محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

الجمعية السريّة لأعواد الثقاب؛ أن يخلق المواطنون وطنًا بديلاً، فلا يعوّضهم وطنًا سُلب في وضح النهار...

بوتيرة متأنّية، ومتفحّصة، قضيت الأيام الأخيرة بين أوراق رواية "الجمعية السريّة للمواطنين" للكاتب القدير أشرف العشماوي، وكنت قد أبديت إعجابي سابقًا برواية بيت القبطيّة على وجه الخصوص، لما لمسته في عوالمها من مزج بين الكلاسيكيّة الأدبيّة والقضايا المُعاصرة، فلم يكن من السهل - حسب رأيي الذي أعرف أن يُخالف رأي بعض الأدباء - أن تنسج حكاية بنهج كلاسيكي، لتناقش قضايا نشأت في عصر لاحق لنهج الكتابة. كانت بيت القبطية هي صكّ تعارف جديد بيني وبين العشماوي، لا أنكر استمتاعي بما قرأته له قبلها، لكنها -أي بيت القبطيّة- مثّلت نقطة تعارف جديدة، منحى مختلف في قراءتي لأعماله، خصوصًا بعدما شُبّهها البعض (ولهم احترامي) برواية الحكيم، إذ لم أستسغ حتى اليوم الرابط بين رواية الحكيم، ورواية تناقش الطائفية وشيوع الفساد السياسي، اللهم إلا لو اعتبرنا أن كل رواية تدور عن جرائم يشهدها الريف؛ تحاكي يوميات نائب في الأرياف. أمر آخر لم أفهمه في بيت القبطيّة حتى اليوم، فالصليب الذي ظهر على صدر الفتاة في غلاف الطبعة الأولى، تمت إزالته من أغلفة الطبعات اللاحقة، على الرغم من أننا نتحدّث عن رواية تتقصّى آثار الطائفيّة في قسم كبير من فصولها!
وبغض النظر عن لائحة كتارا القصيرة التي ضمّت تسع روايات من بينها "الجمعية السريّة للمواطنين"، فقد شرعت في قراءة هذه الرواية قبل شهور من الإعلان، ثم توقّفت للانشغال بين أمور خاصة، وروايات جدول أندية القراءة التي أحب ألا أفوّتها قدر استطاعتي، خصوصًا في فترة الإجازات المدرسيّة، وكان أن عدتُ إلى رواية العشماوي مؤخرًا، ولأنني بطبعي أعيد قراءة الروايات التي أتوقّف في أثناء قراءتها، فقد شرعتُ في قراءتها كنصٍّ أقرأه لأوّل مرة، مُلاحقًا بأصداء بعض الآراء والمنشورات التي قولبت الرواية في إطار الأدب التشويقيّ أو البوليسيّ، لكنني كنت أدرك أنني أمام ما هو أبعد من هذه القشرة الظاهرة للحكاية.

تمهيد...
الحكاية الرئيسة ترصد حياة فنان مغمور "معتوق" تضطره الظروف إلى العمل كرسّام شبح، أي أنه يرسم بالوكالة عن فنان آخر أكثر اشتهارًا لكنه لا يقدر على تمييز الألوان "غريب"، يرضخ معتوق لإغراءات غريب طمعًا في ثراء سريع، فيتورّط في سرقة لوحة زهرة الخشخاش بعد رسم نسخة مقلّدة منها، لكن غريبًا، المزنّر بقوة علاقاته مع الدولة، يبيع اللوحة لجهة ما، ولا يمنح معتوق حصّته المتفق عليها، ومن ثمّ ينمو العداء بينهم ويتحوّر من طور الكراهية المبطنة إلى المكاشفة والمواجهة بعد عدة مراوغات تزامنت مع صعود نجم غريب وتمدّد سطوته ونفوذه، يدفع معتوق ثمن المكاشفة باهظًا؛ عشر سنوات في مستشفى الصحة النفسيّة بالعباسيّة، حيث يواصل رسم ابنته زهرة قبل أن يفقدها حال خروجه إذ يجدها وقد نسبت لاسم آخر، علاوة على انخراطه في رسم لوحة تجمع أهالي عزبة الوالدة كأنهم يحميهم بذلك من مصائر التشتت، ويحمي نفسه من شبح النسيان، نسيانه إياهم، ونسيانهم له.

مقاومة الزيف بالزيف...
يتفتّق ذهنه معتوق (الذي لم يعتقه أحد) -شديد الانتماء إلى عزبة الوالدة- عن فكرة تعارض الزيف بزيف مضاد. لم يكن معتوق ملاكًا ولم يدّعِ ذلك قبل الزج به في مستشفى العباسية ولا عقب خروجه، إذ أنه قَبل بتأدية دور الشبح، كما دأب على تزييف العملة وإمداد أحد تُجّار المخدرات بها دوريًّا، مع ذلك يشعر القارئ بتعاطف عميق مع معتوق، لا ينطوي هذا على دعوة ضمنية للتعاطف مع المجرم وفق القانون، ولا ينحدر بالمتلقي إلى مدرسة فيلم "سلام يا صاحبي"، بل إنه يضع الأمور في نصابها، فمعتوق الذي أخطأ ودفع عشر سنوات كثمنٍ لأخطائه، هو من يتلقى العقاب الأشدّ، على الرغم من كونه الأقل فسادًا وضررًا في مجتمع الزيف والهزل الذي برع العشماوي في رسمه كما برع معتوق في رسم لوحة أهل العزبة. تتمحور فطرة معتوق على تطوير آلية تزييف العملة باستقدام طابعة ألمانية حديثة، ومن ثمّ تكوين وطن بديل للمهمّشين والمسحوقين، جمعيّة يتقاضى أفرادها أجرًا من دون عمل، كأن معتوقًا قرر أن يصرف تعويضات دائمة لكل من دعستهم أقدام الكبار، أن يقاوم بتزييف العملة تزييف الواقع، هكذا تتكون جمعية معتوق السريّة، تولد كمجموعة من الأجنة المتصلة بحبل سُرّي، لا يقدر الغدر على فض الوشائج بينهم.

بورتريهات الزيف، والزخم المحفوظيّ...
كانت لوحة معتوق لأهل العزبة حيّة بطول الأحداث، فهو يقدم شخصًا ما إلى الصفوف الأولى، ثم لا يلبث أن يحرّك واحدّا آخر من مكانه، حتى موضعه هو يظل غير ثابت بين الصفوف، إلا أن يستقرّ قرب الخاتمة على صفّ الشخوص سواسية، كأنه -في وطنه البديل- يخلق مساواة عجزت الأنظمة الحاكمة عن تحقيقها، أو عمدت إلى تعطيلها لحساب فئة المنتفعين وحماة المصالح. بيد أن المتأمل في وجوه الشخوص المرسومة في سرد العشماوي في هذا النص، يميّز الرسالة الهامة التي تزاوج بين افتضاح الزيف وتفشيه، وعبثيّة زمنٍ سرّاقٍ مكيرْ آثر الكاتب وقف زحفه قبل سقوط نظام مبارك، معتوق رسام موهوب، لكنه يتحوّل تحت وطأة الحياة وضعف مقاومته إلى مزيّف محترف، قد نتعاطف مع هدفه الإنسانيّ العظيم، لكننا لا ننسى أنه بدوره، خارج عن القانون. الأمر ذاته ينسحب على الشخوص كافة؛ فالطبيب خليل البنهاوي، نزيل مستشفى الصحة النفسية وزميل معتوق في سنوات الاحتجاز، هو بالأساس ممرض قرر ممارسة الطب، لم يفضحه جهل مرضاه بقدر ما كشف سرّه اشتهاره وقبوله بقيمة نقدية بسيطة كثمن للكشف على المرضى، يمارس البنهاوي مهنته كطبيب رغم لجوئه إلى ادعاء الاعتلال النفسي للهرب من السجن، ويؤثر البقاء في المستشفى حيث يحظى باحترام الأطباء بين النزلاء، حتى يخرج رفقة نموذج آخر ينضم متأخرًا إلى لوحة العشماوي، المرأة التي فقدت وحيدها فاختل اتزانها ومسّها الجنون، والتي اختار لها الكاتب اسم "الست حربيّة". لا توجد شخصيّة هنا لا تحمل اسمًا لا يمكن تأويله، فللأسماء في هذا النص دلالة عظيمة، فهذا المحامي المدعو شاهين والي، الذي أنقذ معتوق ومن قبله الممرض/الطبيب خليل البنهاوي من السجن، هو بالأساس عرضحالجي زوّر شهادة تخرجه في كلية الحقوق وصار عضوًا في نقابة المحامين! والصحافي الذي ينشر الأخبار المسليّة ويرتب الرسائل الواردة إلى بريد الجمعة في الأهرام، هو بالأساس ساعي البريد شاكر الجهيني الذي يداوم محل أخيه التوأم نصف أيام الأسبوع، فينتقي من استغاثات التعساء من تقدر الجمعية على تفريج كربته، اعتاد شاكر قبل ذلك التلصص على الخطابات التي يُكلّف بتوصيلها، كما أنه تمادى في تورطه فجعل يكتب ردودًا لبعض الخطابات! كما أن لدينا بطل سابق فقد ساقه في حرب أكتوبر، لا يكون البطل سابقًا إلا في مصر، صفة السابق لا ترفق كصفة مضافة للأبطال في كتب التاريخ ولا في أي بلد آخر، ولعل احتجاز فعل البطولة في الزمن الماضي كان له الفضل في تحوّل سراج البدوي إلى مرشد للمباحث، وموزّع للمخدرات بعلم الدولة التي رفضت طوال الوقت أن تمنحه ترخيص كشك يتقوقع فيه في آخر أيامه، أما عامل المجاري فارس عودة، الذي يعثر على خبيئة ذهبية يسلمها للحكومة فتمنحه بدورها بضعة أسطر وصورة باهتة في جريدة مآلها الاصفرار، فهو بالأساس مدرس موسيقا!
حضور هذا الزخم من الشخوص، منح الرواية نكهة محفوظيّة خالصة، وأنا أعرف أن هذا التشبيه ينطوي على ثمّة مساس بالمقدسات، ولكنه رأيي وأمري لله، فعلاوة على احتشاد كل هذه النماذج من المقهورين المهمشين، حرافيش الانفتاح وما تلاه حسب تأويلي الشخصيّ، فقد جاء رسم الشخوص وخلفيّاتها وتطوّراتها شديد الإتقان، نحن أمام نص محكم هتّاف بالاحتجاجات الساخرة من واقع فانتازي، أبشع ما فيه أنه حقيقي.
لا يفوتني هنا أن أشير إلى شخوص أخرى ضمتهم جمعية معتوق السرية التي كوّن بها وطنًا جديدًا، أو عزبة موازية داخل "عزبة الوالدة" التي اختارها العشماوي كمسرح للمكان، مثل راوية، مدرسة التاريخ التي تتوقف ساعة تاريخها قبل ميقات ثورة يوليو، وتستفيض في شرح تاريخ عزبة الوالدة، ذلك الحي المصري الذي كان في الأساس عزبة بناها الخديوي اسماعيل لأمه خوشيار هانم، راوية هي عشيقة معتوق وحبيبته، وهي من رعت ابنته زهرة بعد القبض عليه، قبل أن تتزوج وتُطلق لأن رحمها كأرض العزبة بورٌ لا يطرح الثمر، لدينا كذلك شخصيّة فتحي السمّاوي، السمّْام (الشخص الذي تكلفه الحكومة بقتل الكلاب الضالة) الذي يربي كلبًا لابنته، لكنه يبيع الكلاب التي يصطادها ولا تسأل الحكومة عن مصيرها، لمحلات الجزارة. عامل النظافة زكي الساكت الذي يمعن في إيمانه بالزيف فيعمل كشاهد زور في قضايا محكمة الأسرة، ويعمل على إمداد المتضررات والغارمات بمساعدات الجمعيّة. الست أنهار، أرملة المعلم غالي تاجر المخدرات الشهم، التي تبيع الحلوى للصغار، والمخدرات للكبار، متظاهرة بالعمى طيلة الوقت. مينا، طالب كلية الهندسة الذي يعجز عن الحصول على الشهادة برسوبه المتكرّر الناتج عن كونه مسيحيّ الديانة.
ولعل الشخصيّة التي استوقفتني كثيرًا، وحملت رسالة هامة يمكن اختزال الرواية من خلال رصدها على حدة، فهي شخصيّة أسعد جرجس، كومبارس السينما المغمور الذي يستعين به أهل عزبة الوالدة لكي يمثل دور أحد أقارب العروس أو العريس في حفلات الزفاف، تدعمه وجاهته وأناقته وشدّة اعتداده بنفسه. شخصيّة أسعد جرجس ترسخ لفكرة الحيوات الموازية التي نخترعها هربًا من قسوة الواقع وقبحه، فهو كومبارس شبه صامت في الأفلام التي يشارك بها، لكنه بطل فوق العادة، وسفير تفرش تحت قدميه بُسُط الامتنان والاعتزاز في حياته البديلة.

رموز ودلالات...
كانت لوحة معتوق هي بطلة الحكاية، إذ ظلت حاضرة لتعبّر عن الحياة البديلة/الموازية، كأنها مرآة خدّاعة تكشط الهم عن وجوه حرافيش الزمن الحرام، قبل أن تعكسها، فتمنحهم بذلك جميعًا دور البطولة التي لا تعرف سياسة نجم الشباك، والبطل الأوحد الذي يحتل أغلب مساحة الأفيش.
كانت زهرة ابنة معتوق هي الانعكاس والتجسيد الحي للوحة زهرة الخشخاش المسروقة، بدت كزهرة فان جوخ، ذلك أن كلتاهما صامتة، كما أن اللوحة التي ادعت الحكومة استردادها كانت هي النسخة الزائفة، التي رسمها معتوق ذاته كتغطية على جريمة السرقة الحقيقية التي شارك بها، وفي ذات الوقت تجد زهرة نفسها وقد حملت اسم خالها عوضًا عن اسم أبيها معتوق. زهرة واللوحة، شكلتا امتدادًا لبعضهما، وربما عكست كل منهما قسمًا من حكاية الأخرى.
حكاية الزهرتين اللتين فقدهما معتوق، هما بداية توغّل الزيف بفساده ومظاهره القبيحة في شتى طبقات المجتمع، ورد فعل معتوق الذي قرّره، لم يكن ليتخذه لو لم يفقد الزهرتين، المرسومة، والحيّة الصموت.
أما غريب أبو اسماعيل، أو غريب سعيد لاحقًا، فهو سفير الانفتاح المخلص لزمن الزيف الذي عرفته مصر في منتصف السبعينيات، يسرق اللوحات أو يستأجر من يرسمها، ويداهن الكبار فيحتكر مقعد الدائرة تحت قبة البرلمان لعقود، قبل أن يرشح للوزارة في نهاية عهد مبارك، كان غريب هو الشخص الشرير في الرواية، لكنه لم يفعل إلا ما فعله الآخرون من مجايليه في زمن العبث، احترف الزيف فارتقى مصعدًا، جاعلاً من البسطاء درجًا يثب فوق ظهورهم كلما طمع في المزيد.

وأخيرًا، أخببت إبراز الرواية ذاك الخيط الضعيف الشفيف الذي بات يفصل الأصالة عن الزيف، والعقل عن الجنون، والشرف عن الفساد...

ثيمات رئيسة...
إضافة إلى تسليط الضوء على ثيمة الزيف، فقد اكتظت الرواية بعدة أفكار مررتها الشخوص الفاعلة في مجرى السرد، ومن أهمها الافتقاد، فالشخوص هنا تعيش حالة من الفقد المستمر، افتقاد الأب لابنته، فقد العاشقة للمعشوق، فقد المرأة للولد، افتقاد الابنة لأبيها، افتقاد القبطي للمساواة، افتقاد المهمشين للحياة، واحتياجهم للخروج من جحور حشروا فيها على حين غرة، فقد زهرة لصوتها، تنازل خليل عن عقله طواعية ومن ثم فقدانه الرغبة في تعاطي الواقع، وأخيرًا؛ افتقاد الوطن للبصر والبصيرة، بحيث بات مصابًا بقصر النظر، يبصر المقربون، والضخام، ولا يلحظ وجود الواقفين في آخر الصفوف، ولا الصغار مبتوري الأمل.

ثمّة أفكار أخرى هامة لا يمكن إغفالها وإن سبق الإشارة لها، الفساد القبيح في مقابل الفساد حمّال النوايا الحسنة، التاريخ المبتور في مقابلة مع الحاضر المسروق، والسحب التي بدت شبيهة بالذئب والثعلب والخرتيت وما تنطوي عليه من إحالات بارعة عن ثلاثة عصور مرت على مصر، من دون أن يتغير شيء، وعن أجيال من المواطنين راكمت إحباطاتها فاستحالت تدريجيًّا حفنة مترابطة من أعواد الثقاب؛ مؤهلة للاشتعال مع أول احتكاك.
"عندما قرأت الرواية، أدركت عبقريّة الغلاف"

ختام...
رواية سياسية شديدة الجرأة، تفضح الزيف بالزيف، تسلط الضوء على واقع يجاوز الفانتازيا بغرابته وعجائبه، تقتطع من طين مصر مضغة صغيرة هي عزبة الوالدة وتضعها أسفل عدسة ميكروسكوب تتيح للقارئ مشاهدة ما تعجز الدولة عن رؤيته، بعدما أصيبت بقصر النظر فأعارت نظارتها الطبية لجيرانها اضطلاعًا بدورها القيادي.
ترابط محكم في بناء الشخصيّات وحنكة في إدارة إيقاع الحكاية بحيث تظل وتيرة التشويق ثابتة، استخدام اللوحة ببراعة، والتعديلات المستمرة على تفاصيلها، بما يحقق العدالة الاجتماعية الغائبة، ويتيح للمهمشين مهمة اعتلاء خشبة المسرح.
أما النهاية، فقد جاءت متقنة معبّرة، زاهية على قسوتها، تمامّا كلوحة معتوق. نهاية رمزيّة مفتوحة، لكنها لا تحتمل الكثير من التأويلات، اجتمعت أعواد الثقاب، قد يٌغيّب القدر أحد الفاسدين، لكن غياب الجاني لا يغير بالضرورة من مصائر المجني عليهم، ولا الحالمين بعزبة بديلة تعوضهم عن وطن استحال عزبة معروضة للبيع بما حوت من بشر وتاريخ وحجر.
أعواد الثقاب باتت مؤهلة للاشتعال، مشهد يمهد لثورات ستعقب انقضاء زمن الرواية، قد يتوقف القارئ متسائلاً عن مصير هؤلاء، وريما يلام الكاتب لعدم إغلاقه ما تركه من الحلقات مفتوحّا، لكن قراءة الصحف خلال العقد الأخير، تجعلنا ندرك ما جرى لهم عقب كلمة "تمت".

لسبب لا أعرفه، وهو خارج عن سياق الرواية بكل تأكيد، قفز إلى ذهني عقب قراءة هذه الرواية، شريط صوتي لجمال عبد الناصر إبان محاولة اغتياله في المنشية، كان أبي يحتفظ بنسختين من هذا الشريط.
عندما دوّت الرصاصات تباعًا، ساد هرج ومرج، ثم هبّ صوت عبد الناصر من جوف الكاسيت، صارخًا بنبرة مبحوحة؛
“أيها الرجال، فليبق كل في مكانه، لقد علمتكم الحرية، علمتكم الكرامة، فهل تقتلوني؟! أيها الرجال، فليبق كل في مكانه، ليبق كل في مكانه"!
أيها الزعيم الخالد، لا تهدر طاقتك كما أهدرت أحلام جيل، أيها الزعيم، لم يبق أحد في مكانه، فوفر صراخك، لأنك وضعت الطبقة الأولى من الكبريت على رؤوس المصريين، أيها الزعيم، أكرر؛ لم يبق أحد في مكانه، إلا من اقترب من مدار بصرك، وأبصار رفاقك.

شكرًا أستاذ أشرف العشماوي
استمتعت، وتأثرت، ضحكت وبكيت، وشعرت بالفخر لأن بيننا من يكتب رواية بمثل هذه الصراحة والجرأة والمكاشفة وحب الوطن، فتمرّر رسالتها بأمانة وحرفيّة، وتحقق تلك المتعة الخالصة.

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2023-10-05

المصدر الأصلي على ووردبريس