هامستر يوسف الخضر: حر إذا غابت الشمس، لاجئ حين يصافح النور

الهامستر حيوان ذكي، لا يُحبّذ الحياة فوق سطح الأرض، ويُفضل بناء عالمه الخاص في أنفاق وبيوت وربما قصور يشيّدها تحت التراب.
كائن ينشط في الظلام، لا ينتحي إلى النور إلا مضطرًّا، فهو حر إذا غابت الشمس، لاجئ حين يصافح بعينيه نورًا لا يعكس فيه سوى غياب الأمان المقترن بالاختلاط مع سائر الكائنات...
من هنا تتبلور عبقرية اختيار العنوان لرواية يوسف الخضر الصادرة عن منشورات إيبيدي منذ أسابيع، فهو يمنح روايته عنوانًا لن يجد القارئ معنى صريحًا له بين دفتي الكتاب، بيد أنه يحمل روح العمل، ويرمز إلى شخصية بطل الرواية وراويها، حيث أن سمات هذا اللاجئ الشاب، الذي لا يمتلك أوراق ثبوتية تبرهن وجوده فوق الأرض، شديدة التماس والاتساق مع حيوان الهامستر، الذي يُصنّفه العلماء إلى أكثر من فصيلة، من بينها الهامستر السوري!
يروي لنا يوسف حكاية بطله الذي تلفظه كل حجرات الحياة فيفترش الطرقات ويلتحف بالأرصفة ويتدثر بونس الحكايات. حكايات أشباهه من الساعين أسفل التراب، الهاربين من خيوط النور التي أحالها البشر سياط ألمٍ تشق ظهورهم بالرفض والنفور.
يتقاسم فتات الحياة مع رفقاء الشتات، يرتضي بالعيش على فضلات العالم المتشح بالنور، ويعرف الحب! ثم يصحبنا معه في رحلات استكشافية نبصر من خلالها كل ألوان المعاناة، حتّى ننفر من الضوء بكل طيوفه وانعكاساته على وجوه تتنعم بمساحيق التجميل.
بين قوسين يستفتحهما الكاتب بركلة، ويغلقهما بنتائجها، يسحبنا هامستر يوسف الخضر إلى أنفاق ودهاليز عقله، فنعيش حياة موازية، نغوص عبر فصولها القصيرة في مستنقعات اللاجئين العامرة بشتى صنوف الوجع، ونغطس رفقتهم بحثًا عن هويات مفقودة، وأسماء أسقطتها السجلات، وأحلام قصفتها الحروب، وأنفاس هواء لا تحمل عبق البارود، حتى تنتهي الحكاية بصدى الركلة الأولى، لتتعاظم حيرتنا، دون أن تنقشع رمادية الغيوم، أو تتلاشى مرارة الحكاية.
لا أود الخوض في التفاصيل،لكنني أكاد أستخلص تجربة شخصيّة تصرخ وتئن وراء الأسطر، لا أعرف الكاتب على المستوى الشخصي، لكن صدق التعابير ربما يشي بالكثير مما لم يقصد يوسف إعلانه...
النهاية جاءت مفاجئة، وربما كنت أُفضّل نهاية أخرى تحمل لونًا واحدًا من الأمل. النهاية الأولى -التي جاءت في الفصل ما قبل الأخير وأظهرت الأمل شبحًا يحوم في بدايات طرق جديدة لا تُعلن لافتاتها عن الكثير من الوعود- كانت كافية حسب رأيي.
الأمر السلبي الوحيد الذي شاب نظم الشاعر يوسف الخضر لروايته الأولى- رغم اختلاف الرؤى حول النهاية- كان الخطابات التي استهل بها روايته، فهي فضّاحة بتفاصيل سوف ترد تباعًا، علاوة على أنها موجهة إلى شخص مجهول، لن نعرف علاقته بالراوي حتى النهاية.لغة شعرية، ونبرات صادقة مسموعة، ونوبة بوح تستعر بالألم، وسرد متواصل أجاد الكاتب رسم تفاصيل عالمه وبناء شخوصه ورصد تطورات بعضها في أقل مساحة ورقية ممكنة...
عمل متميز في النهاية، أنتظر من كاتبه الكثير في السنوات المقبلة.أهنئك عزيزي يوسف، بداية تعد بالكثير، وتجبرني على متابعتك وانتظار صدور رواياتك بشغف.
تاريخ النشر في المدونة: 2021-10-31