لا تقصص رؤياك لعبد الوهاب الحمادي ... وإعجازية الحياد

ما أصعب أن يقف الكاتب على الحياد، وما أبرع أن ينقل الروائي صورة أمينة لمجتمعه، دون أن يعلو صوته بين السطور مرشدًا أو موجّهًا القارئ إلى رأي بعينه!
فما بالكم إن أعمل المبدع مبضعه في جسد وطنٍ يعاني فقر الانتماء وترنح الإيمان بالهوية، مُسلطًا بذلك الضوء على كل أنماط العوار، قبل أن يزيح خيمة ضخمة تظلل وطنًا ظاهره الترف والثراء، بينما تعشّش في أرجائة أمراض الوحدة والضياع والخواء؟
كان هذا هو عبد الوهاب الحمادي، المبدع الكويتي الذي أراه كاتبًا بدرجة سفير، والنصّ المعني في كلماتي أعلاه هو نصّه الممنوع في وطنه الكويت؛ لا تقصص رؤياك.
م يفاجئني الحمادي بلغته وألاعيبه السردية التي اعتمدت على المزج وتعدد الأصوات وخلط الواقعي بالمتخيّل عبر إدراح اسمه كأحد شخوص الرواية، مستهلّا ومختتمًا روايته بتنبيه وتوضيح، لا يوضحان ولا ينبهان القارئ بقدر ما يتركان لديه حيرة أراد الحمادي أن تسيطر هلى قارئه عقب قراءة الرواية. لم يفاجئني الحمادي لأنه كاتب رواية "ولا غالب"، التي كانت تستحق الوصول إلى قصيرة البوكر على أقل تقدير.
يجيد عبد الوهاب لعبة تحريك الكاميرا لتبيان ذات المشهد ذاته عبر أكثر من زاوية، يجمد عنصري الزمان والمكان ويتنقل فوق أوتار الأصوات كعازف قانون ماهر، يسيطر على أوتاره فيخرج كل صوت منها مغايرًا للوتر السابق والتالي.
تُشرّح الرواية المجتمع الكويتي في عام ٢٠١٠، تستكشف كل طوائفه، وتناقش مساوئ كل الأيدولوجيات التي تسود الحياة السياسية والاجتماعية في الكويت، فمع كل صوت نسمعه، وكل حلم لا يُفسر، نستخلص الرابط بين المعنى المخبوء خلف السطور، ورواية كل الأسماء لساراماغو التي ترافق البطل الرئيسي بطول أحداث الرواية. فبطل ساراماغو وأبطال الحمادي يبحثون عن شيء غير موجود، شيء ضائع، خبر محجوب، ويعيشون واقعًا نجح في تضليل الباحثين وألبس الحقيقة ثوب الضباب، والمراد هنا -حسب ظني- كان الهوية، والانتماء إلى الأرض قبل أي شيء آخر.
طوفان سردي يجرف القارئ، ويراوغه بين أصوات بسام ونادية ويوسف ونون ونواف ومبارك ووكيل نيابة وطبيب نفسي وداعية داهية. قصة في ظاهرها عن حب يفرزه اليأس والرتابة، ثم بحث مضنٍ عن نصر عاطفي يؤجل الإقرار بهزيمة محتومة تفرضها تشوهات الهوية. نتعرف عبر هذه الرحلة التي يطارد خلالها بسام طيف نون على عوالم القبائل، والبدون، ودهاليز الطبقة السائدة ذات الدم الأزرق، وأصحاب الصدفة الجينية، والسنة والشيعة وطبقة النواب وكل فصائل المتنفعين، الذين لا ينشغل أي منهم برفعة الوطن قدر انشغاله بحصد الدينارات وجني المكاسب العينية.
الهوية ترزخ أسفل مئات الدنانير والأوراق والصحف والمعاملات الحكومية المشبوهة، والولاء غائب حتى بين أقرب الأصدقاء، والحب محرم، والاعتراض جريمة، وجسد الوطن تتنازعه أنياب الفرقاء، كل منهم يود الحصول على الحصة الأكبر، بينما نجد أن المتشحين بالحياد واللامبالاة هم في واقع الأمر حيارى، لدى كل منهم قصة حب بتره سيف القدر، أو حلم مؤجل، أو هروب مُسوّف. تختلف مفردات الضياع وتتباين مسببات الحيرة، فلا يجمع بينهم إلا تشابه الكوابيس، وانجرافهم، كل وفق حكايته، إلى مسار لا يعرفون بدايته، ولا تظهر في نهايته حروف كلمة: وطن.
حسب اعتقادي، هذه رواية سوف يعود إليها -بعد عقود من اليوم- كل باحث يود أن يتعرف على تاريخ الكويت في هذه الفترة الزمنيّة المفصلية التي غيرت خرائط العقول في العالم العربي.
بين العنوان المعبر "لا تقصص رؤياك" المشتق من النص القرآني، وعقب الإهداء إلى نون التي قالت لحبيبها كن فكان، وبرغم كل ما فصل بين البداية والنهاية من كوابيس، ودم وبوم يبشر بحكمة غائبة، وصراعات سياسية، وفراق وخداع، ولا انتماء، يمرّر الحمادي خيطًا من النور في آخر الصفحات، ليترك باب الأمل الضيّق متأرجحًا بين الليل والنهار، دون أن يوصده.
ملاحظة: كان الحمادي موفقًا حين جعل في جدران الحكاية كوّة تسرّب الأمل قرب الختام، فالمعارض الكويتي عبيد الوسمي، الذي ظهر باسمه في الرواية في إطار الواقعة الشهيرة لاعتداء الأمن الكويتي عليه في عام ٢٠١٠، نجح في الوصول إلى مجلس النواب الكويتي منذ شهور، محققًا رقمًا قياسيًّا بعدد أصوات ناخبيه، وهو الأمر غير المسبوق في تاريخ الانتخابات النيابيّة الكويتية.
شكرًا للصديق المبدع عبد الوهاب الحمادي.
تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31