ماكيت طارق إمام، وقاهرتنا المقهورة... رواية عن رميم الثورة، أم ثورة على ثوابت الرواية؟

لظروف مختلفة، والتزامات كثيرة، وضغوط لا مجال لذكرها، لم أقرأ من روايات القائمة القصيرة للبوكر العربية هذا العام إلا "ماكيت القاهرة"، وهي رواية أقل ما يقال عنها أنها قفزة هائلة في مضمار السرد العربي المعاصر، وثورة على المعمار السائد أو المألوف للرواية العربية. رواية تخترق حاجز المكان الواقعي وتخلق مكانًا موازيًا تُجدل فيه الأزمنة ببراعة كما تجدل جدّة عجوز ضفائر حفيداتها، لتترك القارئ مبهورًا كما الصغيرات إذ ينبهرن بضفائر الجدّة المحنّكة، تلك الساردة البارعة التي عركتها الحياة فأشرعت نوافذ عقلها لخيالٍ حلّق بها في آفاق لم تخفق فيها أجنحة قبلها.
حين شبّهت المعمار السردي لطارق إمام بالمعمار الهندسي للعراقية العظيمة زها حديد عقب قراءة رائعته (طعم النوم)، لم يكن الأمر ضربًا من المبالغة بقدر ما كان مقاربة في محلها، فيكفي أن أشير إلى ثلاثة أشخاص يعيش كل منهم في مدينة يخلقها آخر، كأنك تطالع مجموعة لا نهائية من الانعكاسات في مرآتين متقابلتين. ربما سبّب الأمر انزعاجًا لدى البعض، وأنا أعذر أولئك القراء ولا أقلل من آرائهم، فقراءة هذا النص قد تصيب القارئ بدوار البحر، أو دوار الأماكن شاهقة الارتفاع، وتتطلب قدرًا غير هيّن من الصبر والتأمل والتأني، فعروس البحر التي ينحتها إمام على شاطئ خياله، تذوب ألف مرة في أتون الموج، ثم تتشكل من جديد رغم أنف البحر، وبين موجة وأخرى؛ تلتقي الصور المتناثرة من لوحة سردية كبيرة آثر الكاتب أن يهشمها، ليكلف القارئ بجمعها وإعادة صفّها، وهو أمر جد مرهق، لكن النتيجة تستحق. لذلك فإن من لم يستطع صفّ "بازل" طارق إمام بالطريقة الأصوب، ربما يرى صورة مشوهة للماكيت الذي نعيش جميعُا داخله من دون أن ندري، وربما من دون أن نرغب في إدراك حدود المكان الفعلي الذي نمتلكه داخل هذا الماكيت.
ثلاثة أزمنة وأربعة شخوص، ثلاثة ماكيتات وأربعة فصول، وقاهرة واحدة، قاهرة وحيدة، قاهرة مقهورة كأرملة تتسربل بالحزن، متألمة كفتاة قنصت عينها رصاصة طائشة ليلة عرسها.
يستحق هذا النص ما فُرد له من مساحات نقديّة، يستحق ما سال وسيسيل من حبر يسعى إلى استكشاف خباياه، لا أجد مبررًا منطقيًا، أو عقلانيّا، يدفع البعض إلى استنكار هذه الحفاوة الإعلامية والتشكيك في دوافعها! فالاحتفاء الذي قوبلت به هذه الرواية يمتد من المحيط إلى الخليج، والقراءات النقدية والانطباعية التي تعبر عن آراء القراء انحازت بوضوح إلى هذا النص، لماذا؟
لأنه نص يعادل ثورة، رواية تحطم أطر المسموح، وتفتح للقراء آفاق خيال طالما حجبته أحكام العادة والاستسهال، لأن هذه الرواية سيؤرّخ لها باعتبارها نقلة نوعيّة في الأدب المصري المعاصر، لأنها تتحدث عن الشارع، وتنحاز إلى الشارع، ترثي ثورة ضاعت وتمثل في حد ذاتها ثورة جديدة، تتقفى أثر العيون التي اقتلعها القناصون من أحداق أولئك الذين اعتقدوا أن طأطأة الرأس باتت أمرًأ اختياريًّا. رواية تقتص من أصابع تحرك خيوط مصائرنا، ووجوه تتشابه ولا تتغير، وطغاة يخشاهم الموت.
باختصار، أحبّ أغلب القراء هذه الرواية لأسباب كثيرة، ربما يكون من ضمنها براعة المزج بين الواقعي والمُتخيّل، وضفر الأزمنة وخلق الأماكن المتداخلة، ومنح الخيال قداسة غير مسبوقة، والتشكيك في ثوابت المكان والزمان الذي نعيشه، ربما لما حوته من فلسفة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، لأنها تتماس مع مفردات الحياة اليومية للكثيرين، أو لأنها تشير في واحدة من حبكاتها الدائرية المتشابكة إلى قتل الأب، وما ينبثق عن ذلك من صفعة تهوي على وجه النظام الأبوي برمته، أو لأسباب أخرى. بيد أن شدّ ما جذب القارئ إلى ماكيت القاهرة، حسب رأيي الشخصي، هو أنها رواية تهتف في كل سطر من سطورها، في كل كلمة، وفوق كل نقطة تتراقص فوق الكلمات، سرًا وجهرًا، بحروف كلمة واحدة لم تعد دارجة اليوم: كلمة "حرية".
لا أخجل من إعلان انحيازي إلى ماكيت القاهرة، لكنه انحياز حذر يسوقه إعجابي الصادق بما يكتبه طارق إمام، منذ سنوات، وانبهاري بروايته هذه، علاوة على انتمائي إلى مصر بطبيعة الحال، وتمنياتي المتواصلة بتتويج مصر بأهم جائزة أدبية عربية بعد غياب طال.
لن أقدر على القطع بأن الرواية هي الأفضل والأحق وإن قال ذلك آخرون، ذلك لأنني -كما أسلفت- لم اقرأ الروايات الخمس الأخرى في القائمة، وإن ادعيت عكس ذلك لأحسم فوز ماكيت القاهرة، لكنتُ ساعتئذ من المنافقين، وهو ما لا أقبل به، ولا يُرضي طارق إمام نفسه.
فلتفز الرواية الأجدر بالفوز حسب رأي اللجنة، أما ماكيت القاهرة فقد فازت بالكثير، وحصادها مستمر وإن لم تتوج.
وكما قال طارق، المثقف المجدد الذي ترعرع في ظل قامة تنويرية سامقة هي "الأستاذ القدير سيد إمام": لا خاسر في الكتابة.
فزت يا طارق أو لم تفز، فقد ربحت، وربحنا.
تاريخ النشر في المدونة: 2022-05-29