محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ترنيمة للحرية، وصلاة لاكتشاف النفس، ودعوة مفتوحة للتمرّد على الذات.

بوبان... كمان وكمان!

مرة أخرى يُبهرني كريستيان بوبان!

كنتُ أضمرت في صدري اعتقادًا بأن "على قيد الحياة" كانت حالة خاصة عزفَ الكاتب بين صفحاتها لحنَ فَقْدٍ يصهرُ الموت والحياة في بوتقة عشقٍ أبدي، لكن هذه الرواية، أعني "الملاك الهارب"، تُحلّق بعيدًا بحمولتها الفكريّة والإنسانيّة.

تولد "لوسي" لأبوين رحّالين رفقة سيرك جوّال، الأم ضحكة صافية هبّت من إيطاليا واستقرت في خيمة السيرك، والأب حمّال قويّ، وطنه الصمت. تراود نوبات الهروب لوسي وهي لم تزل في الثانية من عمرها، فتأنس بمجالسة ذئبٍ، تتوسّد فراءه الدافئ في أماسيها، لا تأمن باستقرار يدوم في فراشٍ ولا تجد الأمان والمستراح في رفقة أبويها، والناس يطالعونها بعين يراودها الخوف والاستنكار، وعين تغار؛ فتتمنّى لو تنال ذات الجرأة والأمان والتصالح مع سائر الموجودات. هكذا تشبّ لوسي كابنة لفريق السيرك كلّه، الكل مشغول بمراقبتها أو البحث عنها كلما مارست نوبات الهروب ولبّت نداء الاستكشاف المقيم في جوانحها، لذا تؤمن الفتاة الصغيرة منذ البدء، أن أبًا واحدًا، وأمًا واحدة، لا يفيان بالغرض، إذ أن كل شخص يحتاج إلى أكثر من أبٍ، وأكثر من أم!

تعتنق لوسي حرّيّتها، تداوم على الفرار منذ أطوار الطفولة فالصبا، تغيّر اسمها كلما هربت متسرّبة إلى قرية يستقر فيها وطنها المتنقّل، تلامس الحاجز الشفيف بين الجموح والجنون، وتكاد تؤذِي وتتأذّى، لكن ظنّي أن السماء جعلت تراقبها بمحبّة، وبإعجابٍ تستحقّه طفلةٌ امتلكتْ طاقة هائلة من الشغف والشبّ عن طوق المألوف والمسموح، والانصهار في كل عناصر الكون، المحسوس منها قبل الملموس. عيناها تتجاوزن العاديّة في كل ظاهر، وتستقرّ على كل استثنائيٍّ وإن غاب عن أبصار الغالبيّة. لهذا تفوّقت في كل موادها الدراسيّة في ما بعد، إلا الرياضيّات؛ لأن الأسس والقواعد تقيّد حريّتها، والعلوم الطبيعيّة؛ لأنها أقل مما أدركته هي من دون دراسة.

تلامس فتاتُنا عتبة المراهقة بتبرعم أنوثتها في المرحلة التالية من الدراسة، يتم إرسالها إلى معهد ملحق بديرٍ يستقر فيه جثمان راهبة ماتت منذ سبعين سنة، وشقيقة لها لم تزل تبشّر بكراماتها، الأمل يراود الأبوين أن ابنتهما ستخلد إلى هدنة مع ذاتها، لكن الهدنة لم تدم طويلا كأنما لم تكن سوى استراحة محارب، تتحسّس لوسي الطريق إلى الرب، وتدركه بعدما تزيح عن طريقها رواسب الخرافات وأصنام القدّيسين، تتزوج الهاربة الأبديّة في سن مبكرة، سبعة عشر سنة حسب ما أذكر، زوجها طالب حقوقٍ يحلم بالكتابة، يقرّر التمرّد على الوصاية الأبويّة المتسلّطة فتكون لوسي هي راية عصيانه، بينما يمثّل هو زورقًا ستمضي هي فوقه في رحلة هروب جديدة، صوب باريس هذه المرة.

زواج يستمر لسبع سنوات فشل خلالها الزوج في نشر كتاب واحد، تعقبه قصة حب ثائر تستمر لثلاث سنوات من دون قيد الزواج، تلك المغامرة مثّلت منحىً جديدًا في الهروب من الاعتياد، والثورة على العقد الاجتماعي، لا تؤذي لوسي أحدًا لكنها تولد كل يوم من جديد، يظلُّ السيرك والذئب سارحين في خيالها، تتبع طيفيهما لتشتم عبق أزمنة ولّت، تفتقد المهرّج والساحر ومروّضي الأسود والأفيال، تحنُّ إلى طبيعة السيرك الذي آخى بين الكائنات تحت خيمة واحدة، وتودُّ لو تعود ساعة الزمن إلى الوراء، فقط لتكرّر كل ما أتت به من قبل.

لكن إيمان لوسي بموسيقا باخ، ومرافقته لها في كل مراحلها وتقلبّاتها، ثم زياراتها المتكرّرة لجدّتها في دار المسنين، أمورٌ تُظهر الجانب الخفيّ من شخصيّتها، ذلك الجانب الذي تآمر بوبان مع لوسي ليخفياه عن القارئ، كأن كل واحد منا لو شققنا دماغه لوجدنا داخله شخصين يتناحران، وربّما أكثر. وهذا ما يمكن استنباطه من تصرفات بطلتنا، فها هي تتسرّع في الزواج، ثم تصبر سبع سنوات على زيجة اكتشفت أنها لا تناسبها بعد أسبوعين من زفافها! تحبُّ زوجها الغارق في محاولات كتابة تتمنّع عليه، حاولتْ الصمود مرتكزة على سنوات الدير والدارسة والرغبة في التغيّر، لكن نوبات الهروب تستعيدها، فتهرب مع عملاق يعزف الموسيقا، لتكتشف معه مفاتيح الجسد التي يُعزَف عليها لتنتشي الروح، بيد أن الحكاية تنتهي كما بدأت؛ بغتة. ربّما خوفًا من تكرار تجربة ارتباط طويل الأمد؛ يُفرز السأم كلما امتد عمره فزالت آثار جرعة العشق المُسكر من ثنايا العاشقين. ففي كل ارتباط، ترى لوسي إلى شبح العبوديّة والإكراه الكامن في طيّات اللحظات العذبة، ومع كل محاولة للاقتراب من الاستقرار ورتابته وعاديّته، ترتدّ عشر خطوات إلى الخلف، وإن طالت آماد المحاولات.

يترك الأبوان السيرك، يقيم الأب في وطن صمته المُختار، يمتهن حفر القبور، وترفرف ضحكة الأم من دون انقطاع في بيتهما المتاخم للمقابر، ينضم إلى مائدتهما بائع وردٍ تسعد الأم بوجوده لأنها يذكّرها بجمال آخذ في النضوب، تعود لوسي إليهما بعد انفصالها عن الزوج فالعشيق، تمرّر أيامها بين صفحات الروايات، ترتدي التنانير القصيرة من جديد، كأن كل هذه السنوات لم تمض على غيابها.

وتقع عينا مخرج سينمائي على لوسي إبّان تصوير مشهد سينمائيّ في المقبرة، يُشركها لثوانٍ معدودة في مشهد ما، مشهدٌ صامتٌ يتطلّب البكاء على قبرٍ ومقبورة غريبة، تبرع لوسي في تأدية المشهد، ويتكرر استدعاؤها لتصوير المشاهد السينمائيّة، حتى تغدو ممثلة تحصل لأول مرة على دورٍ مهم، غير ثانويّ.

لكن الملاك الهارب لا تتقيّد بنمطٍ يُحيلها تلقائيًّا إلى العبوديّة الطوعيّة، ستترك التصوير وتعطّل العمل كله، لتهرب مجدّدًا، هذه المرة إلى إقليم جورا الفرنسي، تنام ليومين متتالين، تنشغل في قراءة المزيد من الروايات، لا تحسب الخسائر والتبعيّات، ففتاتنا لا تنشغل بمآل الهروب وقتما تستسلم لفشل المحاولة، بل إنها لا تتّخذ القرار بقدر ما تستجيب إلى الصوت الصادر من أعماقها. تزور جدّتها المصابة بالشيخوخة، فتعرف إنها نُقلت إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد تداعي أسوار إدراكها وذاكرتها، تهرع إلي المستشفى فتُخرِجها، وتصحبها في رحلة هروبٍ جديدة، تحلّق رفقة الجدة التي تستعيد مع نسائم الحرّيّة شغف الحياة، تبحث لوسي عن مقرّ السيرك الرحّال، حتى تبلغه، فتستعيدها عوالمه، وتلج إليه رفقة عجوز باتت كما المسحورة.

وفي الخاتمة، نعرف أن لوسي وجدت لجدتها بيتًا جديدًا؛ ليس البيت سوى السيرك، ذات السيرك الذي ابتدأت منه الحكاية قبل ربع قرن، ثم طغى على مشهد الختام.

الملحوظ هنا، والمبهر في هذه الكتابة، هو كيفية خلق بوبان لشخصية لوسي، طريقة رصد تصرّفاتها وردود فعلها، أسلوب تفكيرها، علاقتها بالصوت الآتي من أعماقها، علاقتها بالحيوان والفاكهة والشجر والموسيقا والشعر، رؤيتها لعناصر الكون من منظور مغاير، تجريدها للناس والأشياء من أسمائهم عبر استبدالها بالصفات أو إحالتهم إلى الطبيعة ذاتها.

يرى بوبان أن العالم سيرك كبير؛ سيرك غير حقيقي، يؤدي فيه الناس مهام لاعبي السيرك، لكن ألعابهم لا تنشر البهجة ولا تسبّب السعادة، لهذا كانت عبقرية إطلاق الحكاية من السيرك، ثم إعادته إليه في النهاية مؤثّرة تحفل بالدلالات والتأويلات.

هل أراد كريستيان بوبان الإشارة إلى أن السيرك الذي تسكنه الحيوانات والحواة والمهرّجون، يؤنس البشر ويسعدهم ويمنحهم الأمان أكثر من سيرك الحياة المّفتعل؟ لو رمى إلى ذلك فها أنا أصفق له ممتنّا.

هل أراد كاتبنا أن يمنحنا حكاية تقودها بطلة تقدّس الحريّة من دون نضال، وتصوّب شغفها في وجه العالم بعيدًا عن مرمى الثورات والحروب؟ أأراد أن يقدم لنا طقوس صلاة صافية تدعو إلى تحرّر البشر من استعبادهم لأنفسهم، واستعباد المادة لهم؟ أكانت هذه الرواية -القصيرة كعادة بوبان- صفعة على وجه الرأسماليّة؟ أم كانت دعوة إلى التملّص من القيود المستحدثّة والعودة إلى بريّه الفطرة بكل ما تشمله هذه الدعوة من أخطار؟

الكثير من الأسئلة تحتشد في عقلي عقب قراءة الصفحة الأخيرة من هذا النص، والإجابات المحتملة لا نهائيّة، لكنني أدعم هذه الصلاة الإنسانية بكل طقوسها وجموحها، ولعلّني أسأل قارئ هذه الكلمات: من منا يجرؤ على الاستغراق في نوبات الهرب التي منحت لوسي حياة باهرة بتجاربها وشغفها اللا محدود؟ الأغلبيّة ستقول لا أقدر، ولكن إذا أعدت صياغة السؤال ليكون: من منا يتمنّى أن يمتلك هذه الجرأة؟ أن يقرّر ما يشاء، وأن يذهب حيثما تحمله ريح شغفه الخاص، وقتما أراد؟ أن ينام آمنًا في أحضان ذئب، أن يبدّل اسمه مع كل شروقٍ للشمس؟ وأن يمنح يده إلى كفوف أمهات غرباء؟ أن نمتلك إرادتنا من دون خشية العواقب؟ أو كما يقول بوبان " في كل لحظة، يُمكِننا أن ندخل الجنة … أو نخرُج منها"

حسنًا؛ أنا أول من يتمنّى ذلك، وإن كنت أعرف أنني أجبَن من الإتيان به.

لا يعيب هذه الرواية سوى الجرعة الهائلة من الأخطاء اللغوية والمطبعية، وإدراج بعض العبارات المترجمة بكلمات استغلق عليّ إدراك مغزاها. أمر لم أعتده من دار صفحة 7.

ولكن يبقى الشكر موصولاً، للكاتب الراحل، ولكل من يترجم أعماله وينشرها.

كريستيان بوبان (أبريل 1951 - نوفمبر 2022)؛ روائي وشاعر فرنسي، ولد لأب يعمل مصمّمًا، بينما كانت أمه فنانة، كان كريستيان الأصغر بين ثلاثة أشقاء، آثر أن يمضي طفولته وحيدًا بين الكتب، انجذب إلى الكتابة في سن الخامسة عشرة، ودرس الفلسفة فبات شغوفًا بأعمال أفلاطون وسبينوزا وسورين كيركجارد، بدأ الكتابة في الخامسة والعشرين من عمره، لكنه لم يفكّر يومًا في تحقيق المجد الأدبي، إذا عمل بوظائف غريبة في تنوّعها، كأمين مكتبة، ودليل سياحي في متحف بيئي، ومحرر في مجلة، وطالب تمريض في الطب النفسي، وأستاذ فلسفة! مع مرور الوقت، وعلى الرغم من انشغاله بأكثر من عمل بعضهم بعيد عن الأدب، بات بوبان كاتبًا شهيرًا، غزير الإنتاج شعرًا ونثرًا، إذ نَشَر خلال حياته الإبداعية قُرابة ستين عملاً، وتُرجمت نصوصه إلى أربعين لغة.

بكل أسف؛ لم يترجم من أعمال بوبان إلى العربية سوى أربعة أعمال، هذا حسب علمي!

أتمنى لو تتبنى دار نشرٍ جادة مشروع ترجمة الأعمال الشعرية والنثريّة الكاملة لكريستيان بوبان.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2023-09-17

المصدر الأصلي على ووردبريس