في بيت حدد.. وطنٌ في فراش الثورة!

في روايته "بيت حدد" الصادرة عن دار الآداب عام 2017، والتي ظهرت في القائمة الطويلة للبوكر في العام التالي لصدورها، يقدم الكاتب السوري فادي عزام حكاية ملحميّة عن سِفر الوجع والشتات السوري. يطرح عزام الصورة ثم يعكسها في عيون الشخوص، ليطّلع القارئ بذلك على الحكاية ذاتها من زوايا متعددة. لا يَسقط الكاتب في فخ الانحياز فلا يشيطن هذا ولا يُجمّل ذاك، لا يعضّد نظرية ولا يقوّض فكرة، بل إنه يخلق محاصصة عادلة تقسّم أنصبة الآثام والذنوب على كل الأطياف السورية، المتقاتلة منها أو الساكنة، فالكل -إذن- شريك في ما جرى ويجري، والكل مُدان.
رواية بوليفونية أم راوٍ عليم؟
تنهض أعمدة الحكاية على أربعة شخوص رئيسة تتقاطع مساراتهم في سوريّة التي تتلمّس للتوّ بشائر مخاض ثورتها، الدكتور أنيس جراح القلب السوري الإنجليزي، فضل عبد الله (أو فيديل) المخرج السوري الإنجليزي الذي هرب من دمشق إلى لندن قبل أن يستقر في دبي منذ سنوات، الطبيبة السورية ليل، وسامية؛ الحقوقيّة والناشطة السورية المهتمة بحقوق الإنسان في أوطان لا تعترف بالإنسان.
وعلى الرغم من عنونة الفصول بأسماء الأشخاص الرئيسيين والفرعيين، فإن سطوة الراوي العليم تطغى على تقنية الكتابة، فلا يُفلت الكاتب صوتًا من بينهم سوى صوت فضل أو فيديل، إذ منحه حق اعتلاء منصة السرد في أكثر من فصل. فإذا جاورنا بين العمل الإعلامي لفضل كمخرج أفلام دعائية، وعمل المؤلف في مجال الإعلام، ربما نقطع بأن فضلاً هو بطل هذا العمل، إذ تسرّب إليّ شعورٌ أن فضل/فيديل كان هو الشخصية المفضلة للكاتب والأقرب إلى قلبه (مجرد شعور)، لا يمكنني أن أتجاهل كذلك أن بطل رواية عزام الأولى "سرمدة" كان معد أفلام وثائقيّة بدوره، لذلك لا أستبعد أنني أمام كاتب يتقمص شخوصه ويتسلل بين أوراقه متخفيًّا، ولا أتعجب أن أقرأ عن هؤلاء الشخوص كأنني أقرأ عن شخصيات حقيقيّة من لحم ودم!
في الحقيقة أعجبتني حريّة التنويع والتداخل وما تعكسه من عدم اهتمام الكاتب بوضع هيكل تقنيّ ثابت لروايته - أحب كثيرًا الروايات التي لا تقبل التقوقع بين قوسيّ التصنيف التقنيّ- نحن إذن أمام رواية متحرّرة من قيود الشكل العام، تجعل من الحرّية همّها الأول عبر وضعها في مواجهة مع الثورة أولًا، ومع القلب والاختيار الحرّ ثانيًا.
ما قبل البداية؛ لا ملائكة في مدينتنا!
كما هو الحال مع أغلب الروايات التي تتناول الحرب، يستهل القارئ قراءته بانطباعات مسبقة تتداخل فيها القراءات السابقة مع التقارير الإخبارية ومنشورات مواقع التواصل، لكنني منذ الوهلة الأولى وجدتني أمام لوحة سرديّة تتشكل معالمها وتتضح تدريجيًّا، لوحة تولد باللونين الأيض والأسود، لكن الألوان لا تلبث أن تتسرّب إليها رويدَا مع استكمال الحكايات المترامية في أزمنة وأمكنة أخرى، ما هي خيبة ليل الأولى؟ كيف عبر فضل من اليمين إلى اليسار، ومن سوريّة إلى لندن فدبي؟ كيف احتشدت نداءات البقاء في عقل أنيس؟
ألوان الحقائق تنسرب إلى "السكيتش" الأوليّ للحبكة، ثم تتماوج وتتداخل حتى تصطبغ بحمرة الدم.
الزمان هنا مفروضٌ على الراوي، كذلك لا مفر من أن تكون دمشق مسرحًا مكانيًّا للحكاية، لكن دمشق التي يُقدمها فادي عزام تبدو كمدينة شبحيّة هجرتها الملائكة، مدينة تنوء تحت أنقاض بيوت اتفق الكل على هدمها، مدينة تتنفس الوداع، وتودّع الصباحات والأماسي بوجه يائس لم يعد يميّز بين وجوه القتلى ووجوه القتلة. ولكي يسود الرماديّ هواء في دمشق بما يكفي لحجب شموس الكون كلها، يخلق الكاتب شخوصًا ليست من المثالية في شيء، هذه حكاية اختارت ضحاياها وجلاديهم، ومن ثم مساراتهم بعناية فائقة، فلا مُنقذ هنا ولا مَنفذ يصوّب أمل القارئ نحو بطل طال انتظاره، الكل متأرجح بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين الانتماء الشامل للوطن والانتماء الفردي للأنا العُليا. نحن إذن أمام رواية تصوّر البشر كما هم في واقع الأمر؛ أنصاف ملائكة وأنصاف شياطين، فإن كنت – عزيزي القارئ – تؤمن بحقيقتنا هذه، ومفادها أن الأوطان المهدّمة لم يمسسها معول إلا وقد حمله أحد أبنائها أول مرة، فأهلا بك في عالم "بيت حدد"، وفي دمشق فادي عزام؛ تلك الأم الثكلى التي تأبى أن تتشح بالسواد، ولا تُغادرك قبل أن تهبك نظرة شاردة تشي بأن طائر الفينيق لم يزل يتخفّى وراء أنقاضها، وأنها ستنهض من رمادها وتبعث من جديد، سيذرف الطائر الأسطوري دمعته فتندمل جراحه ويحلق في سماء تستعيد زرقتها، ولو بعد حين.
في بيت حدد؛ رمزية المكان وإرث الزمان…
يصل دكتور أنيس من لندن إلى دمشق في مهمة واضحة تتلخص في بيع بيت حدد بصفته الوريث الوحيد لهذا المنزل الأثري المعروف، وفي ذات التوقيت يصل فضل أو فيديل (كما أسماه أبوه تيمُّنًا بكاسترو) إلى دمشق ليصور إعلانًا ترويجيًّا لمستشفى استثماري مملوك لأباطرة النظام. لا يعرف الطبيب السوري الذي بات إنجليزيًّا قيمة البيت التاريخية والأثرية ويسعى فقط إلى تقاضي الثمن المناسب، لكن الحقوقيّة سامية تعرف تاريخ بيوتات الشام جيدًا، وتستميت لإقناع أنيس بوقف معاملة البيع. في ذات التوقيت تتقاطع طريقا المخرج فيديل مع الدكتورة ليل، وهي طبيبة متزوجة ولديها ولدين، وتعيش حياة -كانت تعتقد أنها - مستقرة مع زوج رزين اختارته لها أسرة أرستقراطية محسوبة على النظام العلويّ، بعدما خاضت تجربة خاصة خرجت منها بخسارة فادحة.
سوريّة هي بيت حُدد، بمخطوطاته وسراديبه وأبوابه السرية التي لم تزل حافظة للتاريخ، حاضن التاريخ السوريّ وبوصلة الأجيال القادمة ومؤشرها تجاه الهوية، لكن حال البيت كقدر الوطن؛ محاط بمطامع ورغبات تضعه بين مطرقة النظام وزبانيته، ورغبة المواطنين مترنحي الهوية في التخلص منه مقابل مكاسب مادية آنية، وكما كان كل درب معبّد للثورة، كان كل شخص مهيئ للخيانة، أو على أقل تقدير؛ التنازل الصامت.
ثورات موازية في قلوب الحائرين…
الركيزة الأهم هنا في هذا المعمار الروائي الشاهق، هي قدرة الكاتب على نزع فتيل الأزمات من صدور الشخوص بحنكة وأناة في توقيت مفصلي، ثم خلقه لثنائية متقنة بين الحب والحرب، عاملاّ بالاستهلال الذي أورده في صدر روايته للشاعر أوفيد "الحب ضرب من الحرب".
في إثر ذلك ينحرف المسار تدريجيًّا، وتتراجع الكاميرا في يد الكاتب لتمنحنا مساحة أوسع من الرؤية، فالأزمة ليست أزمة -فقط- بيع بيت حدد، والثورة لا يمكن أن تتراجع عند خيار الحب، هكذا يستعيد الطبيب (السوري فقط الآن) شعوره بالانتماء إلى المكان، ومسؤوليته تجاه الحفاظ على الإرث التاريخي الهائل في سراديب بيت حدد، الأمر الذي يفرض عليه الدخول في مواجهة مباشرة – يعرف أنها ليست متكافئة – مع زبانية السلطة وأزلامها الطائشة. كان بيت حدد هو المعادل الرمزي لسوريّة، كما كان في تنازل د. أنيس عنه تنازلان وخيانتان؛ تنازل عن الوطن، وتنازل عن الحبيبة، خيانة للثورة، وخيانة للذات.
الثورة هنا -إذن- تنطوي على صراع ضدّي صريح (أو طِباق بلغة أهل اللغة) بين الوطنية والخيانة، الثورة والاستسلام، الفوز والانكسار، العشق والتخلي.
روبما كان كل شيء ليسير في مجراه الطبيعي لولا الثورات التي دبّت في القلوب قبل أن تشتعل في الميادين، فها هو الدكتور أنيس يثور على صمتٍ طال في أعقاب خيانة مُعترفٌ بها قامت بها زوجته الإنجليزية منذ سنوات، فيمنح قلبه حرّية الحب من جديد بعدما أسرته حياة أخرى تنضح من كلمات وعروق سامية، والدكتورة ليل تثور على رتابة حاضرها لتثأر من حبيبٍ هجرها تاركًا لها واقعًا لم تختره. توازيًا مع هذه الثورات الداخلية تتمخض سوريّة لتلفظ ثورة حقيقيّة في شوارعها، ثورة بدت كأنها تحبو رضيعة في مهدها، لكنها سرعان ما نمت وتضخمت، تمامًا كما تأججت الثورات في قلوب أبطال الحكاية.
أما ثورة فضل عبد الله، أو فيديل عبد الله، فلم تكن إلا على نفسه المنقسمة بين نقيضين على الصعيد الأيدولوجيّ، وبالتالي بين ضدّين على صعيد مساحة الحرية التي يقررها المرء لنفسه، هكذا ولدت داخله الثورة، ثورة فضل الذي رباه أخواله -بينما كان الأب معتقلاً - على نهج السلف الصالح ليشبّ متزمتًا منغلقًا، ضد فيديل الذي سماه أبوه الشيوعي بهذا الاسم تأثرًا بالزعيم الكوبي فيديل كاسترو وأراد لولده أن يحذو حذوه ويسير وراءه على درب الحرية. ثورة فيديل على تبعيّته للشيخ غسان في لندن، وثورة فضل على فيديل الذي قبل بالزواج من إنجليزيّة في عمر أمه، ثم ثورة فضل الأخيرة على فيديل، التي يرسله في إثرها من نعيمٍ مستديمٍ إلى جحيم مستعر.
تفاقُم الأزمات…
بالتزامن مع اشتعال الأوضاع في سوريّة الثورة، وتفاقم القمع والعنف وانفجار ينابيع الدم، تتأجج الأزمات في صدور الشخوص، يقرر أنيس المواجهة ويتحمل تبعيّات القرار، تتبع ليل نداء الهوى والرغبة فتذهب في علاقتها مع فيديل إلى أبعد مدى، يتأجّج الصراع في صدر فضل وفيديل، وتظل سامية وفيّة لثورتها المزدوجة؛ تمسّكها بعلاقتها مع أنيس وما قد ينتج عنها ويمسّها كأم، وكامرأة مطلقة، والثورة على النظام السوريّ التي تؤمن بها حتى النخاع. يلقي فادي عزام بشخوصه في أتون الصراع الشخصي، والصراع العام في ذات الوقت، وتتشعب المسارات التي تأتي كنتيجة طبيعية لخيارات الشخوص ومعطيات الظرف الراهن، فتتجلى حالة الفصام في العقول، إذ تتأرجح شخوص هذه الرواية طوال الوقت على الحافة، يمشون فوق حبل مشدود بين الخير والشر، بين القوّة وهشاشة الضعف، بين الوطنيّة والخيانة، بين الحرب والسلام الداخليين. ولعل هذه النقطة تعد من أهم عناصر القوة في هذا النص الملحميّ.
وضع فادي عزام شخوصه في متاهة مظلمة، منح كل منهم تاريخًا ومبررات كافية للثورة، وثّق التطوّر السياسيّ والمسار التاريخيّ السوريّ في ومضات تتفاوت شدّتها في ما وراء السطور، ثم رسم لكل شخصٍ مساره بين أطلال المدينة، قبل أن يشرع في حرق الأشرعة وسد منافذ الهرب، ليكون الهروب من الحرب إلى الحب متبوعًا بهروب مضاد من الحب إلى الحرب. هكذا تتحقق العبارة الاستهلالية كأفضل ما يكون.
يتجلّى سحر الكتابة وتعلن براعة الكاتب عن نفسها عندما تنتقل كاميرا فادي عزام بين مسالخ النظام الثوري ومجازر داعش التتريّة النزعة، عارضة مشاهدًا وثائقية بالصوت والصورة للجثث والأشلاء وعمليات الإعدام ذات الإخراج الهوليوودي، في ذات الوقت الذي يظل فيه القارئ قابضًا على خيط الهوى الموصول بين ليل وفضل، والآخر المبتور بسيف الحرب بين أنيس وسامية!
أعتقد أنني تعرضت للتوّ لتجربة hypnotization قلما نجح كاتب في إخضاعي لها!
بطولة في الهامش…
بينما يبدو لقارئ هذه الكلمات أن روايتنا هذه تتمحور حول أربعة شخوص، وهو أمر صحيح في ظاهره، إلا أن الحكاية تضم شخوصًا آخرين خصصت لهم مساحات أقل، لكن أثرهم كان على ذات القدر من أهمية الأبطال، وأعني هنا شخصية الدكتور عادل زوج ليل، وشخصية عيسى زميل دراسة الدكتور أنيس الذي عبره الزمن وظل ثابتًا في محلّه، وشخصية الشيف، وشهود الحرب بطبيعة الحال.
برع فادي عزام في توظيف هذه الشخوص التي لا يمكن أن أصفها بالثانوية، فجاء كل منهم ليعكس أحد وجوه المعضلة السوريّة، بل الإنسانية بالأحرى. لا أرغب في كشف تفاصيل الحكاية وتطورات الحبكة كي لا أفسد متعة القراءة على من لم يقرأ الرواية، لكن يمكنني القول إن حضور هذه الشخصيات (أو معظمها) قدم تجسيدًا متقنًا لخيانة الإنسان لذاته، وكيف يمكن لكل منا أن يقدم مبادئ مثل الشرف والأمانة والإيمان قرابينًا على مذابح القوة والسلطة والثأر.
نقطة الذروة… نقطة الوجع…
مع علو مدّ الثورة، وكما تتناثر الشظايا، يتناثر السوريون في منافيهم المختارة وملاجئهم القسرية. يعود فيديل إلى دبي، تنهار حياة ليل مع عادل، يتورط أنيس وولده سامي (الذي جاء إلى دمشق بحثًا عن هوية لم تزل نابضة في عروقه) وسامية في الثورة السورية، بيد أن أنيس يفضل أن يبعد سامي خارج سوريّة عندما يدرك أن شلال الدم لن يتوقف قريبًا.
بعد ذلك تبدأ لعبة الراوي في خلق حالة من تقاطع الخيارات والمسارات، ويقدم ثنائية العودة والرحيل كمرادف لثنائية الحياة والموت، ويميط اللثام عن وجوه الموتى، ليستنطق القتلى والشهود على حد سواء، يسرّب إلى حكايته مصادفات دراميّة ربما كنت لأرفضها في أي نص آخر، لكنها تتضاءل أمام دراما الواقع التي هي أشد قسوة وأكثر قدرة على إثارة الدهشة، تتوارى الدراما السورية هنا أمام دراما الواقع السوري، ويعلو صوت الألم وضجيج الهاون وبراميل البارود ليطمس دعوات المصلين وهمسات الساجدين، تنغلق سماء دمشق حابسة قهر الموجوعين وصرخات الثكالى، وتنشق أرضها مرحبة بأفواج الشهداء صارخة "هل من مزيد؟"
هكذا يبلغ كل شخص نقطة ذروته الخاصة، ويتخذ كل منهم القرار الأنسب لما استقر في يقينه، الهروب والعودة والغرق والحرية والأسر والموت والحياة، كلها مصائر يختارها كل شخص طواعية في نهاية المطاف، يقررون امتلاك مصائرهم لأول مرة، ويمارسون حريتهم كغريق يستمسك بآخر شهيق قبل الغرق المحتوم، فهل تكتفي الحرب بما اجتثته من حيوات وآمال وسنوات من عمركِ يا دمشق؟ أم أن تُجار الحرب، في الداخل والخارج، لم يعرفوا الشبع حتى اليوم؟
ملاحظة: المشاهد الحميمية في هذا النص، سواء في شقها الشاعري أو في الشق العنيف -وربما- المازوشي منها، جاءت كأنها تضع سورية الوطن في فراش الثورة، كفريسة في متناول المتصارعين من كل الفصائل والأطياف، في النهاية؛ لا يتراجع فصيل واحد أمام غواية السلطة المتمثلة في نهش جسدها.
ختام…
لكم كنت أود أن أسرد التفاصيل الخاصة بمسارات الشخوص وخياراتهم وحتى نهاياتهم، وأن أتناول مشاهد بعينها استوقفتني ولم تغادرني، كمشهد موت والد فضل، والفصل المعنون بالحلاج مثلا، وبعض الشهادات، ومحاورات الشيف مع أنيس، لكنني كنت لأفسد بذلك –ما لم أكن قد أفسدته بالفعل- متعة القراءة لدى الكثيرين.
كان اختيار الراوي العليم مناسبًا لتوحيد اللغة البلاغيّة المستخدمة، حتى المقاطع الواردة على لسان فيديل جاءت على ذات المستوى من البلاغة/ وكان لهذا ما يبرره، كذلك فإن الحوار باللهجة السورية كان على ذات القدر من بلاغة المعنى وقوة الأثر. الشحنة العاطفية والحمولة الشعورية لا يمكن إلا أن تترك لدى القارئ علامة ما، المزج بين صدق التوثيق والخيال المضفور بالواقع جعل من هذا النص علامة مميزة سيعود إلى أوراقه كل من يرغب في مطالعة وثيقة سرديّة تسجل بداية الحرب السورية، ومصائر السوريين.
لا يمكن أن أختتم قراءتي هذه من دون أن أشيد بلغة الكاتب وبراعته في المقاطع الحوارية العامية والفصحى. اللغة هنا شعرية غنية بالزخارف اللغوية من بلاغة وجناس وطباق ومقاربة ونثر، لغة شديدة الثراء لا يمتلك ناصيتها إلا قلة من الكتاب المعاصرين، لهذا تضاعفت سعادتي إذ فزت بالتعرف إلى كاتب سأتابعه عن كثب فيما بعد.
باختصار، عمل ملحمي فريد مكتمل العناصر، مجهد، لا شك أن الكاتب قد عرض شخوصه المكتوبة على طبيب نفسي قبل إطلاقهم في فضاء حكايته، نص فارق، أمين في عرض مأساته، صادق في سوداويته، بارع في تضمينه لعنصر التوثيق التاريخيّ والسياسيّ في صلب الحكاية رغم ثقل الحمولتين، محايد بين شخوصه، هذه كتابة وطنيّة لا تنحاز إلا إلى سوريّة، قاسية عندما تدس قلمها في جرح مفتوح، لكنها لا تئد الألم إذ تسلم أوراقها لجيل جديد يتحسس ملامح هويته، ويعيد اكتشاف معنى الوطن…
فها هو سامي، يكلّف نفسه بحفظ أمانة الوطن/البيت، عبر تدوين وتدويل حكاية؛ حكاية بيت حُدد.
ربما لا أعرف كيف توقف هذا النص عند حدود القائمة الطويلة للبوكر، لكنني أعرف أنه سيعيش طويلاً….
اللي يعرف فادي عزام يوصله سلامي 🌹
شكرًا أ. فادي
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2022-10-26