أروفوار عكّا؛ بصقةٌ في كأس التاريخ المكتوب...غزاة يغادرون، ومنتصرون ينسحبون، لتبقى مدينة لا تغادرها الحياة...

نحن هنا أمام حكاية تاريخية تحرّرت من سطوة المؤرخين، زاخرة بالحيل والألاعيب السردية، وحافلة بثيمات مختلفة تندرج ضمن التأريخ الأدبي لمدينة عكا، والتأريخ هنا لا يشمل المكان فحسب، بل إنه يذرب في عمق الزمن، ليؤرخ عوامل وأحداث أسهمت في تشكيل الهوية الفلسطينية.
الثيمات في هذا النص بارزة وذات دلالة، كالحصار، سواء كان المحاصر مأسورًا داخل قلعة، أو أسيرًا لفكرة، والخيانة، وعن عهد الخلافة الدمويّة في زمن أحمد باشا الجزار، ذاك الزمان الذي التقطت الرواية تفاصيله كأن الكاتب أحدث فجوة في جدار الزمن، وأرسل إلى زمان القصّ واحدة من طائرات الدرون، غير المفخخة. وكذلك عن بشاعة القسوة، التي تنبت كذراع ثالثة لكل طاغية يؤمن أنه فوق المحاسبة. وما أكثر هؤلاء في شرقنا المُبتلى بجنون العظمة الزائف.
قبل كل شيء، لا يمكن ألا أستها هذه الكتابة بالإشارة إلى اللغة، لا أتحدث هنا عن اللغة من حيث الجماليّة واللاغة الصوريّ’ في تعابيرها وبنائها فقط، إذا أنني أود أن أعبر عن دهشتي بقدرة الكاتب على كتابة هذه الرواية بلغة هي ابنة زمانها، هذه الألفاظ والمفردات؛ من أين أتى بها الكاتب، وكيف استطاع صياغتها بحيث بدت كتطريز فاخر وأنيث لقصة لا تخلو من الخيال رغم ثبوت وقائعها؟
لو قيل لي أنني أقرأ مخطوطة كتبت في نهاية القرن السابع عشر، لوجدت الأمر أكثر منطقية.
عنصر اللغة هنا –إذن- هو العامل المؤسس للنص، وورقته الرابحة بجدارة تامة.
سفينة نساء تلوح في أفق الشهوة؛ "زمن السبي الحلال"...
ارتكز النص في حبكته الرئيسة، وكما ورد في استهلاله، على فرضيّة سقوط سفينة الغانيات، التي أرسلتها فرنسا للترفيه عن جنودها إبان حصارهم لعكا في عام 1799، في يد السلطة العثمانية، الممثلّة في أحمد باشا البوشناقي (ولقبه الجزار)، وهو بوسني مسيحي بِيعَ عبدًا إلى الإمبراطورية العثمانية، فأشهر إسلامه، ثم ترقّى بطريقة ما ليصبح الحاكم الفعلي لبلاد الشام إبان زمن الرواية، ولعل قارئ التاريخ يعرف جيّدًا كيف ولماذا سمي هذا الرجل بالجزار.
بسقوط السفينة ونسائها في يد الجزار ورجاله، تبتدئ الرواية فصولها بحالة حيرة حيال مصير الغانيات الباريسيّات، فهن في نظر بعض خاصّة الوالي سبايا، واغتصابهم بصفتهم غنيمة حرب، لكن الجزار لا يقتنع بالأمر في البداية، لكنه، وتحت ضغوط أحد أهم الجلادين من أربابه، يـمنح إشارة الموافقة، فتشرع حفلات انتهاك يقودها كبير جلاديه، الذي كان يواقع المرأة منهن، حتى تلفظ أنفاسها، فلا يشعر بخزي أو ندم، لأن ذلك كله، حلال في شرعه. وعلى الجانب الآخر، ينتقم الجنود الفرنسيين لغانياتهم، عبر اغتصاب نساء عكا، خارج أسوارها المحاصرة. هكذا نشاهد صورة للمرأة منعكسة في ثلاثة مرايا؛ الأولى غانية اعتبرتها حكومتها وسيلة ترفيه لحاملي رايات الوطن، والثانية هي ذات الغانية وقد أجبرت على مضاجعة العدو عوضًا عن جنودها، والثالثة امرأة بريئة لم يقدر جيش غاشم على تنفيذ انتقامه، إلا بين ساقيها.
المرأة إذن ضحية دائمة في هذه الرواية، وفي هذا قسم كبير من واقع تعيشه النساء حتى اليوم.
إبحارٌ في ما وراء الأسوار...
أتت قصة السفينة كمفتتحٍ أراد به الكاتب تقديم وصفٍ للحياة وراء أسوار عكا، في مرحلة فاصلة من تاريخها، فأسطول نابليون في البحر، والقصير الفرنسي الماكر يقود الغزو بنفسه، والعثمانيون بمعونة إنجليزية وخيانة فرنسيّة يعدّون رباط خيلهم ويحشدون قواهم، لكن الروائي هنا يأخذنا في رحلة تسبق فصول الحرب، إذ يضع على عتبة الرواية الأولى قصة خيالية عن محاولة لاغتيال الجزار، تستمر تبعيّاتها بطول الرواية، فمن يتجرّأ على التفكير في قتل الجزار، لا ينبغي أن يموت ميتّة عادية، المشنقة هنا غير كافية، ولا حتى الإعدام بالرصاص، إنما الخازوق، والموت البطيء، هو فقط ما يبرّد صدر الجزار البوسني.
بعين لاقطة، توحي بدراسة متعمّقة في تاريخ عكا، يبرع الكاتب في زرع قارئه داخل عكا المحاصرة، المشهدية في هذا النص بالغة الاتقان، وحالة الانزياح الصوريّ من الشعر إلى الرواية شديدة التجلّي. الوصف المكاني مذهل، سواءً للحصون، أو المعمار، أو القلاع والأبراج، أو الأزقة، وكل العناصر المكانية في مدينة تتالت عليها وفود الغزاة، مدينة أسسها وحصّنها ظاهر العمر الزيداني، فأسهم في حمايتها بعدما ووري ثراه، تلك المدينة التي لم تزل تتنفس -حتى الساعة- حريّتها، رغم دوام الضيم وسرمديّة الطغيان.
وجوه ودلالات، قراءة في سيكولوجية النص...
برزت في هذا النص عدة شخوص حمل كل منها دلالة، وترك بابًا للتأويلات مشرعًا، المسيحي المتخفي في عباءة المسلم درءًا للضرر "إبراهيم الترجمان"، واليهودي "فرحي" المسؤول عن أموال عكا، و"أبو الموت" ظل الجزار وحارسه والفاتك بكل من تسوّل له نفسه المساس به، والخازوقجي "عبد الهادي عامل"، والفرنسي الخائن "دي فيليبو". لا توجد هنا شخصيّة غير ضرورية، ولا تخلو كل شخصيّة من دلالة، الخوف من الاضطهاد الديني، البراجماتية الخبيثة، الوحشية والدمويّة، الطاعة العمياء لما يخالف فطرة الإنسانية، والخيانة المبررة على لسان الفرنسي.
أما التناول السيكولوجي هنا، لشخصيتي القائدين، طرفي النزاع، فقد كتبت بحرفيّة تمس الواقع، وتتجمل بخيال بديع. النقائض جليّة في شخصية الطاغية، فالجزار الذي يفقأ العيون ويحب مراقبة المخزوق بينما يموت، ونابليون الذي يدك بمدافعه البلاد والعباد، من ناحية، ثم الجزار ذاته، في نوبات ضعفه وهلوساته، وتعلّقه بحبيبة تقع منه على مسافة نصف قرن من الزمن، ونابليون نفسه، حين يكتب إلى جوزفين رسائل إيروتيكية تحفل برغبات بعضها شاذ، تحت وقع المدافع.
المقابلة الصريحة بين القوة والضعف، والرقة والقسوة الدامية، تؤطر شخصية الطاغية بأطر من التردد والارتباك والخوف. ليس الطاغية أسطورة كما يصوّر المؤرخون إذن، إنما هم بشر غير أسوياء، تدور في رؤوسهم معارك أكثر مما يخوضونه في ميادين قتالهم، ويذرفون الدمع في إثر ذكرى أو حلم مقبض، كما يسفكون الدم من دون أن ترمش عيونهم.
هنا تبدو الرواية كأنها ترمي إلى حذف كتب المؤرخين عن أمجاد الطغاة من عقولنا، فتبصق في كأس التأريخ، وتقم للقارئ تاريخًا شديد الاتساق مع الواقع، لكنه لا يجمّل ولا ينحاز، بقدر ما يعرّي الكافة، الحكم الجائر، والقائد الغازي، والمواطن المحكوم بالصمت والقبول، فهذا الأخير لم يظهر بدوره بريئًا، إذ أنه شريك في بناء صنم الطغاة، بالصمت، ثم الانبهار...
جسارة التجرؤ، وفضيلة التجرّد...
حسب وجهة نظري، كانت فصول ومقاطع الأحلام والهلوسات التي جمعت أحمد باشا الجزار بنابليون، والحوارات التي تبادلوها، من أمتع فصول الرواية، وعي الفصول التي برهنت – علاوة على اللغة – في ترسيخ اعتقادي ببراعة هذا الكاتب، وامتلاكه لأدوات وتقنيات ربما لم يظهرها كلها بعد. هنا يمارس حليحل فعل التجرؤ على التاريخ بأريحيّة، وفق توقيت مدروس، يضمن فيه انخراط القارئ -تمامًا- في نصه، فيتجاوز الـمُوثق والمؤرخ، ليرمح في حالة شطحان أدبي محمود، ليصوّر لنا لقاءات يعرف القارئ أنها لم تتم، بين طرفين يتنازعان على مدينة لا يملكها أي منهم، وكان من اللافت هنا، قدرة الكاتب على التجرّد وعدم الانحياز لطرفٍ على حساب آخر، فالطاغية واحد، وان اختلفت ضفاف المعارك، والضحية ثابتة، بكل قناعتها وصمتها، فنحن أمام بوسني يصارع فرنسيًا على مدينة عربية، فأي عبث يمكن أن ينتج عن لقائهما، وأي حوارات قد تدور بينهما عن الحرب والعشق والغرام في ذات الوقت؟ اقرأ الرواية لتعرف، وتستمتع.
خاتمة
رواية تتناول التاريخ بعين مهمومة بالحاضر، ولو عدمنا إلى التقاط نقاط تماس بين عكا 1799، وعكا 2023، لما كان الأمر صعبًا، حكايات متوازية تشكل عالمًا ثريًّا، جريئًا في مشهديّته الصادمة، رغم علمي أن بعض القراء قد ينزعجون لدقة وصف مشاهد الخوزقة، وكذا مشاهد الاغتصاب والعنف، ولكنني أحسبها من مواطن قوّة هذا النص، فنحن أمام كاتب شمر عن ساعديه، بعدما أحرق كتب التاريخ المتداولة في مدارسنا وجامعاتنا، وقال للقارئ؛ أتريد أن تعرف الحقيقة؟ أتحسب أنك قادر على معرفتها؟ إذن، امسك كتابي هذا بيمينك، أو بيسارك؛ لا فارق، فقط اقرأ، ولا تستنكر قساوة بني آدم، ولا اختلال ميزان العدل في الشرق، منذ الأزل.
تحارب الفريقان، فهزم نابليون، ورحل الجزار إلى بلده الأم، وبقيت عكا، لتواجه ألف عدو وعدو، لكنهم سيرحلون، جميعهم، ذات نهار له مئة شمس وقمر، وكما قال نابليون -ربما- لعكا حال رحيله× أورفوار عكا، فسوف يُقال لها ذات يوم -أتمناه قريبًا- في وداع جديدٍ لغازٍ آخر؛ شالوم عكا.
شكرًا علاء حليحل
هكذا يتم عرض التاريخ بحرفيّة أدبيّة، وربما هكذا ينبغي أن يفضح، لنعرف...
#أدب_فلسطيني
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2024-10-20