محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ديناصور عمرو حسين... يلاحق أدبار زمان ينقرض...

أهي حكاية عن الحب، أم مرويّة شجيّة عن الزمن؟

هل قرأتُ للتوّ قصة عن صراع الإنسان مع زمن لا يألف كلاهما الآخر، أم عن صراع العقل مع القلب حيال لحظات قد يستغرق تحويلها من طور المحسوس إلى المنطوق عمرًا بأكمله؟

أمن الحتمي الإجابة على هذه الأسئلة عندما تتحقق المتعة الكاملة؟

الإجابة: لا!

عبر أسلوب لغوي ينتمي إلى مدرسة السهل الممتنع، وتقنية تعدد الأصوات، يقدم عمر حسين نصًّا يفيض بالمشاعر، يتبلور فيه الثمن الذي قد ينفقه المرء أمام لحظات التردد، والعمر الذي يهدره أمام حوائط الكتمان.

عن الوحدة، والأبوّة، وهشاشة القلب عندما تتراكم عليه العقود المترعة بكل الصور المؤطرة بالفقد والخطوط السوداء المائلة من قمم الأمل إلى سفوح الواقع، وعن نقائض كل هذه الخطوط العريضة؛ يكتب عمرو حسين، فيستنهض ديناصوره من تحت أنقاض الغياب، ليروي، ويشاركه الآخرين الحكاية حتى تلتم شظايا المرآة المهشمة، وتنجلي الصورة.بين جيلين، وحكايتين، ولسانين معقودين على السكوت، وشفاه مطبقة على الخوف، تنفرط حبات العمر بين سطور الحكايتين، حكاية أولى بطلها رجل سبعيني أرمل ووحيد، يُمرّر ما بقي من أيامه في محاولات كتابة أولى، تفاجئة بأن تُفجّر ينابيع الحكايات المختزنة في قلبه الهرِم، يكتب وكأنه هاجر حين خاطبت بئرها صارخة "زمي زمي"، فكان كما البئر، يفيض ليجود بأسباب للبقاء. تتقاطع حكاية السبعيني مع فتاة عصرية، تنتمي إلى زمن غريب لا يعرفه العجوز، وشاب فنان يحب الفتاة وتجف الكلمات فوق شفتيه، فلا يبتعد، ولا يبوح.

نعاين رفقة العجوز ومرافقيه أطلال زمان انقرضت معالمه، ونعد الخسارات، ولا نجاهد دمعًا يطرق أبواب الجفون.

المعادي هي المسرح المكاني، لكن معالم الانقراض ظاهرة في كل أرجاء الأرض، ومحاولات الاتصال بين العالمين تشي باتساع الفجوة، لكنها تثبت إمكانية التلاقي إذا حرص الجيلين على إيجاد أرض مشتركة وخلق مساحة تفاهم.

ومن أوراق العجوز تنبثق الحكايات، فلا نقدر إلا على البكاء في وداعيّة الحلاق العجوز، والسعي الجاد بغية العثور على طيف حبيبة فارقت بينها وبين العجوز الوحيد ثوانٍ تمددت حتى ابتلعت قرابة خمسين سنة من عمره! فإذا تلاقت الأجيال، هل نقدر اليوم على تفادي خطايا الماضي التي ارتكبها الجدود؟ سؤال مفصلي اختزلته الحكاية في إعلان الغرام، إلا أنه يتسع لعشرات المترادفات و مختلف التأويلات.

عندما التحم الماضي بالحاضر، وتوقف كلاهما عن إنكار الآخر، تواصل العجوز مع أحفاده المهاجرين، وباح بمخزون ذكرياته التي حرص على استبقائها طي الكتمان، وتعلم الشاب الدرس من صفحات العجوز، فأشهر رايات الهوى، وتبادل مواثيق الغرام مع فتاته الحائرة بين نداءات القلب ومغريات العصر، وأحلام النجاح والثراء التكنولوجي السريع.

نهاية هادئة اختتم بها الكاتب فصولًا لا ريب أن القارئ قد لهث بين سطورها شغفًا ورجاءً، لكنها نهاية واقعية، فالمحبوبة باقية، حية تُعشق، أقرب مما نتصوّر، وأبعد من الإمكان.

استمتعت كثيرًا بقصة العجوز الذي يتحرر من عقود الخوف فوق صفحات بيضاء، وبحكاية الفنان الذي تأرجح كثيرًا بين الصد والرد، وبالفتاة التي لم أحبها كثيرًا لرغبتها في الاستحواذ على كل شيء دون قطع العهود، أحببت عبقرية العنوان، والرمزيّة التي يحملها، وكنت أفضل ألا يُذكر لفظ الديناصور مرة واحدة خلال الرواية، بحيث تبقى دلاليته كافية، سهلة الاستنباط، من دون إقحام لوجهه في المقاطع الحوارية على لسان الفتاة.

شجن، عشق، نوستالجيا، عبد الحليم حافظ، المعادي، بوح مؤجل، تحرر بالحبر والورق، أبوّة، حس فكاهي واضح، تنافر وتجاذب بين الأجيال، فرح مكتوم وشغف مخبوء، ثم راية غرام خفّاقة تعلن أن الحب، والحب فقط، ليس عرضة للانقراض.

أمر واحد شعرت أمامه بالغيظ، لماذا لم يدمج الكاتب أوراقًا من حكايات العجوز ووصفه لحبيبته الأزلية في فصول الرواية؟ لماذا لم يخترق قلم العجوز الأوراق بلغته ومفرداته المنفلوطيّة حسب ظنّي؟ وماذا لو ضمّن الكاتب صورة ضوئية لصفحة مكتوبة بيد العجوز الخطاط؟

انتهيت من قراءة الرواية، فشعرتُ أن الديناصورات نفسها، كانت ستعيش حتى اليوم، فقط إذا استعارت من قلب العجوز حكاية غرامه المستمرة بقوة ذاتية، لا تخبو، ولا تخفت، ولا يغرب فيها وهج القلوب.أحببت الديناصور يا عمرو، وسيقفز هذا العجوز أمام عيني ممسكًا بأوراقه و"الحديدة" الحاوية لذكرياته كلما ظهر الديناصور على شاشات قنوات الأفلام، والكارتون.شكرًا على هذه المتعة.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31

المصدر الأصلي على ووردبريس