طفولة جيل النكبة والحلم المتجدّد؛ بين البحث عمّن يشاطرك الماضي، ومن يبقيه حاضرًا في المقبل من أيام صِعاب...

في ثنائية الكاتب الكبير إبراهيم نصر الله، طفولتي حتى الآن، وملحقها الإضافي شمس اليوم الثامن، وهما العملان المدرجان ضمن مشروع الملهاة الفلسطينية، توقفتُ طويلاً أمام هذا السرديّة الشجيّة، المسافرة فوق سحب الأحلام الشديد الالتصاق بأرض الواقع. هكذا هي هذه الرواية، عالم تسير فيه فوق أرض مكسوّة بالغيم، تشعر أنك تسبح في عوالمٍ من نسج خيال الحالم، لكنك الأرض الصلدة، القاسية أسفل قدميك، تردّك إلى طور الرائي، الشاهد، والمتلقّي لحكاية كلما تصوّرت لوهلة أنك قرأتها من قبل، تعود لتدرك أنك لم تقرأها في كتابٍ، بقدر ما عشتها بنفسك من قبل.
هذا النص لا يستقيم أن أتناوله من خلال قص الحكاية وتتبع مسارات الحبكة وتطوّر الشخوص، إذ أجد أن الكتابة عما تركته فيّ من أثرٍ، لهو أهمّ وأعمّ من كرّ خيوط القصص، الواحدة تلو الأخرى.
أدب السيرة
اختار نصر الله لهذا النص تبويب "رواية"، ولكنك تتفطّن، من خلال حميميّة المشاعر وصدقها، أنك أمام كاتب يروي نفسه، يتعرّى على طريقة آني إرنو الشهيرة. أرى – كمتلقي – أن نصر الله تفوّق على إرنو كثيرًا في قصّه لحكايته، ربّما لاختلاف الخلفيّات، واكتظاظ الذاكرة بمشاهد الهزيمة والخذلان، وربما لجزالة التعابير الشعرية المضفورة بشجون سرحت أسفل جلد جيل النكبة، فاستوطنت مسامه وباتت تطل من الأحداق، وتنز من أسنة الأقلام كجرحٍ لا شفاء له.
سلسلة من الطفولات، نستهلّها بطفولة أولى غنية التفاصيل، ونختتمها بطفولة سابعة مفتوحة على سماء تتسع لكل لأحلام وتضيق بأدعية المقهورين. ذاك الطفل الذي شيّد في مخيّلته، وقرب داره في المخيّم مطارًا يطير به على بساط من الحلم إلى شتى البلدان التي يسمع عنها ويعرف أن زيارتها في حكم المستحيل، وذاك الشاعر الذي تقاذفته الفنون بين الموسيقا والشعر والرسم والقصة فالرواية، صار بشحمه ولحمه أحد أهم الكتاب العرب المعاصرين، وأعتقد أن رحلته هذه بدأت من هناك، في ذاك المخيم في الأردن، فوق مدرج الطائرة الخياليّة، وربما لو لم يتشبث ذلك الطفل بحلمه في طيران وسفر وخيال، لما بات لدينا الآن هذا الكاتب، فالبذرة التي غرست في خيال بريء، أنبتت تلك الشجرة السامقة، التي تطرح مثل هذه النصوص.
الفضاء الزمني للرواية
تدور الرواية في زمن وباء كوفيد، بتقنية تنتمي بطريقة ما إلى أدب الميتافيكشن، مما يخلق للنص زمنين متوازيين، زمن كرونولوجي الحركة يسرد حكاية الطفل الذي بات رجلًا ستينيًّا لا تغادره طفولته، وزمن ثابت هو زمن جائحة الكوفيد، الذي يُذكرنا به الكاتب من خلال رسائل نور التي تعلق على كل فصل فور قراءته معنا.
إذ نجد أنفسنا أمام كاتب يقرّر في إثر العزلة القسريّة، وبعد جولات كثيرة في ميادين الأدب، أن يدوّن حكايته التي تناثرت بعض تفاصيلها في عدة أعمال شعريّة وأدبيّة، وقد آن لها أن تلتمّ مكونّة صورة واضحة مكتملة التفاصيل. هكذا ولد هذا النص عن استحقاق، وعن استحقاق للقراء ربّما تأخر الكاتب في إصداره. يكتب الراوي طفولة أولى، ثم يرسلها إلى صديقة راوغت مرادفات الحبيبة طيلة ستة عقود، ترد الطبيبة الفلسطينيّة المغتربة "نور" على الفصول، الواحد نلو الآخر، فتدمغ صدقيّتها، وتضيف لها على قصر رسائلها.
تشابهات وتقاطعات
نعود إلى طفولة نصر الله، أو طفولة الكثيرين منا في أكثر من جانب مع اختلاف الخلفيّات، فإذا أمعنّا النظر في شخصيّة الأم، الوزيرة والمقاتلة والمحفّز الأكبر لأحلام أبنائها، الحكاءة الماهرة، وراعية الأحلام البريئة، التي ترفع أبناءها إلى مصاف المتعلمين، ثم لا تخجل من الالتحاق بصفوف محو الأميّة كي تليق بأحلامها؛ ألم يعايشها أغلبنا أحد طيوفها؟ الأب الدوّار في سواقي رزقٍ تمتص سنواته وتراكم المرض في جسده، ألا يشبه أب كل منا؟ العمّ الشاعر الذي يغذي خيال الطفل ويعرّفه بأشعار إبراهيم وفدوى طوقان، ألم يكن لدينا عم أو خال أو ثمّ قريب يزودنا بما نحب؟ موسيقا، أو شعر، أو أفلام سينمائية، أو كاسيت أغاني، أو روايات، أو مجلات...؟ العمة (وزيرة الطاقة وفق تعبير نصر الله) وسماتها ووصفها وقربها من أبناء أخيها، ثم العيش في مأساتها الخاصة، ألا يلوح في مرايا ذكرياتنا عمّة أو خالة تحمل من قسمات وجهها قبسًا، أو شيئًا من مآسيها؟ الأمر ذاته فيما يتعلق بالأصدقاء؛ كلهم يشبهون أصدقاء طفولتي، أو هكذا رسمتهم مخيّلتي المحتشدة بالوجوه الراسخة من ذاك الزمن البريء، أشعر أنني تشاركت اللعب مع بشير ونبيل وقاسم في أكثر من مناسبة، ولكنّي لا أذكر أين أو متى! وأخيرًا هالة؛ الواقع الحلو الذي يبدد غبار التردد والانتظار.
دلالة العنوان، وعمق الأثر
هذه هي الحالة التي تركها النص في وجداني، حنين، شجون، عوالم بريئة تمخر عباب الوقائع فوق شراع الخيال، الطفولة الدائمة، المتجدّدة التي لا تنضب، والتي هي مربط فرس هذه الحكاية.
فلماذا زاوج نصر الله إذن في عنوانه بين نقيضين زمنيّين بمنتهى السلاسة؟ نعرف أن الطفولة جزء من ماضينا، ومن ماضي الكاتب الذي خطّ هذا العنوان بينما يوشك على طي العقد السابع من عمره، نحن إذن أمام كلمة تنتمي إلى الماضي، بيد أن نصر الله يحيلها ببراعة إلى المضارع إذ يضيف لها كلمتي "حتى الآن"، الأمر الذي يمرّر دلالة ورمزية هذه السرديّة البديعة. فحسب رأيي وتأويلي الخاص؛ ترتبط الطفولة بالحلم، بالخيال السحري، بالإيمان بحكايات علاء الدين وبساطه ومصباحه، بينما تنتهي وقتما ندرك أن أحلامنا صعبة المنال، وأنّ خيالنا القديم لم يكن سوى غرس في العدم. هنا يعنون نصر الله روايته بعبارة تنفي انتهاء الطفولة وتؤكد على استمراريتها كمرادف لبقاء الحلم القديم على قيد الحضور، فلو غابت الطفولة غابت أحلامها، ولو تخلينا عن طفولتنا، فقدنا انتماءنا وإيماننا وقسم كبير من كينونتنا.
لا بد أن يواصل الفلسطينيون الحلم، ولا سبيل لذلك غير القبض على أذيال الطفولة وأحلامها الشرعيّة البريئة، ففي تجدد الطفولة استمرارية للحلم.
رسائل وصور
كثيرة هي الرسائل التي تفاديت الوقوف أمامها بالشرح لحساب رصد الأثر وتوثيقه، المخيّمات، المقاومة، مصيبة النكبة في 48 وما غرسته في الوجدان العربي من وجع، شرخ النكسة في 67 وآثاره الباقية، الأثر العظيم لغسان كنفاني، الوقائع السياسية السارية في خلفيّات الطفولة وظلالها الثقيلة، الحضور الموسيقيّ المنغرس كأوتاد تربط المحكيّة بزمان حدوثها، حكايات ثرية كحكاية العمة مع الشاب المُكنّى بالمصري، حكاية فدوى التي أصر الكفل أن تنجبها أمه حتى يصبح شاعرًا كإبراهيم طوقان، الصداقة الحقيقيّة الوطيدة، الأحلام التي يُكبلها المصير المفروض، الهجرات الطوعيّة والقسريّة، الحب الصريح والحب الحائر بين مسمّيات الصداقة والعشق والأخوة، الفقر وندوبه التي لا تمّحي، مشاق التعليم ومن ثم العمل، السفر بين الخيال والواقع، والتمسّك بالطفولة وأحلامها كطوق نجاة لا بديل عنه.
شمس اليوم الثامن
أما الجزء الثاني من رواية "طفولتي حتى الآن"، أو رواية "شمس اليوم الثامن" التي اعتبرها نصر الله تتمة للرواية الرئيسة، فهي حكاية تسرّبت من الرواية الأساسية، وعلى وجه الخصوص من جراب حكايات الأم "عائشة"، وهي قصة آسره نجح من خلالها نصر الله في خلق مرويّة شعبيّة أسطورية تليق بأن ترويها أم فلسطينيّة عن جدها، وهي حكاية تحمل رمزّا عميق الأثر، عن رجل تنمو في خرج جمله نخلة، ثم تنمو فوقها أرض كما الشراع، فيمضي بين القرى كأنما هو رجل يحمل وطنه، ليبحث عن أبوين ينجبانه!
تصوير سحريّ متقن لحال الفلسطيني المغترب، سواء في الخارج، أو في الداخل، فكل فلسطيني يغرس وطنه في خرج جمل ترحاله، ويبني أرضه فوق رأسه، ويبحث عمن يلد له وطنًا، أو من يلده مرة أخرى، في وطن يقبل به، فلا يطرد منه.
ذلك حال الفلسطيني، ولو أردنا الإفصاح عن الواقع المتأجج في صدور أجيال كادت تنسى جَمَل جدّ إبراهيم، وطفولته، فلا مناص من استعادة قول الراحل الكبير إسماعيل فهد، على لسان ناجي العلي في رواية "على عهدة حنظلة": كل العرب الشرفاء: فلسطينيون.
خلاصة القول
في النهاية أقول؛ لكم أحببت علاقة إبراهيم ونور، تلك المشاعر النادرة التي تسمو فوق الحب والرغبة والصداقة، لتكوّن في حد ذاتها حالة شعورية فريدة. تلك المشاعر الحائرة، التي لم تفتر قوتها وأصالتها مع الزمن ولا بحكم الضبابيّة التي ظلت تغلفها، مشاعر كانت آصرتها الطفولة، وذكريات الزمن الأخضر الذي لم تـمحه أسفار الشتات، مشاعر لخصتها نور في ختام الرواية حين قالت "لسنا بحاجة لإنسان نشيخ معه، بقدر ما نحن بحاجة لإنسان نبقى معه أطفالاً"
رواية تتعالى على قسوة النكبة والتهجير والموت والغياب، تزدري المنافي والسجون، تمنح مشروع الملهاة الفلسطينية بُعدًا جديدًا، وتهب قارئها متعة صافية، وشعورًا غير مفسّرٍ بالدفء يطوّق جسده كلما توالت الحكايات مزاوجة بين البسمة والألم، ومتراوحة بين لوعة الفراق وعذوبة العشق.
ختامًا:
عندما يحلم طفلٌ فلسطينيٌّ بحريّة تراب وطنه، واستعادة أشجاره وطيوره ومدن خياله، فهو حتمًا لا يشيخ، ذلك أن طفولته (بكل صورها ومرادفاتها) هي مداده وزاده ومتاعه في السفر، وهي أمور لو نفذت من أي فلسطينيّ؛ يشيخ، يترنّح، فينثر فتات حلمه في ضياعٍ لا نهائي، تقتات عليه جوارح هذا الزمان.
هذا النص يهتف مخاطبًا قراءه؛ لا تتنازلوا عن طفولتكم، ولا تستبدلوا بأحلام العصر أحلام الطفولة الأولى، استمسكوا بأملكم وإن تراكمت فوقه صحف الخيبة واتفاقيات المهزومين، ظلوا على طفولتكم، لتبقى أحلامكم حية، حتى بعد غيابكم.
شكرًا أ. إبراهيم
استمتعت بنصّك، وأحببت ألواح ملهاتك أكثر، حزنت وفرحت، وخرجت من حكايتك وأنا مفعُمٌ بطفولة ظننتها لن تعود.
#قراءات_في_الأدب_فلسطيني
#محمد_سمير_ندا
قراءات أخرى في الأدب الفلسطيني تنشر تواليًا ؛
١. علاء حليحل؛ سبع رسائل إلى أم كلثوم، أورفوار عكا
٢. وليد الشرفا؛ وارث الشواهد، العائد من القيامة، ليتني كنت أعمى، أرجوحة من عظام
٣. سامح خضر؛ الموتى لا ينتحرون، يعدو بساقٍ واحدة
تاريخ النشر في المدونة: 2024-09-06