محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

"جيّد بما يكفي" لحاتم حافظ؛حكاية بلا فواصل، عن حياة تسرّبت بين النقاط…

التجربة الثانية لي مع الكتابة الروائيّة لحاتم حافظ، وهي تجربة مغايرة تمامًا لروايته السابقة "كقطة تعبر الطريق" من حيث البناء والتقنية. كنت أبديتُ إعجابي بقطة تعبر الطريق، وجاءت "جيد بما يكفي" لترسخ هموم الكاتب المهجوس بالماضي، فكما ناقش صعوبة الفكاك من أثر الماضي والتحرر من شراكه نحو الغد في الرواية الأسبق، يطرح الأمر هنا من زاوية مغايرة؛ أزمة استدعاء الماضي، وصعوبة استكشاف ميراثه ومراوغة فخاخه، في ظل حالة الشتات التي تسيطر على بطل روايته "جيّد بما يكفي".

استهلال الرواية يكشف لنا عن شخص بلغ من العمر مئة عام. قرن كامل قضاها هذا الكائن البشريّ فوق الأرض. كاتب سابق للروايات العاطفيّة، هو الآن كهل وحيد يفتقد الألفة والمؤانسة، والأكثر إيلامًا: يسعى إلى لملمة نثار ذاكرة ذرتها ريح الزمن منذ زمن لم يعد قادرًا على تمييز فصوله.

تلقائيًّا؛ جاء الاستهلال ليحليني إلى رواية السويدي "يوناس يوناسون" الشهيرة "المئويّ الذي هبط من النافذة واختفى"، وهي رواية تتناول سيرة رجل يهرب من دار للمسنين ليلة احتفاله بعيد ميلاده المئوي، بيد أن رواية حاتم حافظ جاءت محمّلة بلفحة من حنين، وبالشواش المرتبط بتداعي الوعي، بينما تمحورت رواية يوناسون حول لذّة الكشف والتقصّي، وإعادة اكتشاف التاريخ العام في ضوء مساهمة بطله في تشكيل الأحداث المفصلية.

عنوان الرواية جاء مناسبًا لتوصيف حياة امتدّت لقرن كامل، ووضَع معيارًا واضحًا لتقييم البشر للحياة وإن طالت آمادها: هي فقط جيّدة بما يكفي؛ هذا في أفضل الأحول! أما الغلاف الذي اختزل الحكاية في الخطابات الضائعة أو الممزقة بين العجوز والحبيبة الضائعة، فقد كنتُ أتمنى أن يستلهمه المصمم من فكرة الصور الممزّقة، أو التالفة، أو الممحوّة.

الملاحظة الأولى لديّ بخصوص "جيّد بما يكفي"، هي قدرة الكاتب على خلق رواية بوليفونيّة رغم استخدامه لراوٍ متكلم وحيد! إذ أن اتساع الرتق في ذاكرة الراوي جعله يظهر بأكثر من صوت إبّان سرده لذات الأحداث، فالأم تموت بأكثر من طريقة، والأب تتباين صورته بين فصل وآخر، والأخت ترحل عن العالم في أكثر من تاريخ، وكذلك علاقاته الملتبسة بالنسوة اللاتي دار في أفلاكهن، أو تماسّت طرقهن بدربه المحفوف بالشكوك، خصوصًا المرأة التي امتلكت قلبه فاحتفظ بسيرتها وإن تكاثف الضباب أمام وجهها.

جاء هذا البناء السردي لينبذ النسق الكرونولوجيّ للسرد، البحث جارٍ والعيون شاخصة في صور تستغيث بمن يرد لها كينونتها، لا تصاعد مباشر في الأحداث، بل دوّامات تدور حول أزمة الكهل، ثم لا تلبث أن تتناسل وتتكرّر دون أن يتشابه الحكي رغم ثبات الحكّاء. أمر طبيعيّ في ظل التداعي الحر لبطل تهاوت جدران ذاكرته، فبات يتحسس التفاصيل ويستنطق، وهو الحيّ، سائر الموجودات الجامدة، يأتي هذا عبر انخراطه في تصفّح مجموعة من الصور القديمة؛ لقطات أضحت هي كل ما يحتفظ به من مفردات ومعالم قرن كامل.

الملاحظة الثانية، وهي الأهم حسب رأيي الشخصيّ المتواضع، هي إقصاء الفواصل من النص! وأنا هنا لا أعني الفواصل بين المقاطع (*)، أو تقسيم وتبويب الفصول، بل أعني فقط الفاصلة (،)!
فإذا غضضنا النظر عن ظهور الفاصلة في ست أو سبع مناسبات في نص قوامه مئة وخمسين صفحه، كانت العبارات كلها مختتمة بالنقطة (.) ولا شيء سواها! في بادئ الأمر تصورتُ أن النص يشوبه ثمّة قصور في التحرير، لكن، مع توالي الفصول تيقّنت أن الأمر عمديّ من دون شك. فكان أن عُدت إلى قراءة الرواية من بدايتها، بعدما أنهيت ثلثها الأول.

{في حكاية منسوبة إلى الإسكندر الأكبر -وربما إلى جلجامش- يُروى أن الملك الباحث عن ماء الخلود قد وصل في بحثه إلى مبتغاه، فملأ قربة ضخمة بالماء المقدس الذي يحمي شاربه من الموت، وكان أن استسلم الملك إلى نوبة نعاس، فجاء غراب مكير تمكّن منه العطش وراح ينقر القربة ويجرع ما تساقط منها من قطرات ماء الخلود، وأفاق الملك ليجد أن قربته باتت خاوية، فعاد كما جاء، محض بشريّ لا مفرّ له من ملاقاة الموت، بينما نال الغراب الخلود الأبديّ}.

لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني هذه الحكاية التي قرأتها في رواية ما - رواية البحث عن وليد مسعود في الأغلب – وأنا أتابع النقاط التي تتساقط بين المقاطع السرديّة للعجوز المئوي المتكلم. كل الجمل قصيرة، وكلها تنتهي بالنقاط، حتى إن جاءت الجملة التالية معطوفة على ما قبلها! تجاهل العجوز قواعد الكتابة وعلامات الترقيم، وهو الكاتب المنسيّ الذي نال من الاشتهار حظًا وافرًا قبل عقود، فجاءت عباراته كأنها كلها عود على بدء، كل عبارة تنتهي لتبدأ عبارة جديدة تتعمد تجاهل العبارة السابقة وتكفر بشرائع الكتابة! مغامرة محسوبة حسب ظني، وإن كانت عير مضمونة العاقبة. حسب ظني وذائقتي؛ أحببتُ هذا الجنون والتجريب؛ إذ وجدتُ فيه ما يتّسق مع شخصيّة المتكلم المتعثّر بين الصور التي ما عاد يميّز وجوه ساكنيها، التائه في دهاليز ذاكرة سقطت حيطانها فباتت عرضة لكل عوامل التجريف والتعرية. تلك النقاط جاءت منافيّة للحكاية التي استعدتها عن ماء الخلود، إذ أن النقاط هنا جاءت لتوثّق استحالة الحفاظ على قالب واحد للذكرى، فما بالنا بالبشر؟

من هذ المنطلق، وعبر هذه التقنية المستحدثة، يستقبل القارئ شذرات من حياة الرجل المئوي، كأنه يلملم قطعًا من بازل غير مكتمل، وقد قبل بعقدٍ وقعه مع الكاتب منذ بداية الرواية؛ هذه الرواية لن تكتمل، وهذه الأحداث لن نستوثق من صحتها حتى النهاية.

عبر هذا المدخل يمكننا لاحقًا أن نبوّب ونفنّد ما نشاء من الأفكار المطروحة في هذه الرواية، وهي كثيرة رغم محدوديّة صفحاتها، وعملًا على تجنب "حرق" الأحداث الرئيسة عبر سرد التفاصيل، سوف أتوقف أمام بعض المحاور الأساسيّة في تكوين شخصيّة هذا الرجل مسلوب الذاكرة:
موت الأم وعلاقته الضبابيّة بالقدرة على الابتسام. استمراريّة الذكرى عبر استدعاء الفاقد للمفقود. العلاقة مع الأب وتنقّلها بين أطوار الكراهية والحب والافتقاد. العلاقة غير السويّة مع المرأة وانطفاء الشغف بتحقّق العُري. علاقة الكاتب بالسلطة، والصلة بين الكتابة والفن. علاقة العجوز بالفتاة التي تخدمه (ثمّة محاورة مهمّة تدور بينهما قرب خاتمة الرواية). فكرة الانتحار كمرادف لتخليد الذكرى. جمود القلوب الذي يعكسه بوار الرواية العاطفيّة التي طالما كتبها الراوي حتّى توقف حين عرف أن القراء ما عادوا يستهوون القصة العاطفية المدجّجة بمشاعر الشوق والتوق إلى وصال الأحبّة. وأخيرًا؛ أضع بين قوسين ضخمين عبارة "التعاطف"، ومن ثمّ اختزال التفوق البشريّ في قدرة الإنسان على التعاطف مع الآخر.

كل هذه الأفكار وغيرها جاءت كروافد متفاوتة الاتساع لحكاية رجل فقد ذاكرته ويرمي إلى استعادة ما تيسر من فصولها. أما عن النهر الذي تتشعّب منه هذه الروافد فهو حشد متقن لثنائيّات ضديّة، أهمها الموت والخلود، الذكرى والفناء، والماضي والمقبل.

وفي خضم هذه الأفكار والأضداد، وهذه الحالة من التيه والتعثّر بين الصور والوجوه والأزمنة، يمنحنا حاتم حافظ نفحة أمل هادئة تفوح منها رائحة الحياة في ختام الأحداث، فها هو المئويّ يستعيد شغف الكتابة، فيقرّر أن يكتب رواية مغايرة لما كتبه طوال حياته، رواية عن أمه! وبرغم مشروعيّة شك القارئ في قرار الكاتب الذي قد ينسى قراراه هذا إن امتدت به الرواية لصفحة إضافية، يظل حضور هذا الأمل -وإن جاء شفّافًا مراوغًا- هو النهاية المثلى لحكاية لم تكتب كاملة، ولم تنته، ولا أظن أنني أود الاطلاع على نهايتها إن أتيح لي ذلك!

وإحقاقًا للحق؛ ما أصعب أن تروي حكاية على لسان كهل عاش مئة سنة، كان هذا هو التحدي الأكبر الذي اجتازه الكاتب في هذا النص.

تحية جديدة لحاتم حافظ، اكتشاف متأخر نوعًا ما، لكن هذه التأخر يخلق لديّ حالة مضاعفة من نشوة الفوز بقراءة أخرى جيّدة، لكاتب اكتشفته منذ عام واحد.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2022-05-10

المصدر الأصلي على ووردبريس