إشارتان إلى روايتين هامتين...

روايتان استمتعت بهما كثيرًا خلال الإجازة، وأجاهد الوقت كي أكتب عنهما ما يليق... ولكن؛ حتى أمتلك الوقت الكافي، سأكتفي هنا بإيجاز انطباعي العام عن الروايتين:
1. في أطلس الخفاء، تُذيب منصورة عز الدين الأسوار الواهية بين الوجود والعدم، بين الحقيقي والمتخيّل، وتقدم راويًا وحيدًا قرر اللجوء إلى العزلة، فغرق في نوّات الذاكرة التي استحوذت على حاضره كأنها نوبة شرود طويلة امتدت لعقود. كان مراد مواطنًا عربيًّا مثاليًّا، عاش أسيرًا للخوف، مُستعبدًا من الماضي، منفصلاً عن الواقع، ومراوغًا ثبوت الوجود بالتماهي مع الخفاء. أنفق أيامه في تدوين تجليّات عقله وإشراقاته ذات الطابع الصوفي، وعاش حياة بديلة في أطلس رؤاه، حياة لا تشبه حياته التي عاشها مهزومًا جبانًا ومصابًا برهاب الآخر. كان هذا النص بمثابة عين سحرية نطلع من خلالها على دماغ شخص مريض بالعزلة، ومعاينة عقل مزدحم يشتعل تدريجيًّا، عقل راكم إبان طفولته عدة صور ووجوه، ثم قرر أن يمضي حياته بين أطيافها وظلالها.
2. في منازل الأمس، ينكأ سومر شحادة مواضع الوجع العربي المستمر منذ عقود، أعني بهذه الكلمات حالة الحنين غير النهائي إلى مرابع الطفولة، ومنازل الأمس.
من خلال حكايتين تتقاطعان بإيقاع محكم، نتعرف إلى سليم ووداد، ومن قبلهما وبعدهما نسرين وكارم، نسرين هي ابنة سليم ووداد، وكارم هو زوج نسرين الذي قررت الانفصال عنه والعودة من دبي إلى سورية عقب ١٨ عامًا من الاغتراب.
بين دفتي هذه الرواية دعوة مفتوحة لكل قارئ ليعيد تقييم حياته، والنظر إلى الخلف، وتقصّي أثر الأمس الذي لا يكفّ عن مطاردتنا. رأيت نفسي في كل الشخوص تقريبًا، وانعكس الحزن السوري في عيني نسرين الفيّاضة بالحنين، وفي وداد التي يحار القارئ حيال تصنيفها كغادرة أو كضحية، وفي سليم الذي عاش ينتظر طيفا لن يعود. رواية آلمتني كثيرًا، وأجبرتني على استدعاء كل منازل الأمس التي غادرتها، أو تلك التي طردتني من دون ذنب. انتهت الرواية وأنا عاجز عن التمييز بين الضحية والجلاد، وأعتقد أن قراء هذه الرواية سوف يقعون في ذات الحيرة، بينما الإجابة حاضرة منذ البدء، ففي أغلب الحروب، الكل خاسر، والكل ضحية.
شكرا أ. منصورة عن الدين
شكرًا أ. سومر شحادة
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2023-07-21