في وداع كونديرا...

الكائن الذي لا تُحتمل خفته، يثبت أنه قادر على الطيران 
اليوم، رحل العبقري الذي علمنا ما تعنيه وتنطوي عليه كلمات بسيطة مثل الهوية والخلود والبطء والمزحة والجهل والضحك والنسيان، واصطحبنا إلى حفلة التفاهة التي نعيشها، وقصّ علينا الغراميات المرحة...
رقص عراب براغ صباح اليوم رقصته الوداعيّة، وغادرنا بعدما أمضى قرابة قرن من الزمان في رصد وتقصّي أعمق نقطة قد يصل إليها العقل في غور النفس البشرية...
لقد كتبنا كونديرا جميعًا، لا يعتقد أحدكم أنه عاش ينقل سيرة وصورة مجتمعه المأزوم، أو أنه أنفق عمره يروي عن معاناته الذاتيّة، ومطاردته وطرده وإنكاره واستنكاره، إنما عاش كونيدرا كما الغواص يسبر أغوارنا ويزيح أستارنا ليبوح بما لا نقدر حتى الآن على الاعتراف به...
لقد امتلك كونديرا طاقة من التسامح، والسلام الداخلي، تكفي العالم بأكمله...
ميلان كونديرا.. أحد أهم الكتاب في التاريخ، والأجدر بجائزة نوبل خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، كتب اليوم آخر صفحاته، وحلّق مُصعدًا إلى حيث تنتظره عوالم وآفاق جديدة سيسعى بكل تأكيد إلى اكتشافها وكشف خباياها...
في هذه اللحظات، ينظر إلينا كونديرا من نجمته في سماء الخلود، يبدو الآن شديد الشبه بتوماس الذي لا تحتمل خفته، يبتسم متهكّمًا وهو يطالع ردات الفعل في إثر إعلان وفاته، يهز كتفيه، ثم يمسك بقلمٍ من نور، ويشرع في كتابة حكاية جديدة، حكاية لن نقرأها بكل أسف...
أتمنى لأسباب أفضل الاحتفاظ بها، أن تُعاد ترجمة روايات كونديرا من لغتها الأصليّة إلى العربية مباشرة، وأن تتبنى إحدى دور النشر الكبرى هذا المشروع الهام، على أن تكون مجلدات أعماله الكاملة متاحة في أكثر من طبعة تتسق مع القدرات الشرائية لكافة شرائح القراء العرب...
وداعًا ميلان كونديرا...
تاريخ النشر في المدونة: 2023-07-21