الرسائلُ التائهةُ بين أم كلثوم وعلاء حليحل؛ كُلّنا قابيل، ما زال يبحث هابيله....

كيف يمكن رصد حياة مجتمع أو وطن كامل من خلال تفاصيل يوميات أسرة صغيرة قوامها أربعة أفراد؟ وكيف يمكن أن نعيد رصد خطايا الجنس البشري الأولى، بحيث نحررها من كتب التاريخ، وننقلها إلى دفاتر يومياتنا، فتمسي أقرب إلى الحقيقة؟
يعتقد القارئ للوهلة الأولى، أنه أمام حكاية اجتماعية عن أسرة مأزومة، على الأقل في المستوى الظاهر من تفاصيلها، بينما المستوى الثاني (الأعمق والمخفي)، الساري في خلفية المشهد بسلاسة وبراعة، يرصد ملامح الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وما صاحبها من تغيرات نفسية واجتماعية، ربما لوحظت بعد اندلاعها بسنوات.
لا شياطين ولا ملائكة
أربعة أفراد، أب منزوٍ صموت، غارق في صراعين، صراع ظاهر مع زوجته وأحد أبنائه، وصراع مستور مع ذاته. ثم أم سبحتْ في فضاءات نهر الغرام، السارية بضفاف حنجرة أم كلثوم، وأحبت ولديها بعاطفة غير متساوية. ثم لدينا ولدين، شقيقين في العاشرة والحادية عشر من عمرهما، لكنهما متباينين أشد التباين، أحدهما حريص على حصد نظرات الإعجاب والتقدير من عيني أبويه، فيهتم بدراسته ويتفوق، والثاني له روح طلوق تشبه روح أمه، بل يمنح الدراسة أكثر مما يمنحها صبي حالم، يحب الطبيعة والمروج والكلاب. يبدو أن الأخوان على وفاق، وأن علاقتهما جيدة إلى حد ما، لكن تطور مسار الحكاية يسلط الضوء على الشرخ المتنامي بينهما، الناتج عن تفضيل الأم للصغير نور، وانحياز الأب السافر للكبير يزن. كلاهما امتداد لأحد أبويه، الصغير متمرد له روح فراشة، والثاني ممتثل لم هو ملزم به، سلبي النزعة، إلى حين يقرر إلحاق الضرر.
نحن هنا أمام نماذج تنبض بالحياة لبشر حقيقيين، كبارًا كانوا أو صغارًا، بشر يقفون على الحد الفاصل بين الخير والشر، بحيث يمكن للقارئ أن ينحاز إلى أحد الشخوص، قاطعًا بكونه بريء كالثول الأبيض إذ بحلو من الدنس، بينما الشخص ذاته قادر على الإتيان بالشر والأذى، وإلحاق كافة أنواع الضرر. الشخوص الأربعة هنا، نصف ملائكة ونصف شياطين، أين أنهم يشبهوننا، جميعاً...
الحب كمرادف للنكبة، والسلبية كراية تعلن الانسحاب من الواقع
هاجر، ابنة الخامسة والثلاثين، تشبه كثيرًا وطنها المنكوب، أو على الأقل؛ نصف هذه الشعب، العائش أسفل خيمة الفقد والكدر، هاجر العاشقة، التي عرف قلبها الحب وعانى قسوة الهجر والغدر، هي من تتابع أخبار القضية، هي الروح الحبلى بقصائد مبتسرة، وخطابات لم ترسل، ورسائل تشتل في عدمٍ هو أقرب إليها من واقع اضطرت لقبوله، ولم تحب من مفرداتها شيئا، إلى النظرة المتمردة الحالمة في عيني نور. هي من تُظهر في أكثر من موضع، أن النكبات لم تفارقها، نكبة الوطن، ونكبة القلب التي خلّفها حبيب آثر مطاردة أسراب المهاجرين، على الوفاء لعهدٍ قطعه لحبيبته. أذكر هنا حوارًا عبقريًا ورد في الرواية، حين سألت هاجر ولديها عن بيوت من حجر تشير إليها، ولمّا قالا إنهما لا يبصران شيئًا حيث أشارت، أجابت عن سؤالهما المعلّق: "هذا هو معنى النكبة".
أما مصطفى، زوج هاجر وابن عمها، فهو الشخصية المحورية في الطبقة الأولى من النص، هو العاشق الذي لم ينس أن امرأته لم تزل وفيّة لحب الرجل الذي هجرها، وهو الذي يود لو ينال أبناءه قدرًا أكبر من التعلم والثقافة، وهو الرجل السلبي الذي يحاول محو ذاكرة نكبته في محجره، حيث يصنع الحجر والرخام، يحاول مصطفى الابتعاد عن السياسة، ويتحاشى أن تطأ قدمه موضع ظل من يتحدثون في شؤونها، ليعيش نكبته الخاصة، النكبة المتنامية في صدره، وفي بيته، حيث ترك زوجة تحلم بسواه، وولدًا لا يشبهه في شيء.
من دلالات هذه الشخوص المصنوعة من لحم وروح، أن الذاكرة التي تحتفظ بالنكبة، تعيش ألمًا وهجرانًا دائمين، وتسبح في عوالم الماضي، حدّ الكتابة إلى امرأة ماتت قبل عقد ونيف من الزمن (أم كلثوم)، عندما لا تجد في محيطها من تثق في مشاركته نوبات البوح.
الحب المغدور به، في هذه الحكاية، معادل للنكبة، ويعبّر بشاعرية ورقة بالغة، عن ندوب تترك في القلوب، في إثر هجرة حبيب، أو نفي وطن. أم مصطفى، قهو شخصيّة مركّبة، برع الكاتب في خلقها بأناة واقتدار، فهو الفلسطيني الجانح إلى السلم، الذي عرفت دواخله الكثير من التقلّبات والصراعات، ولامته نفسه كثيرًا، فتقلّي من حال إلى حال، ولولا أنني لا أود إفساد تحوّلات هذه الشخصية، لاستفضن في مدحها تفصيلاً...
وعنوان النص ذاته لا يخلو من ذات التأويل، إذ يصرخ باستغاثة صريحة إلى الماضي، بكل ما فيه من شجون وفرح، وأحلام وردية ذبلت في أطر سوداء، وتاريخ منكوب يود المرء لو يغيّره، ولو في شرفات الخيال. وحين يحضر الخيال، لا مفر من استدعاء أم كلثوم...
ما صنعته الانتفاضة... أجساد تدفن، وأرواح تبعث من رقادها
لا يغفل عاقل تلك الدلالات والرموز البارقة في خلفية كل مشهد، فأثر الانتفاضة كبير، وإحياؤها للثورة ملموس في كل قلبٍ اعتاد مذاق المهادنة الصورية، فهو يهادن ولا يأمن طرف الآخر، يصمت ولا يضمن صمت العدو، بيد أن الانتفاضة تغير ذات القلوب، وتروّض النفس الأمارة بالسكوت، فتجبرها على الكلام، أو الفعل، ولو كتم ذلك في الخفاء.
رصد لحظة الشقاق
من ناحية أخرى، يعرض هذا النص مشهدًا قاسيًا (يترك لدى القارئ عدة كدمات نفسيّة لا تشفى بسهولة)، فهو يجسّد بعبقريّة مشهد الشقاق الفلسطيني عقب الانتفاضة بسنوات، وكيف نجحت قوى الاستعمار والاحتلال في شق لحمة الصف الوطني، بحيث بات الأخ لأخيه غريمًا، لا يتورّع عن إيذائه، ولا تخلو يديه من حجر قابيل المسنون، الجاهز للانقضاض على هابيل، في أول اختلاف، لا ريب أنه آتٍ.
ختام
انتفاضة الوطن، المتزامنة مع انتفاضة قلب هاجر يوم عاد الحبيب الغادر عقب تسع سنوات في ألمانيا، تضوّي على حقبة نفسية وتاريخية مهمّة في تاريخ هذا الشعب، الفضاء المكانيّ هنا يدور في قرية صغيرة في محيط الجليل، بينما الزمان ممطوط من عهد النكبة حتى ما بعد الانتفاضة، وربما حتى خريف العام الماضي.
جاءت الانتفاضة لتكشف عن قصائد هاجر في دفاترها، ورسائلها الضائعة إلى ربة العشق أم كلثوم، ولتحيي الروح في قلوب دفنت ثورتها تحت مسمى السلم، وكأن الانتفاضة هنا، حلقت في كل قلب، قصيدته الخاصة.
عقب ذلك، وهو لا يصح إخفاءه، تفجّر الرواية في خاتمتها صرخة احتجاج هادرة، تحيلنا إلى زمن الخلق الأول، ولتكشف أننا، نحن أنصاف الملائكة وأنصاف الشياطين، أقرب في نزعاتنا إلى الشر، إلى القسوة، مؤكدةً أننا جميعًا، كمذنبين أو كضحايا، لا نخلو من الذنوب، ولا من القدرة على الإيذاء.
رسالة أخيرة، مفقودة
كما حررت هاجر كلماتها وقصائدها في دفاترها، وكما أرسلت لأم كلثوم لرسائل لم تقرأها الأخيرة، لأنها ببساطة، ميتة، فقد تركت أم كلثوم بدورها عدة رسائل لهاجر ومصطفى، لكنها بطريقة ما لم تصلهما كما هو مُفترض، ولعل من أهمها ما قالته في ختام رائعتها "ألف ليلة وليلة":
"قول: الحب نعمة؛ مش خطيّة
الله محبة
الخير محبة
النور محبة..."
لكن أحدًا هنا لم يسمع ما نصحت به أم كلثوم، ولم يؤمن واحدٌ منّا، أن الله، هو المحبة.
فتلك الكلمات، لو سمعها قابيل، لجنّب هابيل سورة الغضب، وفجأة الموت.
شكرًا علاء حليحل
لقد بتّ أحد كتابي المفضلين بعد أورفوار عكا، ثم هذه القطعة الفنيّة متقنة الصنع...
#أدب_فلسطيني
#محمد_سمير_ندا
..
تاريخ النشر في المدونة: 2024-10-20