ذاكرة إبراهيم عبد المجيد تنوء بأحمالها…

في روايته الأحدث "الهروب من الذاكرة"، أو الثلاثية الروائية كما كتب على الغلاف، يتحرر الروائي المصري الكبير مما أثقل ضميره الإنساني خلال السنوات الأخيرة. أيقن الأستاذ أن واجباته الأخلاقية والإنسانية، ومسؤوليته الأدبية، تحتم عليه أن يلف قلمه بالأسلاك الشائكة، قبل أن يحتضنه، ليبوح له بحكاية عن محاولته، ومحاولات الآلاف، للهروب من ذاكرة أضحت مخضبة بالوحشة واللا جدوى.
نحن أمام عمل ملحمي يتّسم بالعصرية من حيث عنصري الزمان والمكان، يمزج بفرادة بين واقع مؤلم، وواقع سحري مشبع بالرؤى والرمزية. الأول يفرز الثاني، والثاني يَمنح لمن عاش الأول فرجة يعبر خلالها إلى فضاء الحلم والأمل، الحلم بالتحرر من ذاكرة مثخنة بالقهر، والأمل الذي يمنحه القدرة على مواصلة الحياة.
مجدي هبة الله هو بطل الحكاية، اختيار الاسم قد يكون عفويًا، وقد يحمل دلالة رمزية عن المجد المقرون بهبة الله قبل بذل الجهد. يُسجن مجدي خمس سنوات لمجالسته شيخ مسجدٍ يعرف في ما بعد أنه من معتنقي الفكر الجهادي، لم يكن هبة الله يعرف أنه بمشاركة الشيخ جلسات تدخين الشيشة يمسي شريكًا له في المذهب. هكذا تنتزع الصدفة خمس سنوات من عمر مجدي، خمس سنوات نهل فيها من معارف السجناء حتى بلغ من الوعي رصيدًا يؤهله لأن يزهد الدنيا، ورفقاء السجن هم شيخ سلفي قبض عليه لأنه إمام مسجد كتبت على جدرانه عبارات تناهض الدولة وتؤازر الجماعة المحظورة (الشيخ يسري)، وفنان تشكيلي سكندري (فخري)، ومزارع يأنس بمجالسة النباتات ويؤمن أنه يكلمها وتكلمه (عيد)، وشخص ألقي القبض عليه بتهمة الإفراط في الضحك (بسام)، ورجل يحب النساء فقاده حظه العاثر إلى مواقعة امرأة هي زوجة إرهابي هارب إلى ليبيا (قايد باي) وشاب شيوعي مثقف لا نعرف سبب القبض عليه (حسام وهبان)، وشخص صموت يدعي طوال الوقت أنه لا يفقه شيئًا (عواد اللي في الطراوة)، والشاعر الصموت (حازم سمرة).
يخرج مجدي من محبسه شخصًا مغايرًا لذاك الذي اجتثته الصدفة من الحياة إلى غياهب السجن، وواقع الأمر أنه لم يُحكم عليه بالسجن من الأساس، بل استمر حبسه احتياطيًّا طيلة تلك السنوات، ولعل ذلك ما جعل عودته لعمله -كمدرس في أحد المدارس الحكومية- سهلًا ومسموحًا…
وفي مشاهد سوريالية تصهر الواقع والخيال في معين الخوف والشك، يجد السجين المفرج عنه صعوبة في التماهي مع الحياة التي لم يعد يألفها خارج الأسوار، حدّ أنه يعود إلى السجن في اليوم التالي لخروجه ليطلب العودة إلى زنزانته، لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. تطارد الأوهام والخيالات مجدي، وتزحف الثعابين على أسقف حجرته وتفزعه، بيد أن زوجته الصبورة المخلصة تبذل جل طاقاتها بغية جذبه إلى الواقع من خلالها، ومن خلال جسدها التوّاق لحبيب سُلب منها خمس سنوات.
يحمل إبراهيم عبد المجيد كاميرته ويعود في أناة إلى الخلف كاشفًا عن أبعاد ثلاثيته الروائية، يُخرج المشاهد بحنكة راكمتها سنين الألفة مع الأقلام والورق، ويخرج الحكاية تلو الحكاية من جراب العمر الشاهد على تقلبات العصور والأمور.
المكان هو أرض الجمعية في امبابة، والزمان هو الزمن الراهن، ومحاور الحكاية تأخذ في التشكل أمام القارئ، وهم ثلاثة محاور؛ "مجدي" وزوجته "زينب". "أبو رقية" المقاول السنًي المغرم بالنساء سواء كزوجات أو محظيات وجواري. "لبنى" زوجة أبي رقية ورحلة هروبها مع "سمير التايه"، مدرس الجغرافيا الذي فقد معنى الحياة منذ سفر حبيبته "نور" عقب ثورة يناير، حتى استعاد قطافها من على شفتي "لبنى".
مرة أخرى الأسماء كلها تحمل عدة أوجه، قد يقبلها القارئ كما هي، وقد يجد فيها قارئ آخر ثمّة رمز أو دلالة، وكل كتابة هي عرضة للتأويل. قد أعود إلى وضع الأقواس حول الدلالة المحتملة للأسماء، وقد لا أفعل.
إشارة: يستهل إبراهيم عبد المجيد كل جزء من روايته بعبارة محفوظيّة النزعة والهوى: "رأيت في ما يرى النائم"
الجزء الأول | العائد إلى البيت في المساء
{رأيت في ما يرى النائم أنه كان هناك فارس عظيم، عرف بوجود مدينة خيالية. ركب فرسه، وذهب إليها، فوجدها محاطة بأسوار بلا أبواب. ظل ينادي أهلها، ولا أحد يرد. يأتي الليل فينام، ويأتي النهار فيصحو، ينادي ولا أحد يرد. مرّ به العمر، ولم يدرك أبدًا أن المدينة الخياليّة بلا سكان}
في الحكاية الأولى، أو أول أجزاء الثلاثية، يروي لنا إبراهيم عبد المجيد سيرة الخوف من البراح وافتقاد ألفة الجُب! يغوص الكاتب في وجدان بطله الحائر، وربما كانت حيرة الكاتب نفسه نهرًا شقّ منه رافدًا صبّ حيرته في نفس المكتوب.
كيف لسجين ألا يتأقلم مع الحرية، وهل من خلاص لهذه الأزمة العربية الخالصة؟ نحن لسنا امام متلازمة ستوكهولم، بل إننا أمام ظاهرة اسـتأثرت بها الشعوب العربية حسب ظني، فالسجين مُطلق السراح هنا لا يتعاطف مع السجان، لا يفتقده، لا يحقد عليه ولا يسامحه في ذات الوقت، إنما هو يشعر بالغربة حين ترحل الأسوار بعيدًا عنه! لذلك يحيطُ الحرّ نفسه بالطيوف والتخيلات، أفاعي وجنيّات ونسوة ندّاهات يطللن من شرفاتهن ليسرقن الحياة من قلوب الرجال العابرين، وسائق يحمل اسم الولي "إسماعيل الامبابي" يبزغ في كل الطرق والأزقة ليعيد مجدي إلى بيته، في المساء.
في غضون ذلك نتعرف إلى المحامي عبد الله، صديق مجدي الأقرب، رجل القانون الرافض للعمل في قضايا السياسة، والذي يحاول بدوره انتشال مجدي من محنته. ثم تنتشر في البلاد ظاهرة المنادين، أولئك الذين يجوبون الطرقات في المساء ويصرخون بما يشق دثر الصمت والليل ويمسّ القلوب:
"يا عدرا يا أم النور، سايبانا ليه في الضلمة؟"
البطلة هنا هي زينب زوجة مجدي، الأنموذج الأمثل للمرأة المصرية بكل ما تختزنه بين ضلوعها من قوة وعشق وإيثار واستعداد أبدي للزود والدفاع عن رجلها وعائلتها، كانت زينب امرأة لها سنام جمل فتيّ، وضروع ناقة مدرارة الحليب، وكانت هي المرأة التي صانت، والمرأة التي صبرت، والمرأة التي رقصت واحتفلت وجرعت النبيذ في حفل رأس السنة الذي أقامته في أرض الجمعية!
كانت زينب هي عمود الخيمة وحامية القطيع، وكان لها الفضل الأول في إبعاد الأفاعي السارحة على الحيطان من مخيّلة زوجها. الفضل الثاني الذي كان له أثر عظيم على استعادة الحياة لشيء من مجدي، لا العكس، يعود إلى الإرث الذي تركه أباه له. أرض خلاء في منطقة السادس من أكتوبر، هبة الله التي شاء أن يرثها مجدي حتى تكون نواة خلق عالم بديل لذلك الذي لم يعد يألفه. يقرر مجدي أن يتشارك مع مقاول في بناء عمارة فوق أرضه فيمنحه نظير كلفة البناء حصة من بيع الشقق، وأبو رقية هو المقاول، وزوجته المنتقبة التي يصر إنها جنيّة تتبادل القبلات مع سمير التايه في حفل رأس سنة مقام في إمبابة، والسائق إسماعيل الامبابي لا يختفي حتى بعد أن يشتري مجدي سيارته، والمنادون يواصلون مناجاتهم لأم النور، والأمن في تأهب مستمر، ومجدي يحاول طرد أشباحه والتخلص من ذاكرته التي تشتل الخوف في طريقه وأمام عينيه أينما مضى وكلما أسبل جفنيه.
لكن الذاكرة تأبي الإمّحاء، فرفقاء السجن يعاودون الظهور في المساحة الضئيلة بين الحلم والواقع، ويشغلون الحيز الضيق بين البصر واليقين، والشرطة تقبض على من ينادي العذراء المقدسة خوفًا من الفتنة الطائفية، والمحامي يدافع عن بعض المضبوطين منهم، بينما يهيم مجدي في طرقات أرض الجمعية ووسط البلد، يبحث عن أثرٍ من الحياة التي لفظته قبل خمس سنوات في قبو معتم، حتى ينتهي القسم الأول من الثلاثية بعودة أخرى إلى البيت… في المساء.
الجزء الثاني | طريقان للهروب
{رأيت في ما يرى النائم أن فرقة من الموسيقيين تعزف وسط صحراء خالية من البشر، وقد جلست على الأرض حولهم الذئاب والضباع والثعالب سعيدة تصفق، بينما فوقها وتحت السماء آلاف الطيور ترفرف بأجنحتها راقصة، والمر ساقط من السماء، لكن، لا أحد يبتل بالماء غيري، ولا أثر للمطر على الأرض}
نتابع في القسم الأكبر من هذا الجزء قصة تفرعت من بحر الحكاية الرئيسة، حكاية لبنى، الزوجة الهاربة من أبي رقية، المقاول السلفي المصاب بولع اقتناء النساء، وصاحب الصلات الوثيقة بالأمن. تقترب الحكاية من مدارات شريكها؛ مدرس الجغرافيا سمير التايه، فنعرف المزيد عن حكاية قبلته الأولى مع نور، الفتاة المصرية التي عشقها وأصيبت في ثورة يناير ثم غادرت مصر للأبد، ليظل التائه على تيهه طيلة السنوات التالية، حتى ليلة رأس السنة في بيت مجدي وزينب، حين أدار النبيذ والخمر رؤوس السهارى فكانت قبلته للبنى بمثابة ميلاد جديد لكليهما.
فلبني، أو أم رقية، لم تكن يومًا زوجة لأبي رقية، ولا هي أم لرقية، إنما هي واحدة من محظيات الشيخ المقاول المتنفّذ، جلبها من إحدى دور الأيتام بعد بلوغها السن المناسبة، إلى ڤيلته في أكتوبر حيث يحتفظ بالجواري والمحظيات، قبل أن ينقلها إلى شقته في أرض الجمعية في امبابة لترعى رقية، التي هي حتما ابنة امرأة أخرى. أغرق جسدها بالوشوم والرسوم ولم يتوقف عن وصفها بالجنيّة حتى آمنت بالأمر وصدقته.
أما سمير، فقد تحرر من كل متاعه دفعة واحدة عقب القبلة، تخلص من عمله وأقاربه وبيته وتاريخه، وانتزع لبنى من ظلمتها إلى براح منشود طال انتظاره. يقرر أن يخلق أسطورته وتغريبته الخاصة، تأسره حكاية عزيزة ويونس من السيرة الهلالية. يرتحل سمير ولبنى غربًا، يشقان فوق الرمال سيرتهما الجديرة بأن تروى بعد قرون، والخطة هي التسلل إلى ليبيا وتتبع الشموس الغاربة وصولًا إلى المغرب، حيث يركبان البحر إلى الأندلس كما يصر سمير على تسميتها وكأنها لن تسقط.
رجل تائه، وامرأة مأسورة يلتحمان ويتداخلان في لجة عشق ولوثة شوق كأنهما آدم وحواء وقد أمرا بإعادة اكتشاف الأرض!
أيقن إبراهيم عبد المجيد أن آدم وحواء بما عمّرا به الأرض من بشر قد حادا عن مهمتهما وفشلا في تنفيذ مشيئة الرب، فجعل من سمير ولبنى نواة خلق جديد موازٍ ومتداخل مع الخلق القديم.
أحببت كثيرًا شخصية سمير، التعاطف مع الاسم لا أنكره، بيد أن سميرًا قد حقق في رحلته هذه ما يصبو إليه كل رجل على وجه الأرض، وما صبا له كل رجل تستقر رفاته في باطنها، الحرية والبراح وإعلان الغرام والانشقاق عن أطر العادة والشب فوق أسوار المسموح، استعر غرام سمير ولبنى في أرحام التاريخ في مطروح، وفي كل بقعة خطواها في هذه الرحلة التي باركتها آلهة الحب، وكأنهما بالتحام جسديهما يعيدان الحياة إلى الحجر، ويشهدانه على أن ثورة الحاضر مشتعلة جامحة لن تتسع لها كتب التاريخ. لهذا كان اسم المهرب الأول الذي أسهم في نقلهما عبر الصحراء إلى ليبيا: أبو زيد الهلالي!
أما المقاول المطعون بهروب زوجته من الحرملك العصري، فلا يتوقف عن تتبع أثرها دون تدخل أو جنوح إلى انتقام، يستبدل بها امرأة أخرى يشاع بين ساكني بناية أرض الجمعية إنها جنيّة أخرى ، خطّافة رجال لا ريب.
في سياق موازٍ، نتابع مجدي هبة الله وقد شرع في بنيانه الجديد، كان بنيان الإنسان الذي يتشكّل في قلب مجدي يطاول البناء الحجري الذي شيده وأدرّ عليه الملايين. أراد هبة الله أن يصنع بيت البهجة في عمارته الجديدة، بيت البهجة للفنون، مركز لتعليم الموسيقا والفنون للأطفال ملحق بمكتبة يودّها هائلة تسمح بالاستعارة وتتيح القراءة للكافة، وزينب سعيدة مع الطفلين المبتهجين ببراح لم تعرفه أرض الجمعية.
وكلما خرج أحد رفقاء السجن، اعترت مجدي لهفة للتواصل معه، وزينب خائفة متوجسة تود أن تبتر جسورًا لم تزل ممتدة بينه وبين الزنزانة، فهذا رفيق الأمس يعمل في أحد مقاهي هايبر وان في أكتوبر، وذاك الآخر هو شقيق أحد الرفقاء يود أن يجالسه عقب حملات تدعو الناس للنزول للضحك المستمر في الميدان، مظاهرة للضحك خشي شقيق السجين الذي سجن لأنه يضحك أن يتهم باضطلاعه فيها. هكذا تظل الذاكرة حية رغم أن رغبة الحياة عادت واشتعلت جذوتها في صدر مجدي، وهذا الأخير يمضي قدمًا في تشييد عالمه الفاضل الجديد، دون أن يتخلى عن رفقاء سنوات السجن، الذين تعلم من مجالستهم ما لم يتعلمه طوال ثلاثة عقود قضاها حرًا. يساعد هذا ويقابل ذاك ويُشق صدره كلما سمع عن واحد منهم وقد ضل السبيل أو مات أو ظل دائرًا في ساقية الأيام الخمس والأربعين.
نعرف أن سمير ولبنى عبرا إلى ليبيا المشتعلة بالثورة والانقسام والحرب، تحقق لهما ما أرادا من هروبٍ مثّلا بحكايتهما طريقه الأول، في حين ظلت طريق الهروب الأخرى عصيًّة على مجدي وزينب، فالهروب من الذاكرة أكثر وعورة من الهروب من الوطن والكون برمته، طريق مخاتلة ملآنة بذيول الماضي التي لا تتوقف عن قطع الطريق.
الجزء الثالث | لأن في الدنيا نساء
{رأيت في ما يرى النائم أن المدينة خلت في النهار من قوات الشرطة. امتلأت بهم الميادين في الليل بعد أن ينصرف الجميع. سألت لماذا؟ أجابوني أن من يأتون في النهار يصيبهم الخرس، لكن، في الليل تنبعث من الأرض أصوات، يمتلئ بها الفضاء، ولا بد أن نعرف من هم أصحابها}
"فتش عن المرأة"، تلك المقولة الحائرة بين ألكسندر دوما وبونابرت وفرجيل، والتي تقال لوصم المرأة بأنها أصل الشرور، يعارضها هنا الكاتب السكندري الكبير بإخلاص عظيم.
يتوالى خروج السجناء، يختفي المنادون للعذراء، ترتفع بناية مجدي هبة الله ويعرف من العيش رغدًا يدفعه إلى التفكر في شأن العمل في المقاولات، كان مجدي وزينب قد تركا عملهما في المدرسة الحكومية إثر انتقالهما من أرض الجمعية إلى مدينة السادس من أكتوبر، يلتحق الولد والبنت بمدارس خاصة، ويتوافد الأطفال على بيت البهجة لتعلّم الموسيقى والرسم. أراد مجدي أن يشيّد حياة محاطة بأسوار البهجة، استبدل بالقضبان معزوفات الموسيقا وألوان الرسم، كأنه بذلك يحقق هروبًا نوعيًّا من الذاكرة عبر خلق ذاكرة جديدة عامرة بالبهجة، وهل في حياتنا ما يخلق البهجة قدر صخب الأطفال وانشغالهم بالفنون؟
تتكرر محاولات المُفرج عنهم للعودة إلى السجن، يواجهون ذات الصعوبات التي واجهها مجدي ويجاهد ليجد منها فكاكًا، خصوصًا مع تسرب الشخوص من إطار الذاكرة المحتجزة في الفعل الماضي، إلى الحياة السارحة في زمن المضارع، فها هو الشاب اليساري حسام وهدان يعاود الاتصال به عقب إخفاقه في إقناع المسؤولين بإعادته إلى الزنزانة، والفنان السكندري فخري يطالب المحكمة بعدم الإفراج عنه.
ثم يرسل فخري فنانًا تشكيليًّا ذائع الصيت ليقيم أول معارض الفن التشكيلي في بيت البهجة، تشرق شمس الفنون وتنقشع غمامة الذكريات عن سماء مجدي، ويشتري أو لوحة، وهي لوحة فخري لحب عمره، الفنانة السكندرية الراحلة سلوى، يرتدّ مجدي إلى محاورته مع فخري حين قال له الأخير في السجن:
"هل تعرف يا مجدي لماذا تستمر الحياة؟ لا تقل لي من أجل الأبناء وهذا الكلام، نحن نواصل الحياة، لأن في الدنيا نساء".
لكن الضباب لا يلبث أن يعاود حجب الضياء. يموت الشيخ يسري عقب خروجه من السجن، ويموت الضاحك بسام في السجن إثر نوبة ضحك شديدة، ويلقى قايد باي مصرعه إثر فتوحات نسائية أخرى. في ذات الوقت يتم الإفراج عن عيد محدّث النباتات، والشاعر حازم سمرة، يهيم الأول على وجهه في الصحراء، وينخرط الثاني في كتابة الشعر.
تغزو الخيالات عقل مجدي هبة الله من جديد، فتطل عليه النسوة العاريات من الشرفات، ويعود طيف السائق الذي يحمل اسم الولي للظهور. تتعاظم الشكوك، وتحتشد غيوم الذاكرة مرة أخرى.
على الجانب الآخر من العالم، يتابع مجدي وزينب وصول سمير التايه ولبني إلى المغرب ثم الأندلس، تكتمل تغريبة الهروب بوصول العاشقين إلى غايتهما فيقررا الذوبان في عالمهما الجديد، ذلك العالم الذي شقا طريقه وشيّدا معالمه بعشقهما الجامح. يتوقفان عن الكتابة على الفيسبوك ويتركان سيرتهما لتتخلق كأسطورة في عقول العوام. حكاية عاشق اختزل حياته بين قوسين، أولهما قبلة، وآخرهما قبلة.
في ذات الآونة، تعود إلى طرقات القاهرة أصوات المنادين:
"يا عدرا يا أم النور سايبانا ليه في الضلمة؟"
وتأتي خاتمة الرواية في احتفال آخر برأس السنة. في مدينة السادس من أكتوبر هذه المرة، ذات الحضور القديم من أرض الجمعية في إمبابة، وقد انضم لهم أهل الفن ممن اجتذبهم بيت البهجة، ينخرط الجميع في احتفالية بأمل واهن لم يتوقف عن النبض، أمل بغدٍ مغاير لما كان، غد يشكل ذاكرة بديلة تزيح ما راكمته سنوات التيه والشقاء. وفي ذات المشهد الختامي البديع، يحتفل المسجونون برأس السنة، في الميدان الذي اضحى فارغًا، مهجورًا ومنسيًّا…
ختام
عمل إبداعي يحمل عبق الذكريات القريبة، وعصارة الخبرة، يزاوج بين الألم والأمل في إطار واحد، فيدق عدة إجراس لن يسمعها إلا العقلاء. كان إبراهيم عبد المجيد رحيمًا بدور النشر المصرية السابحة في أفلاك المسموح حين حمل روايته هذه، وعبر البحر رفقة شخوصه، ليسلم حكايتهم إلى دار المتوسط في إيطاليا.
رواية بديعة جريئة، لم يجرؤ كاتب مصري على كتابة كهذا منذ الثورة. حكاية يتدفق سردها لما يجاوز سبعمائة صفحة حتى تنتهي أوراقها والقارئ لا يمانع مواصلة القراءة وتتبع مسارات هؤلاء الشخوص والاستزادة من حكاياتهم.
وللمتصيدين أقول: لسنا أمام رواية سياسيًّة، لكنها رواية إنسانية صارخة، لا تدخل في صدام مع شخص بعينه، بقدر ما تعرض صدام الإنسان مع نفسه، مع أفكاره، مع واقعه المرهق، ومع الوتيرة المتسارعة لزمن لا يمنح فرصة لالتقاط الأنفاس.
مجدي هبة الله شخص غير مسيّس، وجد نفسه في المكان الخطأ دون ذنب أو جرم، لكنه اكتشف العالم الحقيقي في أفكار صحبة السجن على تضادها، ووجد لديه القدرة على التعاطف مع الجميع. استطاع مجدي هبة الله أن يقبل الجميع بمختلف ميولهم وأفكارهم؛ الأمر الذي لم تنجح في بلوغه الغالبية الساحقة منا حتى اليوم.
هذه رواية تهتف بالتسامح وحب الحياة، وتفتح مصاريع السماء رغم البلاء على آفاق حلم لن يغيب، حلم التعايش والتعافي من آثار النكبات وما أكثرها.
رواية ترفع رايات الحب كمسلك وحيد للنجاة.
كلمة الحب، تلك الكلمة العذبة المطاطية تظل قابلة للتمدد واحتواء كل ألوان الحب، حب زينب لمجدي وإصرارها على استعادته من الجب المتخيل، وإعادة غرسة في تربة جسدها المعطاء، حب سمير ولبنى المغلف بالجموح، الرافض لكل ما جاء في قواميس العقل وسنّته العادة، حب فخري لسلوى، حب الأطفال للموسيقا والرسم، حب عيد للنباتات، حب حازم للشعر، وحب حسام للتجوال في شوارع خلت من المارة، وحب قايد باي للمغامرة…
ذلك الحب الذي ينبغي أن نعيده إلى البيت، فيفتح طرقات الهروب من وجع الذاكرة، ويستمر، لأن في الدنيا نساء.
في محبة إبراهيم عبد المجيد، ولتفرد عوالمه، نقرأ رواياته، هذا الرجل الذي يتلقى اليوم علاجه في سويسرا إثر معاناته مع متاعب صحية أليمة، يجب أن يكرّمه القراء وتتابع الدولة حالته، فقد اكتظت الذكريات في حقائب كاتبنا المصري الكبير، حتى اعتلّت فقرات ظهره وأسلمته لمباضغ الجراحين، فاستبدل بالقلم عكازًا…
إن قراءة هذه الرواية الملحمية هي أفضل دعاء يمكن أن يمنحه القارئ لكاتب يحبه، والسماء التي وهبت من أسرارها نفحة الخلق لحملة الأقلام الذين اصطفاهم الخالق بموهبة فطرية، لن تبخل على العم إبراهيم بالشفاء، ولن ترد الدعاء الذي يتصاعد من طرقات المحروسة ويطال أبوابها الزرقاء.
فيا فاطر النور من رحم السماء، ويا عدرا يا أم النور، أعيدوا لنا عم إبراهيم وقد زالت آلامه، وشُفي قلمه الموجوع، وتحررت ذاكرته، وفقراته، مما يثقلها…
وماتسيبوهوش في الضلمة ❤
تاريخ النشر في المدونة: 2021-11-27