احتضار فرس صويلح؛ ورّاق الحب ينعى زمان الحلم الأخضر...

في روايته الأحدث "احتضار الفرس" الصادرة عن دار المطبوعات في بيروت، يطلّ علينا الكاتب السوري القدير خليل صويلح بوجه منهك، وملامح مغايرة لما ألفته عيون القراء، علاوة على نبرات صوت بحّت في إثر وداعات لا تنتهي.
باختصار؛ لقد قرأت للتوّ أوراقًا مخضبة بدموع كاتبها، واستمعت إلى أنينه الذي لم يعد بالإمكان كتمانه.
ولا يمكن أن أستهل قراءتي الانطباعية عن هذا النص بما هو أفضل من قول الشاعر:
أرحل بعيداً في متاهات فكري... نشوانًا من السُكرِ
أتمايل يمينًا وشمالاً... أُمطر دموعًا... تتحول إلى أناشيد..
.
تتميز أعمال صويلح في العموم بتتبع مسارات ومصائر الأحلام المبتورة، والحكايات غير المكتملة، والشخوص الذين تسربت سنواتهم إبان ملاحقتهم للسراب؛ السراب بشتى أطيافه. لكن هذا النص يحمل نكهة خاصة، كأن ورّاق الحب قد استبدل الهوى بالأسى، وتحول من تأطير الأحلام وتطريز النهايات المبتورة فوق هوامش صفحاته، إلى تدوين سجلٍّ موازٍ لكل ما سقط من شرفات الأمل خلال السنوات الماضية، وكل ما تشوهت ملامحه في مرآة الذاكرة؛ شخوص، وأمكنة، وأفكار، وأوبئة، وحملات تأديب، وتواريخ، وشعارات.
لذلك -ربما- أميل إلى القول بأن رواية "احتضار الفرس" تعد بمثابة نقطة الذروة في أدب خليل صويلح.
الحكاية الظاهرة
تدور الحبكة الرئيسة للرواية حول رحلة الراوي إلى مسقط رأسه بغية وداع أمٍ فارقت الحياة قبل أن تمنحه الأقدار فرصة لقياها، يُعلن الراوي منذ البداية -وهو صحافيٌّ مهتم بالأدب ويكتب المقالات بغية تأمين قوت يومه- أن رحلته هذه تتناص مع أكثر من نصٍ عالميّ، يأتي في مقدمتها الغريب لألبير كامو، بيد أن النص الأكثر حضورًا وتأثيرًا على مخيلته في أثناء الرحلة من قبر مفتوح كدمشق، إلى قبر صغير يحوي ما تبقى من أمه (وأعني هنا مخيّلة الراوي وليس الكاتب)، كان "بيدرو بارامو" لخوان رولفو، وما حوته دفتيه من ثيمات العودة إلى الأصل، والحنين الجنيني إلى الأم/الأرض، وتمييز الخيط الشفّاف بين الحياة والموت.
في رحلته إلى مسقط رأسه، بينما يطير ذهابًا ويعود برًّا، تتشابه المشاهد وتتوحد الموجودات؛ جنود ومرضى وحقائب وتوابيت ومخيمات، تمثال المعرّي مبتور الرأس، تزاحمه في مخيّلة الراوي الرأس المبتورة لـ "خالد الأسعد" حارس آثار تدمر، التي لم تجتمع بجسده حتى اليوم. الكاتب يكشف منذ السطور الأولى عن هاجس دائم يؤرقه، ألا وهو الأجساد التي تبحث عن أشلائها المفقودة، والأشلاء التي تتطاير في رحلة بحث يائسة عن قبر يجمعها بجسدها المفقود، مع التركيز على غياب الأذرع عن أجسادها كقاسم مشترك بين أكثر من حكاية، ربما كدلالة على العجز عن حمل السلاح، أو عن الفعل، أو عن تدوين التاريخ.
معاينة الضحية لمسرح الجريمة
يبدو راوي صويلح كمن يسعى -لا شعوريًّا- إلى ترميم النسيج الممزق للجسد السوري، فهو يستمع إلى الأغاني الكردية والأشورية والعتابا البدوية خلال رحلته، ويستنكر انشطار الهويات من السوريّة الجامعة لكل العناصر إلى حفنات من الفينيقيين والأمويين والبابليين ودعاة الخلافة، حتى أنه يستدعي أبياتًا للشاعر حامد بدرخان (1924-1996)، الذي شاهد "الزيتون يركض حافيًا" - وهو بالمناسبة صاحب الأبيات التي ذكرتها في مستهل هذه القراءة- ليكون لاختياره هذا دلالة أخرى على الرغبة الجامحة في استعادة الهوية الجامعة لكل الأطياف المتخاصمة، فالشاعر هنا سوريُّ كتب الشعر بأربع لغات.
تتخلل مشاهدات الراوي إبان ارتحاله من دمشق إلى مسقط رأسه والعكس، مداخلات لشخوص وطيوف وأفكار ووجوه ما انفكت تتزاحم في ردهات عقله العامر بصخب الحرب وأنين الهزيمة، فبينما شبح خوان رولفو يجلس في المقعد المجاور له في الحافلة، تبرق كلمات رياض الصالح الحسين ومحمود درويش أمام عينيه، وتتشابك مع صور لمدينة باتت -حسب تعبيره- أشبه بجدارية للجحيم، أو بمتحف للأنقاض. تسيطر إذن فكرة إعادة تدوير الموت في أرض الأنبياء (من رأس يوحنا المعمدان إلى رأس الحسين حسب روايات بعض المؤرخين) على مخيّلة الراوي، وتتدلى منها مئات علامات الاستفهام حول الجدوى، والدافع، والمصير.
وفي آونة يقظته المجدولة بنوبات شروده، يتعرف الراوي إلى عدة شخوص في طريق عودته إلى دمشق، فهذا معجل السراج؛ تاجر الصقور النادرة الذي يسقط في أسر الميليشيات المتمركزة عند أحد الحواجز، وتلك امرأة لم يمهلها المرض رفاهية الموت في فراشها فقضت نحبها في الحافلة، وإلى جوارها زوج يلعن الموت والأقدار ولا يملك كلفة الدفن، لتتجلى من جديد إشكالية تنهش وجدان الراوي، وهي ببساطة: حق الموت والدفن، ورفاهية حيازة قبر تلتم فيه أجزاء الجسد جميعها.
ما وراء الحكاية: فرس يحتضر...
"أحس بيده اليسرى تهوي ميتة على ركبته عندما حاول رفعها، ولكنه لم يحفل بذلك. لقد تعود رؤية عضو من أعضائه يموت كل يوم"
مقولة أخرى لخوان رولفو تؤطر الحالة الوجدانية للراوي، ينبجس في إثرها طوفان من الكلمات التي تتطوّف فوق رأسه المنشغل بمعاينة الخسارات، يعلو صوت محمود درويش: "يا موت، يا ظلي الذي سيقودني، يا ثالث الاثنين، يا لون التردد في الزمرد والزبرجد، اجلس على الكرسي، ضع أدوات صيدك تحت نافذتي"، فتقاطعه دعد حداد (١٩٣٧-١٩٩١) مصححة خطأ الموت: "لا أحد يستطيع أن يسكن قبري، أنا من تحمل الزهور إلى قبرها، أغمضوا أعينكم، سأمر سريعة كرمح"، لينتصب شكسبير صارخًا: "اللعنة على من يحرك عظامي".
ماتت الأم فانقطع الحبل السرّي بين الراوي وثنائية المكان والزمان. كان الزمان المشغول على ستائر الذاكرة حقيقيًّا لأن ثمّة أمٍ دمغته بوجودها، وبقي المكان حاضرًا فوق خرائط العمر طالما بقيت أمٌ تحرس الذكريات، وفي رحيل الأم حكم أبدي بالاغتراب، وبداية لانسراب لا نهائي لكل الصور والحقائق والتواريخ التي شكّلت الملامح ونقشت الحكايات خلف جفون الصغار.
جعل الفرس يحتضر، غاب عن ناظريه آخر خط يوضح حدود المضمار، والفارس ترجل عن صهوته منذ زمن، راح يبحث عن نبتة الخلود بين صفحات جلجامش، فسقط في مقبرة بئر يوسف، وعاد مترنحًا يبحث عن سيفه بعدما تسرّب من حوله الرفاق وانفض المتلونون، وبقي وحده يحارب جيوش السراب، حاول الفارس العودة إلى الفرس، لكنه حين وجد سيفه ملتصقًا بذراعه المبتورة، تذكر أن رأسه قد قطعت مع سقوط أول قذيفة في أزقة دمشق.
النظرات الأخيرة لفرس مهزوم
يعاين الراوي بلاء الزمن وزمن الوباء، يمنحه كوفيد مبرّرًا جديدا للانعزال، فيبدو أن خليل صويلح نفسه لم يتخلص بعد من عزلة الحلزون، ولم يجتز اختبار الندم بنجاح يؤهل أبطاله للقفز فوق الواقع المقبض في حيواتهم المقبلة. في عزلة راويه، غير المرفوضة، يصوّب صويلح عدسته المكبرة في مواطئ التشوه التي لا ينكرها إلا مستفيد أو أحمق، ليرصد تحولات المثقفين وتلونهم الحربائي النزعة، وتفشي ظاهرة النضال الصوتي عبر مواقع التواصل.
تطارده في عزلته طيوف عدة، البومة الزرقاء التي نحتتها صديقته الفنانة لن تجد الطريق إلى خالقتها حتى لو أدارت رأسه بزاوية ٢٧٠، فالفنانة سأمت انتظار نصيبها من القذائف فانتحرت، بينما ظلت البومة ساكنة لتستدعي طيف صادق هدايت. وهكذا تتناوب على عزلة الراوي وجوه الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، وكافكا، والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، وعدي ابن ربيعة (الزير سالم)، علاوة على مطاردات وينستون سميث بطل رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل.
وفي مقطع سردي مبهر، يستحضر الراوي ذاكرة الراديو القديم، ليتلو عليه الراديو بيانات الانقلابات السورية التي تصدرت مشهدها السياسي في الفترة بين عامي ١٩٤٩ و١٩٦٦. يسترجع الراوي أكاذيب الجنرالات المنقلبين بعضهم على بعض، ويضيف إلى قائمتهم من وحي الربيع العربي جنرالات آخرين، مازجًا ذلك بمداخلة لماركيز وجنراله الحائر في متاهته...
هكذا راح فرس صويلح يحاكم أفكاره ويستجوب شهوده ويستعرض إبان لحظات السقوط شذرات من تاريخ وطنٍ قطع حبله السرّي وتفرقت أشلاؤه بين قبور من دون شواهد...
تحميض أخير لنيجاتيف الحياة
نتعرف في الثلث الأخير من الرواية إلى جابر عرابي، القاطن في نفس بناية الراوي، وهو المصور والمراسل الحربي الذي جاب الأرض من مشرقها إلى مغربها، يتحدث جابر عن حنينه إلى محلول تحميض الصور الذي تسرب من كاميرات الهواتف النقالة وغاص في رحم النسيان، ولكن جابر يموت وحيدًا، لتتحول غرفته والستوديو الخاص به إلى وكر بغاء تهرس فيها أجساد عاهرات ماركيز، أولئك الحزينات اللاتي يتصورهن الراوي سابحات في حوض كبير مملوء بالمواد الكيماوية لتحميض الصور. كأن كل هذا الأجساد ليست سوى نيجاتيف قديم لحياة ما عادت تشبه الواقع، في بلاد لا تعرف أية انقطاعات للموت كما ادّعى ساراماجو.
على الجانب الآخر، يبدع صويلح في رسم شخصية بديعة خيزران: الأرملة التي يختار لها الراوي اسم بينيلوب، لكن "بينيلوب" صويلح تختار ممارسة البغاء، بعدما تيقنت أن عوليسها لن يعود، وأن وعود هوميروس مثلها كوعود جنرالات الحرب بوقف العنف ولم الشمل.
أما الصورة الوحيدة التي لم تجد طريقها إلى نيجاتيف الراوي، فبقيت مهتزة شبحية تراوغ الواقع بالخيال، وتراود الوهم كما تغوي الحقيقة، فهي دلال شاكر، المرأة التي لا تغيب زهريتها ولا يعبق الهواء بالياسمين إلا بذكرها، لكنها هنا تظل عصيّة على الظهور، طيف أم واقع؟ ماضٍ أم حاضر؟ لا نعرف، وربما لا يهم أن نعرف.
تلخيص الوجع
قبل الختام، أود أن أدرج هنا مقولة جاءت على لسان المصور جابر عرابي خلال محاورة جمعته بالراوي، إذ يقول: "هل تتذكر دفتر ورق السجائر؟ هناك ورقة حمراء في آخر الدفتر يضعونها إشارة إلى نهاية الرحلة. بالنسبة إليّ فقد استهلكت الدفتر تمامًا، ولم يبق إلا مذاق التبغ في فمي"
ختام
رواية مهمة، تحمل شهادة صادقة عن زمن الخراب، عن تشويه المكان وتهميش الإنسان وطمس الهوية، تنطلق من موت الأم لتنتهي بجنازة وضع فيها نعش الوطن على ظهر الفرس.
ليست هذه رواية ميلودرامية أخرى عن الحرب، ولا يمكن أن أكتفي بوصفها بالسوداوية بمعايير كافكا، فخليل صويلح لم يكن بحاجة إلى مسخ شخوصه وإشراع نوافذ الخيال والفانتازيا، فالواقع الذي يعيشه أبشع وأقسى وأكثر تشوّها من كل المسوخ، لذلك فإن سوداوية هذا النص ربما تكمن في واقعيته...
في النهاية؛ كان من الحتمي أن يموت الفرس!
فماذا يبقى للفرس إذا غاب الفوارس، وحُرقت الحقول، وموّهت شواهد القبور، وتخفى الذئب في صوف الحمل، وتسربل الجند في زي الرعاة، وانشغلوا بتوزيع أنصبتهم من الموت والأشلاء والهزائم؟
شكرًا خليل صويلح، كُن بخير...
تاريخ النشر في المدونة: 2022-07-07