محمد سمير ندا
← العودة إلى الرئيسية

ثنائية الفقد والتعافي، بين أزرق أسماء، وما هو آتٍ من الأيام؛ ميليسا دا كوستا ولعنة الأكثر مبيعًا!

لم أسمع بالكاتبة الفرنسية ميليسا دا كوستا قبل رواية كل أزرق السماء، والحقيقة أنني حين أخبرت أصدقائي برغبتي في قراءة ذاك العمل الضخم، تلقيت بعض الاستنكارات من شريحة منهم تمثل القراء البرجوازيين المترفعين عن الأعمال الأكثر مبيعًا، صُوّرت لي دا كوستا ككاتبة أعمال عابرة للتسلية، وأنها تكتب أدب البوب آرت، بكل ما قد ينطوي عليه من مباشرة وبساطة وميل إلى الحكاية الاستهلاكية الأقرب للقصص الشعبي الدارج، والواقع أن هذه القولبة لم تزعجني أو تنفرني، فأنا وإن كنت أحب الأعمال الأدبية ذات الطابع الفكري والفلسفي، وأميل إلى الأدب المتميز على صعيد اللغة، حتى لو كان مترجمًا، فأنا أقرأ أدب البوب آرت كذلك، بل إنني أستخدمه، وأجعله بمثابة الفواصل الممتعة بين عملين دسمين لو صح التعبير.

التحدي الأكبر بالنسبة لي، تمثّل في حجم رواية "كل أزرق السماء" – منشورات وسم 2025 – الذي بلغ 674 صفحة. وعلى ذلك عملت بمبدأ التجربة والخطأ، سوف أشرع في قراءة الرواية، خمسون صفحة، وربما مئة، ثم أقرر، وهذا ما كان.

هكذا، قبل عام تقريبًا، وضعت نفسي بين دفتي هذه الرواية، فابتلعتني حرفيًّا، سواءً صنفت الكاتبة - عزيزي القارئ - كواحدة من صاحبات الروايات الأكثر مبيعًا (ولا أفهم ما العيب في ذلك!)، أو لم تصنفها كذلك، فليس بمقدور رجل رشيد أن يصف كتابتها بالبسيطة والسهلة، أو بالتجارية والمباشرة!

إميل، شاب في السادسة والعشرين من عمره، حلم كثيرًا – رفقة صديقه المقرب رينو- بالهرب إلى الطبيعة وتسلق جبال الألب، لكن الصديقين يعيشان قصتي حب تباينت نهايتيهما، ففي الوقت الذي تزوج فيه رينو من فتاته ريتيسيا وأنجبا طفلاً، هجرت لورا إميل، تاركة جرحًا وندمًا سيعششان في قلبه لما بقى في عمره من رصيد. وفي ذروة ضياعه يكتشف إميل أنه مصاب بمرض عصبي نادر (لكنه حقيقي)، ألا وهو ألزهايمر المبكر، وذلك المرض فتاك، ربما هو أشرس من ألزهايمر الذي يسحب العجائز إلى دوامات النسيان، فإميل، ووفقًا لأفضل تقديرات الأطباء، تبقى لديه عامان فقط، حياته لن تمتد لأكثر من أربعة وعشرين شهرًا لو كان من المحظوظين. ومن ثمّ؛ برفض أميل توسّلات والديه وشقيقته، ينفر من فكرة التحول إلى فأر تجارب يمضي ما بقي له من أيام في مستشفى بارد، ويغزو الأطباء جسده بخراطيم تراقب معدلاته الحيوية طيلة الوقت، عوضًا عن ذلك؛ قرر إميل أن يعيش!

هكذا قام باستئجار كرافان مجهز للمبيت، ونشر إعلانًا يطلب فيه مرافقًا لفتر غير محددة، لكنها لن تمتد لأكثر من عامين، بسمي رحلته في إعلانه بالرحلة الأخيرة، ثم ينتظر ردود المهتمين، لكنه وقتما يدرك عبثية إعلانه، يصله رد وحيد عليه، فتاة غامضة هي جوان، تقبل بعرضه، كما يليق بفتاة شابة تهرب بدورها من ماضٍ مقبض.

هكذا وضعت الكاتبة نهاية الرواية في صفحاتها الأولى، لدينا شاب مريض، يتأهب للموت، وبالتالي فإن الرواية حتمًا تنتهي بموت البطل، ومنذ البداية؛ لم تمنحنا دا كوستا أي أمل في تحقق معجزة على غرار الأعاجيب التي شاهدناها في الأفلام القديمة، فلا مجال هنا لبطل يسقط فترتطم رأسه بالدرج لترتد له ذاكرته، أو يسترد بصره. بهذا العقد الذي وقعته الكاتبة معي كقارئ، بـتّ على ثقة من أنني أقرأ حكاية من 674 صفحة عن شاب يموت تدريجيا، تتساقط ذكرياته بصفة يومية ذات إيقاع تصاعدي، فيموت! وبالتالي ولد السؤال المنطقي؛ أين سأجد المتعة، وما الذي سيدفعني لمواصلة لقراءة؟ هنا تتجلى عبقرية وحرفية وصدق هذه الكتابة.

جوان، الفتاة التي قبلت بمرافقة إميل إلى رحلة حافلة بالمخاطر صوب قرى الريف الفرنسي، لديها حياة تهرب منها، بينما لدى إميل حياة تهرب هي منه. نحن أما ثنائي أولهما يقاوم هرب الحياة من مسامه، وثانيهما يجادهم ليهرب من حياة لا ينسى قسوتها، وهكذا، تابعت كقارئ فصول هذه الحكاية، وأنا أتقلب بين ضحك وبكاء، وتعاطف وسعادة في نهاية الأمر! يتنقل الرفيقان بين عشرات القرى، يعيشان شهورًا تضج بالحياة، يتجاهلان النهاية التي لن تتبدل أقدارها بالتعاطف والدعاء، يتبادلان دور البطولة بسلاسة محسوبة، فلو كان إميل قد بات واضحًا أمامنا منذ الصفحات الأولى، فقد كانت جوان دائمًا كجبل تراكم من ثلوج رقيقة، يطفو بنعومة، لكنه يخفي مراحل تكوينه أسفل سطح الحياة. من هنا يولد خيط التشويق، إضافة إلى العلاقة الآخذة في التطور بين إميل وجوان، ولا سيما ذاك السؤال الملهم: أيكون من حق المحكوم بالموت، أن يحب؟

في هذه الرواية أمل يولد في قبر يتأهب لاستقبال صاحبه، وحياة تتسرب من بين براثن الموت، وعشق غير مألوف، استثنائي، يجمع بين هاربة من الحياة، ورجل هربت منه الحياة، ليجعل كل منهما الآخر أكثر قدرة على التعايش مع المصير، والتأهب لساعة الانطفاء، كان إميل قويًّا في مواجهته للمصير، لكنه قبل أن يغادر هذه الدنيا، سيجعل جوان أقوى من أي وقت مضى، سيعينها على تقبل الخسارات الأليمة التي طردتها خارج إطار الصورة، والفقد الذي تصورت أن حياة واحدة لن تستمر بعده، وبذلك، ومن خلال فقد جديد يلوح في الأفق، اقتنعت جوان بتقبل الفقد السابق، وابتلاع الألم، لكي تستقبل الألم المقبل، بقلب أقوى، ومشاعر قادرة على التأقلم والتعايش مع مفردات هذا العالم.

رواية مذهلة، ولكي أوضح مدى أعجابي وارتباطي الشخصي بها، فيكفي القول بأنني هرعت إلى شراء رواية ميليسا دا كوستا التالية فور أن رأيتها في أخد المعارض العربية، وهو ما سأتناوله الآن، أعني هنا رواية "الأيام التي ستأتي".

ولو كانت رواية كل أزرق السماء، تناقش الفقد والتأهب للرحيل، فقد جاءت رواية الأيام التي ستأتي لتناقش موضوعًا شديد الاتساق مع الرواية الأولى، ألا وهو التعافي من الفقد المفاجئ والغياب المؤلم.

أماندا، فتاة هادئة وبسيطة، متزوجة من بنجامان، وتتأهب لاستقبال طفلتهما الأولى، الحياة تسري في مسارتها الاعتيادية، لا خوف، لا قلق، لا طموح جامح، لا مخططات كبرى، مجرد حياة هادئة وسعيدة على رتابتها. لكن المصير يحمل لهذين الزوجين مفاجأة قاسية، إذ يموت بنجامان في حادث، وتصاب أماندا بانهيار حاد يفضي بجنينها إلى موت لا يقل فجائية عن رحيل بنجامان.

في غضون ساعات، ينهار العالم من حول أماندا، تسقط في دوامة من الحزن لا يمكن احتمالها، تنسحب رغبتها في الحياة، وتكتشف كم كانت بعيدة وحيدة من دون بنجامان، لم يكن لديها من الأصدقاء سوى أصدقاء بنجامان، وحتى عائلته الطيبة، أمه آنا وأبوه ريشار، أخوه يان وصديقته كساندرا، الذين كانت تحبهم جميعًا، لم تكن علاقتها بهم وطيدة، لكن هذه الأسرة المنكوبة بوفاة الابن الأكبر، تكون أول حائط دعم يمكن لأماندا أن تسند رأسها إليه.

تهرب أماندا من المدينة إلى الريف، مذكّرة إيّانا بخيار إميل في رواية كل أزرق السماء، لكن الشاب في تلك الرواية كان قد لجأ إلى الريف ليحظى بنهاية سعيدة وهادئة، بينما هربت أماندا هنا، لكي تنسى، أو لكي تحاول أن تنسى، وقد ناوشتها رغبات متفاوتة الحدة في الاختفاء من هذه العالم، والتبخر من كل الأمكنة التي عرفتها مع بنجامان.

في البيت الريفي الي تستأجره، تعثر أماندا على ملاحظات وتعليمات تركتها مالكة البيت القديمة، لوسي هيوغ، عن تقنيات ومواعيد الزراعة، وجدت حديقة محتضرة عرفت زمنًا من الينوع وقتما كانت لوسي حيّة ترعاها، لكن الحديقة بدت أشبه بأماندا وقت وصول هذه الأخيرة، أرض مقفرة فقدت زهوتها وخَضارها الأول، فترنحت هويتها بين موت وحياة، بل كأنما هي أرض فقدت أسباب الحياة برحيل السيدة لوسي، ومن قبلها زوجها السيد بول.

تعرف أماندا لاحقًا أن السيدة لوسي أولتْ كامل اهتمامها للحديقة في إثر رحيل زوجها السيد بول، إذ بدّلت مسار طاقة الحزن صوب حديقتها، فتحولت إلى طاقة خلق وإحياء. ثم رحلت السيدة لوسي، وجاءت أماندا محملة بفقد آخر، فقد طازج وقاسٍ، ولكن؛ كأن السيدة لوسي قد وضعة وصفة العلاج، وكأنها توقعت أن يفد إلى منزلها بعد رحيلها امرأة أخرى، تعاني لكي تستوعب صدمة تفوق قدرتها على الفهم.

في غضون هذه المرحلة الاستكشافية، تفرض قطة رمادية وجودها إذ تقرر أن تتبنى أماندا، ما قرأته صحيح عزيزي القارئ، لقد قررت القطة الرمادية أن تتبنى أماندا، وليس العكس، وبهذه الحضور الجبري، وعلى الرغم من ذعرها المضحك من القطة في البداية؛ تنشغل فتاتنا الحزينة بمسؤولية جديدة، وتصبح القطة الرمادية أول فرد في عائلتها التي تكوّنها بشكل لا إرادي في منفاها المختار، وأول حجر في درع الحماية الذي سيشكله القدر من حولها.
تدريجيًّا، تجتذب الحديقة أماندا، وتشجعها تعليمات السيدة لوسي على المحاولة، فتشرع في التعلم، صابّة جُلّ اهتمامها على أفكار الحرث والتسميد والشتل والري، ثم التحصن بالصبر والعمل الدؤوب انتظارًا الثمر، وهكذا، خبرتْ الفتاة ولادة أخرى، تختلف كُليًّا عن ولادتها لطفلتها الميتة، استردت قبسًا من إيمانها بذاتها، فاحتفلت في بعد مرور شهور بميلاد زرعة خس؛ كأنما هي انتصار أول على هذه الحياة المخاتلة.

بتواجد أسرة بنجامان معها، وبصداقتها لجوليا (ابنة السيدة لوسي)، وبالحضور اللطيف للقطة الرمادية، تسترد أماندا رغبتها في الحياة بشكل تدريجي، ترسم الكاتبة -ببراعة- العديد من الصور الدالة على التحسن النفسي لأماندا، بداية بالسماح للشمس بملامسة غرفتها، واختيارها للثياب، مرورًا بطلاء النوافذ القديمة، والارتباط بالقطة الرمادية، وصولًا إلى تجديد الحديقة وتعليق الأشرطة الملونة، والاحتفال باكتمال القمر، وأخيرًا؛ اكتشافها لقدرتها على صنع الإكسسوارات الخاصة بالزفاف، باستخدام الورود التب عمّرت حديقتها في خلال سنة من العمل الدؤوب.

تؤكد الكاتبة هنا، ببراعة مرة أخرى، أن التعافي من الفقد المفاجئ لا يعني بالضرورة تحقق النسيان، على العكس، فلو كانت أماندا قد استعادت بشكل تصاعدي رغبتها في المواصلة، فهي لم تنس بنجامان يومًا، وعلى العكس، خصصت له شجرة صنوبر زيّنتها وأسمتها بالشجرة المقدسة، ثم حرصت على مجالسته بشكل دوري لتروي له ما يستجد في حياتها، ظل لبنجامان حضور قوي في دماغها، تسمع صوته وتتخيل ردود أفعاله وتحاوره، كأنها حريصة ألا تنشغل عنه جد نسيانه. كانت مقاومة أماندا للانهيار ورغبتها في التعافي مشروطة بعدم النسيان، وهذا أروع ما في هذه الحكاية، إذ أن التعافي الحقيقي، واستيعابنا الصحي لرحيل الأحباب، لا يشترط النسيان، بقدر ما يتطلّب الوصول إلى أبعد نقطة من الحكاية، من دون الالتفاف حولها، لنحقق بذلك القدرة على التعايش مع الحقيقة.

وفي أحد المشاهد الرائعة في هذا النص، تكتشف أماندا واقعة تخص طائر أبي الحناء، إذ كان زوج من طيور أبي الحناء قد استقر قي شجرة الصنوبر المقدسة، ثم وضعت الأنثى خمس بيضات خرج منها خمسة فروخ، فلمّا لاحظت أماندا في فصول الرواية الأخيرة، أن الفروخ قد نبت ريشها فطارت، وأن الأم لم تزل باقية في العش ذاته، خاطبتها بعيون دامعة؛ لقد تركت صغارك يرحلون بعيدًا!
بدا كأن أماندا -آنذاك- قد اكتشفت لتوّها حلّا لمعضلتها، إذ يجب عليها أن تسمح للراحلين بالتحليق، أن تمنح الفضاء لنجامان لكي يرحل، وأن تفعل الشيء ذاته مع ابنتها التي لم ترها حية، أن تخفف من تشبثها بأذيال المفقودين، وقد فهمت أخيرًا أنها ليست مطالبة بالنسيان، بل هي مطالبة يأن تعيش، وأن تنتظر ما سوف تضعه الحياة في طريقها، في الأيام التي ستأتي…

نحن أمام كاتبة شابة (مواليد ١٩٩٠)، تتهمها بعض الشرائح القرائية بتصدر قوائم الأكثر مبيعًا (مما يستنتج منه البعض ضحالة الأفكار وسطحية الأسلوب؛ ظلم بيّن في العموم)، لكني عن نفسي، وجدت أن ميليسا دا كوستا تكتب اندفاعًا من تجربة ذاتية، من الطبيعي أن تتأثر كتابة كل كاتب وأي روائي بمخزونه الشخصي من التجارب والمشاهدات، إلا أن ما أعنيه هنا، هو أن هذه الجرعة من المشاعر الصادقة، جعلتني أشعر طوال الوقت أنني أقرأ حكاية مستمدة مما يشبه السيرة، حتى جاءت إشارة الشكر التي وضعتها الكاتبة في نهاية روايتها الثانية، إذ أقرت بأن السيدة لوسي هي إحياء لسيرة جدتها التي كانت لديها حديقة مشابهة ومفكرة مشابهة، وتقاويم زراعة مشابهة، كما عبرت عن امتنانها لرجل عرفته فأوحى لها بحكايتي إميل وأماندا، ولم تنس أن تشكر قطتها بطبيعة الحال، تلك القطة التي بتّ أثق أنها رمادية!

روايتان لن ينال منهما النسيان، ولن تغيب أفكارهما وشخوصهما عن خاطري، سيظل لإميل وجوان وأماندا وبنجامان مكانة خاصة في قلبي، سأحتفظ بالوجوه التي رسمتها لكل منهم، ولن أسمح للقراءات التالية بأن تطمر حكايتهما، قد أتجاوز الحكايتين، لكنني لن أنساهما، قد أسمح لشخوص الحكايات بالطيران بعيدًا، لكني سأحمل طيفهم في رأسي على الدوام.

محمد سمير ندا

تاريخ النشر في المدونة: 2026-03-09

المصدر الأصلي على ووردبريس