محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

آخر الرعيّة… كتاب الطُّغاة المقدّس.

عرفتُ أبو بكر العيادي مترجمًا جاد على القارئ العربي بترجمة مجموعة من أهم الروايات لكُتّاب مثل تسفايج وإريك إيمانويل شميت وبيدرو ميرال ومواسير سكليار وأميلي نوتومب وغيرهم، ثم تفاجأت أن المترجم التونسي القدير هو بالأساس روائي مكين، صدرتْ له أكثر من رواية خلال العقدين الأخيرين، وجاءت روايته "آخر الرعية" الصادرة في طبعتها الثانية عن داريّ مسكيليانى ومسعى عام ٢٠١٨، لتبيّن لي جهلي بكاتب روائي عظيم وأديب عربي من طينة العمالقة.
أمر محزن ألا ألتفت إلى أعمال هذا الكاتب من قبل، وألا ينصحني أحد باستطلاع نصوص العيادي، لكن وجودي ضمن نادي قراءة "صُنّاع الحرف"، الذي يضم باقة قلّما تجتمع من الكتاب والقراء العرب، أتاح لي أخيرًا فرصة تأمل ما نظمه هذا الكاتب العتيد، عبر نص سردي متكامل العناصر ومتجانس البنيان.
لذا، فأنا أود هنا أن أشكر القائمين على اختيار الروايات التي نقرأها في النادي.

● رعايا دويلات عُربانيا يتصارعون حيال جنسيّة الكبير!

في زمان قريب، وفي مكان يراوغ جغرافية الأرض المتعارف عليها، نقرأ سيرة كبير "عُربانيا". وعُربانيا بلد عربيّ بامتياز، يقودها قائد يستوي على عرشيّ الأرض والسماء، يحدد المقادير ويوزع أنصبة الحياة على الرعية كيفما يشاء؛ حاكم عربيّ بامتياز، يحمل ألف وجه لألف حاكم سادوا ديار العرب منذ قرون، حتى أن القراء من مختلف البلدان العربية ربما يتصارعون على انتزاع ملكية هذا الحاكم الأبديّ، فيراه هذا عراقيًّا، ويؤكد ذاك أنه ليبيّ، ويقسم آخرون أنه سوريّ أو يمنيّ أو مصريّ أو تونسيّ، وواقع الأمر أنه حاصل جمع، وناتج صهر كل حكام دويلات عُربانيا الفعلية من المحيط إلى الخليج؛ الأمر الذي أعدّه اانجاح الأول للكاتب في رواية زاخرة بنقاط القوة ومواضع الجمال والتفوق الأدبي.
منحنا العيادي طاغية من لحم ودم، وعرّى أعصابنا ألف مرة بينما نطالع سيرته  كأننا نستكشف مخطوطات الماضي ونطالع الصحف اليومية في آن واحد، فتركنا نتصارع ونتشاحن؛ أيّنا أحق بنسبه إلى بلاده؟

● حكاية واحدة وثلاث كاميرات:

كان الكاتب موفّقًا وذكيًّا حين قرر تنحية الراوي العليم عن منصته السرديّة، واعتماد تقنية الراوي المتكلم عوضًا عنها، فحقق بذلك ما أراده، إذ تنقلت الحكاية بين ألسنة الرواة حتى توحدت وتجانست، وتمت كما أراد لها أن تنتهي.

في الباب الأول، أو من خلال الكاميرا الأولى، نقرأ الرواية من منظور حاشية السلطان وبطانته، من خلال شخصية الباش كاتب "عبد الكبير"، فنعرف كيف تدجن الرعية وتطهى المصائر في أفران القصور. تجلّت براعة الكاتب اللغوية في هذا الباب من كتابه، إذ منحنا نصًّا يضاهي في تفرّد مفرداته كتب التراث وحكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة. أربكني هذا الاجتياح اللغوي لعقلي الذي لم يعتد مثل هذه الغزوات والفتوحات اللغوية إلا في ما ندر، شعرتُ بعدم التناغم بين اللغة وزمن الرواية، بيد أنني أدركت حالما انتهيت من قراءة الرواية، كم كانت عبقريّة الكاتب في هذا الباب فريدة في تبيانها لحقيقة مرّة، مفادها أن أوطان العرب لم تزل محكومة بمفردات جامدة وعقلية ثابتة منذ قرون. تغيّرت خرائط العالم وقفزت الأرض خطوات شاسعة في مدارات العلم والتقدم، بينما نحن، أي العرب، نسطر في صحف اليوم ما خطه الأقدمون في صحف التاريخ. ما نحن إلا نتاج معيب لمخلوقات هجينة تعيش تكرارًا دورة حياة دودة قز تتوقف قبل التحور إلى فراشة، ندور ونطوف في عتمة الشرانق، ونتوقف قبل أن تنبت من أكتافنا الأجنحة.
نقرأ كلمات الباش كاتب فتثملنا بلاغته وتعبيراته الجزلة، وكلمه المغزول على أنوال الأولين من فرسان القلم، كلماته مقفاة وأشعاره فذة، أما حكايته فهي كشّافة فضّاحة صادمة تزيل أوراق التوت عن عورات القصور كلها، وتقدم للقارئ ماهيّة البطانة التي تقدر الأقدار من وراء الستار. في كل قصر عربي ثمّة عبد الكبير، يزوّر الحقائق ويحيك الدسائس ويضع بين الحاكم والرعية ألف جدار، يسوس الناس دون أن يتبوأ سدة عرش ولا حتى وزارة، لكنه في واقع الأمر سلطان على السلاطين.

عبر الكاميرا الثانية، يعتلي كبير عُربانيا منصة السرد، مغامرة جديدة يخوضها الكاتب بثقة العارفين، فيقدم لنا رواية المستبد عن الضحية، ورؤية الظالم للمظلومين، ويفاجئنا الكبير حين يفصح عن معرفته بالمتملقين وضاربي الطبول، وكيف يتلذذ بإذلالهم وهم يلقونه بنظرات العابد الناسك شطر السماء. جنون العظمة مفردة ضعيفة لا يجوز أن نستخدمها في وصف الكبير، لكن أحد الرفاق في نادي القراءة، وهو الدكتور أحمد، الطبيب النفسي، تفضل بوضع التشخيص الأمثل لهذه الحالة التي حيّرت المؤرّخين العرب منذ قرون، فأضاف إلى علمي مصطلح "الجذام النفسي"، حيث تتعطّل الحواس الشعورية لدى الحاكم، كما يحل العطب ويستبد المرض بأطراف المجذوم. ويكفي للتدليل على عوارض هذا المرض إن نستمع إلى الكبير وهو يتساءل في دهشة صادقة عقب فوران الرعية؛ لماذا يثور هؤلاء؟!
نلاحظ في هذا الباب تغير مستوى اللغة بما يناسب شخصية الحاكم، فهو هنا رغم قوة اللغة وبراعة التعابير والتشبيهات، لا يستخدم لغة الباش كاتب العامرة بالزخرف اللغوي الفريد، بل يُنطق الكبير بلسان الزعيم الذي اعتاد الخطب العصماء أمام جموع تلتحم نظراتها بظلالها.

في الباب الثالث، تتحرك الكاميرا في زاوية منفرجة، فتخرج من نطاق القصر لتنقل لنا صورة موجعة لخراب عُربانيا التي سقطت كغصن يابس بين عشيّة وضحاها. والسيناريو معروف ومتكرّر، تدخُّل خارجيّ لدول عظمى، مقاومة حنجوريّة من الكبير وبطانته، ثم افتضاح لهشاشة النظام، يعقبه فرار جماعيّ وسقوط مدوٍّ، ثم؛ حاكم يتسربل بعباءة مُلْك زائل، يهيم في البرية.
ومن قلب هذا الخراب الذي تنقله الصفحات في مشاهد تصويرية متعاقبة، مطرزة بالبؤس والشقاء، تنبت زهرة غرام لا يعرف مفردات الانتقام، ضلعاه شاب من ضحايا الكبير هو المهدي، وامرأة من سباياه هي شامة.
ولعلني أنحاز هنا إلى عذوبة الغرام على حساب عذوبة اللغة في البابين الأول والثاني، فالعيادي يمنحنا في هذا الباب نبتة أمل من دون أن يضمن استمراريتها، يغرس شتلة الهوى بين الأنقاض والأسلاك الشائكة وضحايا الحرب المشوّهين كأنه يتركها عهدة بين يدي القارئ.
وبطبيعة الحال، جاءت رواية المهدي بن جابر للحكاية مغايرة من حيث زاوية الالتقاط والمفردات المستخدمة، وحين تصادف أن مر به الكبير الجوّال بين الأزقة المفرغة من الحياة، الباحث عن رعية يحكمها حتى يستحق أن يتبختر بين الناس كبيرًا مرة أخرى، جمعته به محاورة مهمة ومحورية عضّد من قوتها عدم تعرّف المهدي على الكبير، وقد بات الأخير محض عابر سبيل رث الثوب معطوب الدماغ. في هذه المقاطع الحواريّة التي جمعت بين الحاكم والضحية في اللقاء الأول، يتحسّس القارئ حجم الهوة الفكرية العميقة التي تفصل الحاكم عن المحكوم، والعكس.

وفي النهاية، الكبير لا يموت، لأن الرعية تصنع كبيرها الجديد، والرعيّة وإن انقسمت بين الأناركيّة والعبودية الطوعيّة، فهي لا تلبث أن تختار كبيرًا جديدًا يُحمل فوق الأكتاف ويعتلي العروش والمنابر، كأن الخيار العربي الدائم "أنا أو الفوضى" هو الأكثر نجاعة والأشد مفعولا بين رعيّة لا تؤمن بحقها في الديمقراطيّة.

● ختام:
رواية تستحق أن تُخصّص لها عشرات القراءات والأوراق البحثيّة. تنبثق من حاكم طاغ مستبد، وتنتهي بذات الحاكم وقد بات آخر الرعيّة في مملكة لا تضم سواه.

رواية صعبة في صياغتها، لغة مربكة في كل حالات تفرّدها وتلوّنها وتفاوتها، بيد إن اللغة التي كانت ربما أهم عناصر القوة الظاهرة للنص، كانت أيضًا أهم أدوات الكاتب لتحقيق الإسقاط الذي أراده بخلق مقاربة بين التاريخ والواقع.
خفّة ظل قوية الحضور، سوداويّة الأثر، بورتريهات الشخوص شديدة الإتقان، بل يقارب بعضها الكمال في التصوير والتعبير والتبرير. هنالك العشرات من التفاصيل الهامة التي وردت على كل الألسنة ولا يتسع لها المجال هنا. لكن؛  يمكنني الجزم بأن الرواية تناولت أمورًا سياسيّة عربيّة شديدة الخطورة والحساسيّة، من خلال المحاور التالية؛
تأليه الحاكم، إنهاك التاريخ كشطًا وتعديلًا بغية منح الحاكم النسب الذي يرتضيه، المرأة كسبيّة دائمة في قصور الطغاة وضحيّة ثابتة في كل العصور، دور الحاشية المستترة في تشكيل الواقع الظاهر، الانتخابات ذات العلامة الكاملة التي شهدنا عليها في أكثر من بلد عربي خلال العقود المنصرمة، نفاق الشيوخ ورجال الدين للحاكم، حفلات التعذيب والتنكيل للمعارضين. والأهم؛ خلود الحاكم، وجنوح الرعية إلى الاقتياد، الأشبه بتوق العبد إلى تمزيق صك العتق إذا منح إياه.

بكل أسف، اعتذر الكاتب التونسي القدير عن الحضور في الساعات الأخيرة، وكم كنت أود أن أناقشه في أكثر من أمر ليس من بينها جنسيّة الكبير بطبيعة الحال، لكن؛ ربما يجمعنا لقاء آخر وقد هرعت لجلب رواياته الأخرى من تونس، قدر ما يتاح منها.

في الختام، هذه رواية استشرافيّة بامتياز، كُتبتْ أول مرة بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠١، كأن الكاتب اعتلى ربوة الخيال حاملا في جعبته صحف الأولين وأخبار السلف الطالح، ليتنبأ بما هو مقبل على ديار العرب، فخرجت روايته كأنها كُتبت بعد الربيع العربي، وتأثرت بما انتهت إليه مصائر بعض القادة العرب، لكن الإعجاز هنا أنها كتبت قبل أوّل ثورات الربيع الغربي بعقد كامل من الزمن!

" آخر الرعية"؛ أضعها -بمنتهى الأريحية- ضمن أفضل ما قرأت من روايات عربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولو كان الأمر بيدي، لجعلت توزيع نسخة من هذه الرواية إلزاميًّا على المجتمعين في مؤتمرات القمة العربية، ومجلس الأمن.

شكرًا سي بوبكر، رواية عظيمة ستعيش طويلا.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2022-05-10

المصدر الأصلي على ووردبريس