيات مختلفة تكاد لا تتشابه، بين اعتماد الراوي العليم ولعبة الحبكة الدائرية، والمراوحة الزمنية، وتعدد الرواة، لكنه يأبي إلا أن يسلك طريقًا جديدًا في كل مرة، فيقرر في "بالحبر الأزرق"، أن يحكي حكايته من خلال مجموعة من الرسائل والمذكرات التي يكتبها شخصين لهما خلفيات متباينة وينتميان إلى أزمنة مختلفة، لكن القارئ يتعرف من خلال هذه الرسائل التي تفصل بين بعضها فوارق زمنية كبيرة على حكاية الأميرة نازلي فاضل، ابنة الأمير مصطفى بهجت، أكبر أبناء إبراهيم باشا الذي كان يتأهب لاعتلاء عرش مصر، لولا تآمر أخيه إسماعيل مع الباب العالي. وعبر حكاية نازلي فاضل، نتصفح تاريخ مصر خلال القرن التاسع عشر، وصولًا إلى أعتاب القرن العشرين. العنصر الوحيد الثابت في كتابات المهندس هشام الخشن على تنوع مواضيعها وتقنياتها الكتابية هو قدرته الفائقة على التكثيف، وسرد حكايته في أقل حيّز ممكن من الصفحات، دون أن يؤثر هذا الأمر على اكتمال الصورة، في أغلب الآونة.

ومما لا شك فيه، أن القارئ الذي لا يميل إلى قراءة الروايات التي ينهض بنيانها على تقنية الرسائل لن يحب "بالحبر الأزرق". كانت تلك مغامرة ومقامرة من الخشن، جاء نتاجها أن أنصفه البعض، وانتقده البعض الآخر الذي اعتاد اعتماد الخشن على تقنيات مختلفة مثل تعدد الرواة وتحرير الزمن ومركزية المكان وألعاب الذاكرة عبر كتاباته المختلفة، لذا فإن من يقرر مقارنة "بالحبر الأزرق" بـ "تلال الأكاسيا" أو "شلة ليبون" غالبًا ما ينحاز إلى إحدى الروايتين الأخيرتين على حساب الرواية الأحدث. وعلى الجانب الآخر من هذه الآراء، أقف أنا منحازًا إلى تقنية الرسائل، معترفًا باستمتاعي برواية "بالحبر الأزرق"، حد أنني لا أفضل عليها أي رواية أخرى للكاتب، اللهم إلا "تلال الأكاسيا"، وذلك لأسباب شخصية وليست أدبية.

اختار الخشن الطريق الوعرة، الدرب الأصعب، ولم يسلك أقصر الطرق بغية ترضية القارئ. فارتكاز الرواية على مجموعة من الرسائل لرصد مائة عام ونيف من تاريخ مصر والدولة العثمانية يمثل تحديًّا حقيقيًّا. إذ أن عملية بناء الشخصيات وتوضيح خلفيّاتها ورصد تطورها النفسي، ثم صب ذلك كله في الإطار أو القالب المتسق مع المنطق الذي يُقرّه القارئ ويقبله، يغدو أمرًا أكثر صعوبة عندما تنهض الرواية كليًّا على مجموعة من الرسائل، لذلك أحببت هذه المغامرة التي أجدها موفقة وناجحة، حيث جاءت الحبكة لتمهد القارئ لاستقبال نص تناثرت حكاياته بين مجموعة من خطابات توزعت بين شخصيّة متخيّلة هي "ليديا ستون"، العميلة السرية البريطانية في بلاط مصطفى بهجت باشا، ومرافِقة نازلي فاضل الأبديّة فيما بعد، ومذكرات وتعليقات شخصية متخيّلة أخرى وهي ضابط الأمن السري البريطاني "سيدني بويد". وفور قبول القارئ لعملية التواطؤ مع الكاتب، يتصفح معه بسهولة ويسر تاريخ مصر الحافل بالمؤامرات والدسائس وصراع العرش الأبدي. لكنه في ذات الوقت، يقرأ حكاية إنسانيّة أخرى بطلتها "ليديا ستون"، والشخص الذي تستهل كل رسائلها بمخاطبته "هنري العزيز"، بذلك تسير الرواية -من خلال ذات الرسائل- في خطين متوازيين، خط تاريخي واقعي، وخط متخيّل، ضفرهما الكاتب بإحكام يحسب له.

تتماس حياة الأميرة المصريّة (إن جاز وصف نسل محمد علي باشا بالمصريين من باب الاعتراف بانتماء بعضهم -الحقيقي- إلى مصر) مع حياة الوصيفة/العميلة الإنجليزيّة، فيُخابر كل منهما الفقد والوحدة، ويؤمن كل منهما بقداسة رسالته، فالأولى تحمل رسالة تنويريّة أهملها كتبة التاريخ المصري الحديث رغم حقيقة تشابك مساراتها مع الشيخ محمد عبده وسعد باشا زغلول وقاسم أمين ومحمد فريد وغيرهم، والثانية تؤمن أنها تقدم للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس واجبًا مقدسًا، جعلته في بعض الأحيان مشروطًا أو مقرونًا بطلب شخصي لم يهتم أحد بتنفيذه: العثور على هنري.

تمضي بهما الحياة بين القسطنطينية وفرنسا ومصر مع زيارات قصيرة للمملكة العظمى، تتزوج الأميرة مرتين، وتخابر الوصيفة الحب مرتين، فتعرف الألم أول مرة، ثم تستعيد الأمل في المرة الثانية، قبل أن يضيع للأبد. أما نازلي فاضل، فهي امرأة نادرة الوجود في زمانها، مصريّة حتى النخاع، وطنيّة وإن استخدمت المكر والدهاء والمواءمة في بعض المواقف، امرأة سبقت عصرها فانتزعت ما لم تنله أغلب نساء اليوم، ألا وهو الحق في تقرير المصير.

ما عاب حكاية نازلي حسب رأيي كان ضبابية زيجتها الثانية من التونسي خليل بو حاجب الذي ظهر في الرواية بغتة بالتزامن مع رحيل نازلي عن العالم. لكم كنت أود أن يتبحر هشام الخشن في هذه العلاقة على حساب ميله الفطري والهندسي إلى الاختزال والتكثيف، كما كنت أحب أيضًا أن يدمج في نصه خطابات -عرفنا بها ولم نقرأها- كتبتها ليديا إلى حبيبها الثاني بعد سفره إلى السودان للانضمام إلى الثورة المهديّة.

مع ذلك، جاءت شخصيّة ليديا ستون لتكون الأكثر إحكامًا من حيث البناء والتطور والخلفية الإنسانية والعاطفية، وكذلك كانت شخصية نازلي فاضل، في حين جاءت شخصية سيدني بويد أقل وضوحًا من حيث التاريخ الشخصي والدوافع، وإن جادت الفصول الأخيرة ببعض التفاصيل المتممة لبعض ما كان منقوصًا.

نص ممتع، تشعر معه كأنك تقرأ مجموعة من الرسائل القديمة المنسية التي وصلتك عبر مصادفة أو عن طريق الخطأ، تقرأ عن الثورة المهديّة، عن أباطرة مصر وحكامها، عن باريس، عن البوسفور، عن لوحة أصل العالم، عن الصالونات الثقافية، عن فيلا هنري، عن إحكام يد الغرب على كل خيوط اللعبة في الشرق، عن حفر قناة السويس وأوبرا عايدة. تقرأ فتذهلك التفاصيل والمعلومات، تشعر كأنك تطالع عبر عين سحريّة مصر التي كانت قبل قرن ونصف من الزمان، دون أن تفقد شغفك بتتبع مصير ليديا وهنري الغائب.

وفي ذلك أجاد الخشن، فقد نقل الصور التاريخية بأدق تفاصيلها وألوانها، ورسم الشخوص المتخيّلة بطريقة دمجتهم في مخيّلة القارئ مع الشخوص الحقيقيين دون عناء، صنع حبكة جيّدة للغاية، قد تبدو نمطيّة في نظر البعض، خصوصًا في فصولها الأخيرة الكاشفة عن مصير هنري، لكنني أعتقد أن الكاتب أراد بهذه الحبكة أن تخلق حالة من التناص بين أزمة المرأة وأطماع ذوي السلطة في الشرق، وما يماثلهما في الغرب، فما أشبه ليديا بنساء الشرق، وما أشبه اللوردات بالباشوات في المحروسة. الأمر الأكثر أهمية حسب رأيي، هو أن الخشن قد طوّع حبكته هذه لكي تتسع للسرد التاريخي لوقائع يطرز الخيال حوافها بنعومة وإتقان، دون الوقوع في فخ التقريرية والمحاضرات التاريخيّة المباشرة.

لغة هادئة رصينة، تتباين عذوبتها ونبرتها وفق شخص الراوي، فتحفل بالعاطفة وتتزين بالبلاغة على لسان ليديا، وتغدو عمليّة بسيطة على لسان سيدني بما يتناسب مع عقله المنهجي الهادئ.

يعيدنا هشام الخشن في هذا النص المختلف والمتميز إلى صفحات ممزقة من تاريخنا الحديث، تتشكل نطف الحبر وتمضي معاكسة عقارب الساعة حتى تغوص في رحم التاريخ، التاريخ المنسيّ، حيث يميط الخشن اللثام عن شخوص انتقاهم بعناية فائقة لخلق خالة من المقارنة بين الماضي والراهن، ملقيًا بذلك الضوء على حتميّة التنوير، من خلال وجوه طُمست صورهم في مناهجنا الدراسية.

ينقل الخشن التاريخ بحرفيّة تنم عن حجم الجهد المبذول في البحث والتحقق، يدمج الواقعي بالمتخيّل، ويقفز بين الوقائع بحنكة تمكنه من الوقوف فوق العتبات الأهم في تلك الحقبة الزمنية، ثم يصهر هذه العناصر في قالب روائي يحقق المتعة والاستفادة للقارئ. في ذات الوقت يواصل الخشن استمتاعه بلعبة الكتابة، ينتشي بالسباحة في نهر جديد، يغير جلده مستمتعًا بالمغامرة والمقامرة، فلا يخيب ظنه، ولا ظني.

أثق أن الرواية القادمة لهشام الخشن سوف تأتي مغايرة لكل ما قلتُ للتو، فهو على الأرجح سيأخذ أقلامه وأوراقه، ليواصل مغامرته، ويجرب ممارسة لعبته الأثيرة في أمكنة مختلفة، وتحت سماء مغايرة. وها نحن منتظرون 😊

شكرًا أستاذ هشام، الكاتب غير المنشغل بالتصنيفات والقوائم والشلل والجوائز، المهندس المستمتع بكتابته، والكاتب الذي يخطو بهدوء قاطعًا مسافة واضحة في كل خطوة، والرجل النبيل القادر على إدهاشنا وإمتاعنا في كل مغامرة جديدة يقرر خوضها.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31

المصدر الأصلي على ووردبريس