عن هذا النص المبهر ..

بعض النصوص تُقيم طويلًا في عقل القارئ، الأمر الذي أحسبه إشارة واضحة إلى جودة النص وصدقه. النص الذي يتفتت في ذهن القارئ ويسقط من جيوب ذاكرته تدريجيًّا لا يعوّل عليه (إلا لو كانت ذاكرة القارئ مهترئة بطبيعتها، مثلي)، أما النص الذي ينشغل به القارئ بعد قراءته، فهو نص فارق، صادق، ومؤثر...
بترجمة سلسة ومحكمة لمارك جمال، كانت هذه النوفيلا -أو الرواية القصيرة- واحدة من هذه الروايات التي يصعب نسيانها، حتى على قارئ مثلي، معتل الذاكرة كما أسلفت.
حكاية تنساب كدفقة ماء تتنزّل من علٍ، فلا هي تنهمر فيضًا كما الشلال، ولا هي تتساقط بطيئة كدموع غيمة صيفية عابرة. هي فقط تنساب بنعومة لتكشف عن مساراتها تدريجيًّا.
شاب في مقتبل العمر، ينبش ذاكرة أمه المعطوبة، ويستدعي كل الصور الضبابية المختزنة في عقله، محاولًا العثور على صورة واحدة يظهر فيها وجه أبيه.
وعلى إيقاع هذيان الأم، وثرثرة الخالة، ونوبات عشقها الذي تحاول من خلاله تشكيل ذاكرة بديلة تستبدل بها ميراث الحرب، تومض الحقائق في عقل الشاب تباعًا. يتعرف على الوجه القبيح للبشرية، يتفقد آثار الدمار ويتحسس مواضع الألغام التي لا تكشفها أجهزة العسكريين، لأنها مستقرة في عقل أمه وخالته، في نفوس الضحايا الذين بترت أرواحهم آلة الحرب، فوق الأرض لا تحتها.
تستجوب الحكاية الموروث الشفاهي المنقول، وتشكك في التاريخ المعلوم، وتقوّض أعمدة ينام فوقها الماضي المشوّه. يبحث الشاب البرازيلي عن تفاصيل رحلة لم يقدسها الرب لعائلة مسلمة نزحت هاربة من مقتلة جماعية في دولة تتوارى خلف أمواج المحيط. يبحث عن هويته، عن أصله، وعن أبيه، حتى تتراكم الأخبار مكونة الحقيقة الوحيدة، فهذا الشاب هو ابن الحرب، فقط الحرب، ولا أحد سواها.
حكاية مؤلمة لفرط صدقها، عذبتني كثيرًا ذكريات الأم المشوشة وشخصياتها الخيالية، أبكتني هذه الصور، وتعاطفت مع أبناء الحروب الذين تشكّلت نطفتهم في أرحام المأساة من البارود والدم.
في النهاية، وجدت نفسي ألعن الإنسان، وأجزم أنه أحط المخلوقات فوق هذه الأرض، وأؤمن أنه، ولا أحد سواه، سوف يكون السبب الأوحد في فناء هذا الكون.
قطعة سردية عميقة الأثر، تأتي من البرازيل، لتوحّد كل القصص المأساوية تحت راية واحدة؛ بشاعة الحرب، وشرور البشر...
تحية إلى الكاتب البرازيلي "روبرتسون فريزيرو" الذي قدم هذه المتعة المدهشة في روايته الأولى! وشكر موصول إلى الناشر الذوّاق الذي انتقى هذا النص لنشره بالعربية (منشورات تكوين)، وتحية واجبة أتوجه بها إلى المترجم مارك جمال الذي نجح في نقل روح النص وحِس كاتبه بطريقة تركت في وجداني هذا الأثر. أنا لا أجيد البرتغاليّة بطبيعة الحال، لكنني لا أعتقد أن استمتاعي بالقراءة سوف يزداد إذا صرتُ يومًا مؤهلًا لقراءة النص بلغته الأصلية...
تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31