محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

مخطوط جان دوست: رسالة الأدب ... والتدوين كحصن للحقيقة...

ما يزال جان دوست وفيًّا لقضيّته، شأنه في ذلك شأن أغلب حملة الأقلام، إلا أنني أحسب أن جان دوست هو الأكثر إصرارًا والأشدّ عنادًا في مطاردته لتاريخ الأكراد، سواء كان التاريخ المدوّن، أو المنقول بشبهة تحريف، أو المطموس عن عمد.

نحن أمام كاتب مهجوس بتقصّي تاريخه، مهموم بإنصاف هويّته المترنحة على أسنة الرماح وأقلام المؤرخين، مُخلص لتاريخ الأكراد. كاتب يمتلك عزيمة صلدة لا تهادن ولا تُجمّل ولا تنحاز إلى طرف دون آخر. هو كاتب بدرجة محارب، آمن أن القلم أمضى من كل السيوف التي استحلت دم الأكراد في مجازر وغزوات وحروب بلغنا منها ما بلغنا، وغيّبت كتب التاريخ بعضها؛ تجميلًا وتزييفًا ورياءً.

هذا ما يخص الإنسان الذي أتابع كتابته عن كثب، ثم عرفته وحاورته عبر الشاشات وبرامج الاتصال، فماذا عن الكاتب؟ هل أثّر انشغاله بالقضية على مساحة الإبداع والتخييل وإحكام الحبكة الروائيّة والتنويع السرديّ في ما يروي ويدوّن من حكايات الأكراد؟ بكل تأكيد، لا!

لا ينشغل جان بكتابة القصة التقليديّة، لا يهتم كثيرًا بحبْك حكاية تتصاعد أحداثها على النمط التقليديّ، بداية وتصاعد وذروة فنهاية يُفضّل أن تأتي مخالفة لتوقعات القُرّاء. بل أزعم أنه ينشغل بالتجريب والتنويع قدر إنشغاله بقضيّته الأصليّة، لا ننسى هنا حكاية الفتى الذي تحوّل إلى قطعة طبشور (ممر آمن)، والتي جاءت استكمالًا لروايته المؤلمة (باص أخضر يغادر حلب)، ولا رائعته (كوباني)، ولا مغامرته الأدبيّة المهمّة (ثلاث خطوات إلى المشنقة) التي استهلّها بمشهد الختام، قبل أن يقذف القارئ بين أمواج حكاية تنساب كاشفة عن تاريخ امتد لعقود خلال الخطوات الثلاث السابقة للشنق. هذا علاوة على العديد من الأعمال الروائية الأخرى، والترجمات التي انبرى لها جان ليوسّع رقعة معرفة العالم بحكايات الكرد وتراثهم المطمور.

في مخطوط بطرسبورغ، يظهر طيف الكاتب في الفصل الأول ليكشف مآل الحكاية برمّتها. نحن أمام مخطوط كرديّ ضائع كتبه الملا محمود البايزيدي وسلّمه إلى القنصل الروسي أوغست غابا منتصف القرن التاسع عشر بغية نقله إلى المكنبة الوطنية الروسيّة في بطرسبورغ، لكننا نعرف من الصفحات الأولى أن المخطوط لم يصل، وأن الكاتب لن يجده، وأنه قرّر بالتالي كتابة حكاية متخيّلة عن المخطوط ومراحل كتابته، وصولًا إلى تصوّره لمصيره الملغز.

هكذا يقرر جان دوست أن يُعيد المخطوط إلى الحياة. أن يطفو به فوق سطح التزييف والتغييب. ولأن البشر لم يعرفوا الحياد إبّان تدوينهم للتاريخ منذ فجر الإنسانية، فقد استنطق دوست سائر الأماكن والموجودات لتحكي الحكاية، لأنه ما عاد يثق في ما هو محفوظ في سجلات التاريخ البشري. خُلق الإنسان كذوبًا، وحمّله الله أمانة لم يكن جديرًا بها، لذلك جاء جان دوست ليُغيّب صوت الإنسان المتلوّن، ويلتجئ إلى رواة آخرين.

هكذا، عندما استغنى جان عن العنصر الإنسانيّ ونفاه خارج حكايته، بعدما وقر في يقينه أن البشر غير جديرين بنقل الحقائق، فلا يؤمن لهم جانب، ولا ثقة لديه فيما يخلّفوه من أخبار وأحبار، قرّر أن يوكل المهمة إلى الشهود الأكثر إخلاصًا للحقيقة. بذلك؛ نقرأ حكاية استبدل الكاتب راويها العليم بالورقة والجبل والقصر والزهرة والنخلة والحجر والمسبحة والأنهار والمدن!

رواية مغامِرة، مدهشة، ولعل أهم عناصر دهشتها هو قدرة الكاتب على جذب انتباه القارئ للإنخراط في تفاصيل نص قوامه ١٩٠ صفحة في ظل ما أسلفت عاليه! يستعرض الكاتب شذرات -يُقرّ أن معظمها من وحي الخيال- لحياة الملا محمود البايزيدي والقنصل الروسي أوغست غابا توازيًا. يستجوب الأمكنة والكائنات مُستخرجًا تاريخًا لم يروه كاتب ولم يدوّنه مؤرخ قبله، فلا نسمع بين الصفحات صوتًا بشريًّا إلا صوت الملا محمود البايزيدي بينما يعظ حفيده ويلقنه خلاصة القول.

تروي المدينة حكايتها بالتزامن مع خطوات طرفيّ الحكاية، يشهد الجبل على خسة بني آدم. تنساب الأنهار معترفة بتفاصيل وحكايات تقاطعت مع ارتحالهما. تشهد الوردة والشجرة والنخلة والمسبحة على دروب سلكاها، وعصور وحروب شتّى، وتحفظ كلمات باحا بها هنا وهناك، والورقة حاضنة السر تظهر في المستهل، قبل أن تكشف السرّ وتقطع بالمصير في الختام.

ينهض النص على فكرة لقاء الشرق والغرب، وكيفية التعاون بين الطرفين لأهداف مختلفة، بالتوازي مع إبراز اهتمام الطرفين بكتابة التاريخ وقداسة التدوين وإن تباينت الرؤى، يستمد السرد حيويته عبر المرور بأحداث سياسيّة هامة تفرز تغيّرات جغرافيّة هامة تتقاطع مع حرب القرم وما تلاها من سنوات صعبة.

وللملا محمود البايزيدي مخطوطات ترجمت بالفعل عن أصول مخطوطة ما تزال محفوظة في روسيا حتى اليوم، أما المخطوط الذي يطارد جان دوست سرابه، فهو أمر لا ينبغي القطع بوجوده أو الجزم بالعكس، فالمخطوط هنا -وإن آمنا بأنه حقيقي- رمزيّ. هو مدخل سردي للحكاية، عتبة ترتكز عليها قدما القارئ كتمهيد للغوص في رحم التاريخ المتشح بالصمت، بحثًا عن الحكايات التي لم تُكتب.

هذه الرواية الجريئة تُدين الأكراد بالأساس. تصرخ في وجه المتخاذلين. تندم على التاريخ المُهدر على عتبات الاقتتال والنزاعات والحروب بالوكالة، على الحكايات التي لم تدوّن، والأخبار التي لم تُنقل. تبكي حروفها على الفرص التي فوّتها الأمراء والقادة من معشر الكرد. تعرّي جموع المنساقين خلف أطماع العروش والتوسّع والمجد الشخصي لا الجمعي. وتُختتم بمشهد رمزيّ يؤكد أن الأكراد هم من أحرقوا تاريخهم، ولو عن جهل!

لم يجتمع الأكراد على كلمة منذ قرون، ولعل كلمات جان دوست في صفحتي ١٥٦ و١٥٧ تلخص المسألة وتُسلّط الضوء على المُساءلة:

{إننا متأخرون يا ولدي لأن الكتاب عندنا أقل قدرًا من الحذاء ولأن أولي الأمر منا يهتمون بالمغرفة أكثر من المعرفة. نحن متأخرون أيضًا لأن علماءنا يهتمون بعمائمهم أكثر من اهتمامهم بم تحت تلك العمائم. نحن متأخرون لأن أمراءنا لم يسعوا يومًا إلى أن تكون في قصورهم حجرات لخزائن الكتب بدل خزائن المال. لقد بنوا خانقاهات لينام فيها الدراويش ولم يبنوا مدارس لتستيقظ فيها الأجيال}

من وصيّة الملا محمود البايزيدي ص ١٥٦-١٥٧

{هكذا هم بنو قومنا يا حفيدي: خبز ذرة لا يتماسك، وطيور حجل حبيسة في القفص تنادي الصياد ليرمي شباكه في طريق طيور الحجل الحرّة حتى تصبح أسيرة مثلها. لا يمكنها أن تقبل بحريّة باقي بني جنسها ما دامت هي حبيسة. يمكن للخشب أن يتحد بالزجاج، لكن الكرديّ لا يتحد بالكردي}

من ذات الوصيّة - ص ١٥٧

كلمات كما السهام يطلقها الكاتب في وجه بني قومه، يلطخ وجوههم المُطلّة من كتب التاريخ المُختزلة. يجلد الجميع بسوط الحقيقة، يطلق صرخة مدوية أن اكتبوا تاريخكم ودوّنوا حكاياتكم حتى يظل لكم موضع قدم بين صفحات التاريخ. كلمات موجهة إلى الأكراد، لكنها تصلح لمخاطبة الشعوب العربيّة من المحيط إلى الخليج.

هكذا تكون رسالة الأدب الحقيقي، الجاد.

في النهاية، ومع وجوب تقديم الشكر إلى جان دوست على ما قدمه ويقدمه من أرشفة وتدوين للتاريخ الكردي في أُطر سرديّة بديعة وثرية في تنوّعها، أعتقد أن ما ينقص هذه الرواية كان إدراج الكثير من الهوامش الضروريّة حتى لا تستعصي القراءة على جموع القرّاء. الكثير من مفردات جغرافيّة المكان وبعض الشخوص التاريخيّة يستلزم الإلمام بهم اللجوء إلى محركات البحث، لذلك كان إدراج المزيد من الهوامش ضروريًّا لترسيخ سلاسة القراءة، وتجنيب القارئ مشقة التنقل بين الرواية ومحركات البحث على الإنترنت.

سؤال مُلح: لماذا لم تُقدّم هذه الرواية إلى لجنة البوكر العام الماضي؟ أعتقد أنها كانت مّرشحة للظهور في القائمة الطويلة على الأقل، ذلك لما بها من تجريب وتنويع، ولغة شعريّة رائعة لا تنجرف إلى فخاخ الاستعراض، وسرد محكم يتناول قضيّة إنسانيّة تتماس مع الكثير من القضايا العربيّة المعاصرة.

شكرًا جان... لا تحزن على مخطوط البايزيدي الضائع، فتاريخ الأكراد سيظل حاضرًا في الأذهان بما تكتب. أنت الحاضن الأمين على الحكاية، ولا خوف على القضيّة ما دام بين الأكراد محارب دؤوب من طينتك.

أنصح الجميع بقراءة هذا النص المختلف، الممتع.

#محمد_سمير_ندا

#مخطوط_بطرسبورغ

#جان_دوست

تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31

المصدر الأصلي على ووردبريس