محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ناي في التخت الغربي: صولو الحنين في استجواب المفاهيم، بين نشاز الفلاسفة، ومقامات الشيخ سيد…

مفتتح...

"لا يوجد إنسان ولد وهو يكره إنسانا آخرَ بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تعلّمت الكراهية، فإذا كان بالإمكان تعليم الناس الكراهية، فبإمكاننا أن نعلمهم الحب؛ خاصة أن الحب أقرب إلى قلب الإنسان من الكراهية"
(نيلسون مانديلّا)
بهذه العبارة تستهلُّ الروائية السوريّة ريما بالي روايتها ذات الصرخة الهادرة "ناي في التخت الغربي"، فعلى الرغم من العنوان الخدّاع، وصورة الغلاف الهادئة ذات ألوانها الزاهية، والتي تعبر ببراعة عن مضمون النص ورسالته المطمورة بين ركام الحكايات، فقد كان استدعاء صوت نيلسون مانديلّا على وجه التحديد، خير تمهيد لرواية لن تمنح القارئ عُصارتها بسهولة.
من الروايات ما يترك أثرًا متفاوت الآماد، وبعضها يُخلّف متعة عابرة. وترتبط بعض الروايات بحدثٍ تاريخيّ محدّد، تقرأها فتزفر آهات التعاطف وربما زفرات الندم، بيد أن بعض الروايات، ومنها هذه الرواية؛ تظل مخادعة مخاتلة كجبل الثلج، ما يطفو من فصول حكايتها ظاهرًا أمام أعين القراء؛ يطوف حول دوّامة الحرب السوريّة، ويرصد آثارها الممتدّة والمتمدّدة بمقياس رسم خارطة الشتات السوريّ على وجه الخصوص، والعربي في العموم. لكن القارئ كلّما أمعن النظر في ما خفي بعيدّا عن ناظريه، ونبش ما وراء الأسطر، خصوصًا في نصف الرواية الأول السابق لمرحلة الإفصاح عن المُراد، تناهت إلى أذنيه صرخة مؤلمة، كأنها استغاثة يطلقها رضيع بُتر ثدي أمه أمام عينيه.

موال الوجع القديم، بصوت مغاير، ونبرة مختلفة لناي مبحوح...

لسنا أمام حكاية مُعادة، أو قصة مُكرّرة، عن فتاة غرّبتها الحرب السوريّة، وغرّر بها المهجر كدأب الأوطان البديلة، ولسنا -فقط- أمام ناي شرقي يحاول أداء صولو منفردٍ في أوركسترا غربيّة لم تعتد حضوره وربما لم ترحّب به، فالواقع أن ما تمرّره هذه الرواية يكشف أن الجانب الخفيّ من جبل الثلج ليس ناصع البياض كقمته، أنما هو مصبوغ بحمرة الدم، وسواد الذكرى، ورماد الآمال المحترقة.
هكذا، فإن الحقائق التي تتناقلها أذرع الإعلام بمختلف ميولها، تبدو مغايرة لحقيقة الأزمة السورية عندما تقرأ هذا النص. فالأزمة السورية ليست سوى قطرة فرّت من لّجة المأساة، شقفة خشب تطفو على سطح نشرات الأخبار فنبكي لمرآها، بينما نغضُّ النظر عن سفين ضخم أغرقناه عن عمد خلال قرون، سفين حوى ذات يوم فطرة الإنسان وبراءته.

تفتتح الكاتبة حكايتها بحقيبة تعود إلى صاحبتها (ناي) بعدما تشظّى بها الزمن وتناوبت عليها المطارات، ثم تحملنا ناي في حقيبتها لتعرض لنا محتوياتهما؛ الحقيبة وصاحبتها. وفق هذا المنظور راقبتُ ناي وحقيبتها كوجهين لعملة واحدة، وما المرء منا إلا حقيبة، حقيبة حيّة متحرّكة، تحوي كل بصمات الزمن وأغراضنا غير الملموسة وذكرياتنا وندوب التجربة ومقتنياتها، وما بقي منا. وبينما حوّت حقيبة ناي ما أرّقها فقدانه، فقد حوت صاحبة الحقيقة ما لا يسقط ولا يضيع؛ حمولة الذكرى وميراث الخوف وندوب الفرار والعودة وما بينهما من خدوش تأبى إلا أن تترك أثرًا؛ روح معبّأة بصرخات لم تطلق في حينها، وغياب تُنكره عبر استحضار الغائبين.

ناي، فتاة سورية تفرّ مرغمة من وطن غدا كأمٍ تأكل أبناءها، وكم من بلد عربيّ تحول إلى أمٍّ فقدت قداستها، فراحت تعمد إلى تجويع أطفالها قبل أن تلقي بهم في إشارات مرورٍ لا تعرف تداول الألوان فتظلُّ أبد الدهر حمراء. ترحل ناي رفقة زوجها غسّان عقب تحوّل الثورة السوريّة إلى حرب أهلية واقتتال ما عاد بالمقدور تمييز طرفيه، تبدأ ناي حياة جديدة في بروكسل، تستقرّ أمورها الظاهرة والملموسة، لكن الجانب الحسيّ غير المعلن عنه، الراسخ في حناياها، يشرع في التغيّر والتبدّل، فالأمان الذي خُيّل لها أنه مرتبط بالخروج من مدار قذائف الهاون وبراميل البارود، لا يتحقق بالضرورة ولا بالتبعيّة في بروكسل، إذ اكتشفتْ هناك أن ظمأ الفؤاد لما هوى، ليس معنيًّا بالحروب.

تقنيّات سرديّة، وإضاءات فلسفيّة...

تقنية كتابة هذا النص تعدُّ من أهم مميّزاته، تفتيت الزمان والمكان ثم نثرهما بين الفصول، حالة التناوب المكانيّة والزمانيّة، التنقّل بين حلب وبروكسل ولاس بالماس بين عامي ٢٠١٤ و٢٠٢١، عدم التقيّد بالخط التصاعدي واعتماد حركة دائرية للنص، كل هذه أمور تمتعني كقارئ إذ تشحذ انتباهي وتثير فضولي، لكن إقحام أصوات المقيمين في برزخ الغياب، كان له أثرًا قويًّا، إذ جاء كخرق لأُطر المنطق السردي، فمنح الرواية حسًّا جعلها في مرتبة وسطى بين الواقعية السحريّة وأدب الحرب والرواية الفلسفية. ولا أود لقارئ هذه الكلمات أن يتعجّب صفة الرواية الفلسفيّة، فما تصرخ به هذه الرواية يدعو إلى إعادة تفنيد الأسباب التي تراكم العنصريّة من منظور فلسفي هادئ، يتعضّد بالمنجز العلمي في العصر الحديث.
ومن هنا أدعو قارئ هذه الكلمات إلى قراءة الفصل رقم ٢٢، ففيه سرد لتجربة علميّة حقيقيّة، دقيقة في منهجها، مؤلمة بنتيجتها حين نسقطها على الجنس البشري.

"الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة"، هذا ما قاله ابن خلدون في مقدمته، بيد أنني أؤثر ألا استرسل في نقل كلمات الفيلسوف والمؤرخ العربي الشهير، لأن حديثه هذا جاء في سياق شؤون الحكم وإحكام سلطة الحاكم، لكن إشارته إلى الفوضى الناتجة عن تعدد العُصب والآراء والأعراق، هي ما نعانيه اليوم في شتى بقاع العالم، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص، وهو ما جاءت ريما بالي لتعيد صياغته في صورة روائية محكمة البناء.
في بروكسل، تتقاطع طريق ناي مع الصحافية البلجيكيّة "سيسيل سونييز"، المولودة لأم لبنانيّة من أصول أرمنيّة وأب بلجيكي من أصول إسبانيّة. وسيسيل مهتمة بدراسة علم الأجناس وتُتابع اكتشافات الخرائط الجينية والجينوم الأعلى وتحليل الأنساب بصفة دائمة، تترعرع صداقة ناي وسيسيل، فتُطلعها الأخيرة على مشروع كتابها الذي يناهض العنصرية عبر اكتشاف اختلاط واشتباك الأعراق البشرية كلها، وصولًا إلى ما مفاده أن البشر جنس واحد وعرق واحد بالأساس؛ كلهم ألوان مشتقة من خيط واحد (الآن طالع غلاف الرواية والتقط مغزاه). لا تبدو فتاتنا الحلبيّة مهتمة كثيرًا بتتبع جذورها، ولمَ تهتم قد لفظتها شجرة الوطن فتركتها غصنًا مبتورًا يجف في صقيع الغربة؟
تتعلّق ناي بحبال سيزار، صديق سيسيل الغامض، فتتغيّر خرائط قلبها، وعقلها بالتبعيّة. تُقدم على طي صفحة الماضي في ذروة ارتباطها، إذ كان عجز ناي على ترتيب ما حوته روحها، ونفض رماد الحرب عن خرائط عقلها، يجعلها أشبه بحقيبة تكتظ بأغراض متشابكة، ممتلئة وثقيلة لا يسع المرء إغلاقها ما لم يتخلّص مما زاد عن طاقتها وحمولتها. هكذا تتصرف ناي كجنين بالكاد يفتح عينيه بعد مخاض الحرب، فيمد يده ليقطع حبله السُرّي بخنجر مثلوم. وحيث كان غسّان هو المرآة التي تعكس شوارع وأزقة حلب وزمانها المسلوب، وعلى الرغم من الحب الذي جمعهما وأفضى إلى زواجهما، فقد كانت آثار ما بعد الصدمة كافية لهجرانه، هكذا تنسحب فتاتنا المهزومة، وتهجر غسّان ذات أمل في ولادة جديدة تتم في مطهر الغربة، فلا تعكس ندوب الماضي.
كانت ناي تحاول مداوة الندوب عبر إشاحة النظر عنها، فقررت تحقيق الانعتاق عبر الانخراط في عناق الآخر...

المكتبة كحاضنة للتاريخ والهوية...

أحد الركائز الأساسية في روايتنا هذه، هو حضور مكتبة عم اسكندر، خال ناي، الذي حلم طويلاً بتأسيسها، فاستبدل بها صالون حلاقة أبيه عقب وفاته، وقاوم اندثارها حتى اللحظة الأخيرة. كان اسكندر هو الأب الروحي والمعلم في نظر ناي، وكانت ربيبته التي جاهدت لحماية حلمه من الضياع بعد رحيله، فظلت الوحيدة بين قطعان الوارثين التي ترفض وتؤجل وتسوّف بيع المكتبة. كانت رمزية المكتبة عظيمة الأثر، إذ كانت حاضنة الهوية الراسخة كمنارة تقاوم ضياع السفن وانصرافهم عنها، ومغارة الوحي التي فرّت إليها ناي عقب عودتها إلى حلب، لكنها لم تكن تعرف أن زمان الوحي انقضى، وأن المكتبة ستجسّد دورة التاريخ العربي بارتدادها إلى الماضي، لتنتهي كما بدأت، وتعود كما كانت، صالون حلاقة، عصري هذه المرة...
في نهاية الفصل الرابع والعشرين، بينما ترص الكتب في الصناديق بغية إفراغ المكتبة وتسليمها للمشتري الجديد، تقول ناي مخاطبة "أبيها":
- كتب ميّتة مدفونة في صناديق النسيان يا أبي
فيجيبها "الأب": لا وجود لكتب ميّتة، من قال إن الكتب تموت؟ يزول البشر، تُهدم البلاد، لكن الكتب لا تموت، هي أرواح لا تفنى وأفكار لا يطالها قتل أو إلغاء، ولو حبستِها في ألف صندوق!
ويتواصل الحوار الآسر بينهما إذ تقول ناي:
- ما فائدة الكتب إن لم تُقرأ؟
- ستُقرأ متى حرّرتِها
- التحّرر بحاجة إلى ثورة، والثورة انتحرت بعد أن قتلت أبناءها.
- وهل يدوم هذا الموت أبدًا؟
- يومًا ما، ستحيي الأرواح ثورتها.
- وروحي الميتة من يحييها
- أنتِ خير من يُحيي أحبّاءه الميتين...
- ومن أين آتي بالحب لنفسي؟
هذا المقطع، أبكاني مرّتين، مرّة فور قراءته في سياقه، ومرّة ثانية عقب النهاية التي حملت مفاجأة صاعقة!

الأوطان البديلة، وغدر أطواق النجاة بالغرقى...

عقب تعلّق ناي بسيزار، وسقوطها غير المشروط أو المحسوب في هواه، تتحول إلى فراشة تود حرق أجنحتها كي لا تفكر في العودة، يطالبها بالعمل في معيّته في منظمة دولية (سرّيّة) تُعنى باستقصاء أحوال المهاجرين العرب في أوروبا، تدريجيًّا يُمرّر سيزار إلى ناي خوف منظمته من انخراط المهاجرين العرب في أعمال إرهابية، خصوصًا عقب تفجير مطار بلجيكا وما سبقه وتلاف في باريس وإسبانيا، ومن ثم ضرورة مراقبة غالبيّة العرب، خصوصًا المُتردّدين على المساجد بصفة دوريّة. قبل ذلك وخلاله، تعرض ريما بالي بسلاسة سرديّة حكاية طارق الحموي، الشاب الحلبي الذي فرّ من حلب إلى باريس، وحصل على الجنسيّة الفرنسيّة من خلال زواجه من إيديت التي تكبره بعمر على عمره، يتأرجح طارق، الذي أعدم أبوه في أحداث حماه، بين الالتزام بتعاليم دينه وتعاطي مفردات حياته الجديدة كمواطن فرنسي يعمل في مجال المطاعم. يستقل بمطعم في لاس بالماس مع عشيقته ماريا، وشريكه المغربي محمد، قبل أن تبزغ في حياته حلبيّة أخرى، تلك كانت ناي، التي جاءت لتراقبه عملاً بالتكليف الذي أصدره لها سيزار!
الوطن البديل لا ينثر الوعود بالكثافة التي يتصوّرها المهاجرون، ولا ينفّذ من وعوده إلا أقل القليل، فقدتْ ناي اتّزانها ولم ترتّب أدراج ذاكرتها وقد ضلت سبل التأقلم في وطن بديل سخّرها لمراقبة بني جلدتها، ورفض الوطن البديل الاعتراف بطارق فوضعه تحت عدسته حتى اجتثّه من عالمه الجديد معاقبًا لا لذنب اقترفه، بل لهويّة ورثها ولم يقترفها.
تلك الأوطان التي نلقي أرواحنا تجاهها كطوق نجاة وقشة غريق في محيط الغربة، لا تلبث أن تتآمر علينا، فتسلمنا لأخبث موجاته وأغدرها.

جحيم الفلاسفة، وبرزخ سيسيل، وبراعة ريما...

الجحيم هو الآخرون، عبارة مأثورة لسارتر، تستخدم في سياق مغاير لما قصده الفيلسوف الفرنسي، لترسّخ الخوف من الآخر في المطلق، وتشيّد الحواجز في مواضع خاطئة، بينما قصد سارتر -حسب فهمي- مخاطر استسلام الفرد للآخرين عاطفةً وفكرًا، أي التأثر بفكرة أو مذهب الآخر من باب الانقياد. وإن كانت العبارة تستخدم في نُطق متباينة قابلة للتأويل، فقد كانت عبارات فولتير أكثر وضوحًا حين وصف اليهود بأنهم ولدوا بتعصب فطري في قلوبهم كولادة البريطانيين والألمان بشعر أشقر، كما صوّر الأفارقة بأنهم حيوانات محدودة الذكاء! أما كانط، فقد ذهب بعيدًا بعنصريته حين صنّف التفوق البشري وفق تراتبيّة عرقيّة قبيحة، فجعل ذوي البشرة البيضاء في مقدمة الأجناس المؤهلة للتقدم وبناء الحضارات لحيازتهم كل المذاهب السيكولوجيّة وأُسس التفوق العقلي، يليهم الجنس الأصفر، ثم الأسود، ثم الأحمر (الهنود الحمر).
ربما كان هذا الفكر هو الجحيم الحقيقي الذي ينسبه البعض لمقولة سارتر.
لكن الفكر يواجه بالفكر، لهذا وُجدت شخصيّة سيسيل في هذا النص، لتمرر الرسالة المضادة للعنصرية التي ينهض نص ريما بالي عليها، ولكي تنجح سيسيل في الاضطلاع بدورها السردي، فقد حرّرتها الكاتبة من قيود الكتابة الموروثة، فمنحتها حق التواصل مع الراحلين والباقين على حد سواء، فسيسيل التي ولدت صبيًّا أسمر البشرة من علاقة مع محامٍ شاب، تمنح ابنها اسم آدم، كأنها ستعيد تشكيل السلاسة البشريّة من خلاله، تصر على توطيد أمومتها وصداقتها به معارضة نظرات الاستهجان والتساؤل في بروكسل، تشرع في التحضير لكتاب بحثيّ عقب الحصول على خريطتها الجينيّة التي أكّدت بالعلم أنها مزيج من أعراق وأنساب تجمع الشرق بالغرب بالقارة الأمريكيّة، والمسلمين بالمسيحين واليهود على حد سواء، تشرع في كتابة الخطابات إلى من توافقت خرائط أنسابهم الجينيّة ممن أجروا ذات التحليل لأسباب مختلفة، لا تُطلعنا ريما بالي على ما ترسله سيسيل (هذا ذكاء تقنيّ يمهّد لحيلة سرديّة)، اللهم إلا ردًّ وحيدًا موجزًا على إحدى الرسائل، لكنها عوضًا عن ذلك تطرز سرديّتها بالرسائل الواردة إلى سيسيل، من أحياء وأموات على حد سواء (هنا تسكن الدهشة، وتتحقّق الغاية/الوحدة بين القارئ والشخوص، حين يتعاطى القارئ الأمر بسلاسة).

عندما ننتهي من قراءة هذا النص، ونستعيد الرسائل المتبادلة بين سيسيل وجدتها فارتوهي-فرناند ابنة نعيمة غراسيا الفتاة النصف أرمنية ونصف تركية (والتي ترافق شبح إسكندر في برزخ الغياب)، ودييغو سوسون اليهودي الإشبيلي، والكاتب الأميركي مارتن، المولود لأبٍ أميركي وأم هي ابنة غير شرعية لامرأة مكسيكية وأب مجهول الأصل يتضح لاحقًا إنه هاروت خال فرناند وأخو نعيمة غراسيا، وليلى الرداد، الفراشة الفلسطينية الرقيقة، المولودة لأب فلسطيني وأم بلجيكية، ذات الحظ التعس الذي أوقعها في حب شاب يهودي من أسرة متزمتة، عندما نقرأ هذا كله، ونطلع على تفاصيل المعاناة التي خاضها هؤلاء لأسباب عرقيّة، ندرك عبث كل تفرقة يمارسها البشر منذ آلاف السنين، وزيف كل نهجٍ يُشرعن أي تمييز لم نزل نمارسه، كلنا، حتى هذه اللحظة.
عن نفسي لم أملك إلا أن أتعاطف مع فرناند ونعيمة ودييغو ومارتن وبالوما وهاروت، ارتبطتُ بشبح عم اسكندر، ربما غضبت من تردد ناي وتسرعها، لكنني تعلّقت بليلى الردّاد، وودت لو احتضنت أبا ناي.

إن الهويّة الإنسانية مجرّد تراكم لمفاهيم وثقافات وتجارب ولغة وشرائع دينيّة وتقاليد وأعراف وطرق تعبير، أغلبها تُفرض على الإنسان كنتيجة لمحل الميلاد وعوامل الوراثة، كأن يرث المرء لغته ودينه وقضايا جدوده ومشاغلهم.
من المهم أن ندرك أن الهويّة، رغم قوة تأثيرها على الفرد، لا تورِّث ثمّة تفوّق أو ضعف، وأن نتذكّر دائمًا أن الفارق بين البشر والكائنات وحيدة الخلية هو التكاثر من خلال الاختلاط، والاختلاط يُنتج التعدُّد والتنوّع، لذا فالتنوع هو فطرة وطبيعة الكائن البشري، ولو لم نقبل الاختلاف والتعدد، حتمًا يختل ناموس الإنسانيّة التي قرّرها الخالق للمخلوق.
أما على الصعيد العربي، فالمجتمعات العربيّة كلّها، حتى تجمّعات المهاجرين، لم تزل مجتمعات أميبيّة النزعة، نشأت وترعرت في ظل نظم حاكمة تود لو تتكاثر شعوبها عبر الانقسام الثنائي البسيط، حتى تغدو كلها نسخة واحدة، بلا ملامح، وبلا صوت.

عود على بدء...

تقرر ناي إنهاء مهمتها في لاس بالماس في إثر اختفاء سيزار وتكليف شخص آخر بمتابعتها وتوجيهها، تفقد حقيبتها التي تحوي كل ما دونته من تقارير وملفات وصور تُعدُّ كلها سريّة للغاية، تتخلّى عنها منظمتها السريّة، فتفرُّ عائدة إلى حلب في عام ٢٠١٧، مطاردة بأشباح الخوف وقد خالطها الشك -أخيرًا- في ما انخرطت به.
تعود إلى مكتبة اسكندر، تجالس أبًا غابت عنه، أو هكذا تتصوّر، تبيع الأقلام والمراسلات أكثر مما تبيع الكتب، ربما لم تبع سوى رواية مديح الكراهية للراحل العظيم خالد خليفة (ولاختيار هذه الرواية دلالة) لكن المكتبة، تُباع، فتحتفظ بالكتب، وتعود لها الحقيبة فتزلزل أركان عقلها مفاجأة أخرى، بيد أن الأمل لا يموت، خصوصًا بعدما تُفلح سيسيل في التواصل معها من جديد، وقد أنهت ونشرت كتابها الهام.

ختام وامتنان...

من خلال هذا النص الشجيّ، الداعي إلى وحدة بني الإنسان، والمتابع لمسارات الملفوظين من أرحام الأوطان آكلة أبنائها، والراصد لوهم الوطن البديل، تؤكد ريما بالي، من خلال عزف صولو منفرد على ناي حزين يعلو على صخب الحروب، أن أوطاننا تحرص على قص ريشنا قبل أن تمنحنا صك الرحيل، بذلك نصبح للخوف صيدًا سهل المنال، ينهبنا القلق بكرة وأصيلاً، فإذا تفادينا شهب الخوف التي هي في السماء دوّارة، سقطنا غير بعيدين، وعدنا إلى حظيرة الوطن موهومين بالحنين، ملفوفون في خرقة الهويّة البالية، نلملم ريشنا الذي تركناه في أقفاصنا، نطوي أجنحتنا، نُقبّل تراب حظائرنا، ونتعلم الدرس، فنؤمن أن الطيران خطيئة، وأن التحليق خارج أسوار حظائرنا خيانة، بل هو كبيرة تهتز لها عروش أرباب الوطن، ننسحب إلى داخلنا، نجلس القرفصاء خلف دُشن الهويّة المتداعية، نعود إلى قطعان أجدادنا، نتراص في طوابيرهم وفق العرق والجنس والدين، وقبل أن نسلم رؤوسنا لوسادتنا ذات الحلم الوحيد الذي يوزعه الرقيب على المواطنين الصالحين، لا ننسى أن نغلق باب القفص، ثم نأمر المفتاح بالطيران بعيدًا، عوضًا عنا...

استدراك...
بعدما قرأت هذا النص الرائع، قفز إلى ذهني نشيد " قوم يا مصري" الذي كتبه العبقري بديع خيري، وصاغ موسيقاه شيخ الموسيقا سيد درويش في إثر نفي الزعيم سعد زغلول، هرعتُ إلى يوتيوب وجعلت أسترجع ما حفظته في منافي أبي، فصدح الشيخ سيد في خاتمة نشيده:
"حب جارك قبل ما تحب الوجود
ايه نصارى ومسلمين قال ايه ويهود
دى العبارة نسل واحد م الجدود"

نسل واحد م الجدود!
رحمك الله يا شيخ سيد، ورحمك الله يا عم بديع، لو قرأتما هذه الرواية لسعدتما، ولعنتما أبا كانط وفولتير، ولآمن كلاكما بنظريّتي التي أثبتتها هذا الرواية وما استلزمته من قراءات ومطالعات موازية؛
فسفينة نوح يا ريما، ويا كانط، ويا فولتير، ويا ابن خلدون، ويا شيخ سيد، التي قيل أنها أقلت المؤمنين وتركت العصاة، غرقت في واقع الأمر فلم ينج منها أحد، وما نحن سوى أحفاد الناجين الحقيقيّين؛ أحفاد العصاة.

شكرًا ريما لأنك خاطبتِ بهذه العريضة السردية الاحتجاجية العالم بأسره... واصلي صولوهاتك ، فهي وإن بدت واهنة تظل قويّة الأثر إذ تتسرب من بين أصوات نشاز مزعجة...

أنا ممتن لهذا النص، وحمولته الإنسانيّة والفلسفيّة والأدبيّة الفريدة. هكذا ينبغي أن تكون رسالة الأدب.

شكرا All Prints Distributors & Publishers - شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

للقراءة على المدونة؛
https://mohamedsamirnada.wordpress.com/2023/10/07/%d9%86%d8%a7%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ae%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%b5%d9%88%d9%84%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%86%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ac/

#محمد_سمير_ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2023-10-07

المصدر الأصلي على ووردبريس