مصنع السحاب؛ حيث يصنعُ المنسحبون أسباب الموت

في روايته الصادرة حديثًا عن دار التنوير، يقدّمُ الكاتب المصري حامد عبد الصمد رؤيةً بانوراميّةً عن الفواصل الواهية بين الحياة والموت، عن أسباب الرحيل وأسباب البقاء، فيصطحب القارئ ليقفا سويًّا على الخيط الرفيع، الفاصل بين جنة الإنسان في الأرض، وناره التي لا تمنح للمكسورين براحًا شافيًّا.
جاء اختيار الفضاء المكاني لهذا النص ليصيبني بدوار الحيرة والدهشة، فالحكاية كلها تدور في اليابان، الأشخاص يابانيون والحكايات نابعة من شتى مدن اليابان، تلك الدراية السوسيولوجيّة بعنصر المكان في النص، ربما يفسرها -جزئيًّا- اشتغال الكاتب كمحاضر زائر في إحدى جامعات اليابان، بيد أن الأمر الذي لا يمكن التغاضي عن ذكره هنا، هو البحث العميق والمتجذر، الذي قام به الكاتب ليضفي على نصه بمصداقيّة دامغة، تثير الإعجاب والذهول في آن واحد. يمكن لقارئ هذا النص، أن يشعر بكل أريحية، أنه يقرأ نصًّا يابانيًّا أصيلاً، بينما يقف وراء هذه الخدعة المحمودة، كاتب أجاد التحضير والدراسة قبل تشييد عالمه الروائي.
ثمّة شخوص سحقتهم الحياة بمختلف الطرائق والوسائل، أناس فقدوا المعنى وأضاعوا دوافع البقاء، ثم رجلٌ يقرّر أن يعمل كوسيطٍ بين الحياة والموت، فيخصّص مصنعًا يوفّر للراغبين في إنهاء حياتهم رحيلاً آمنا ورحيمًا. مصنع في جزيرة نائية، وشخوص يتقاطرون من شتّى مدن اليابان، ليفوزوا بفرصة الموت الآمن، فيضعون بذلك جدًّا لمعاناتهم. في مصنع السحاب، يقدم صاحب الفكرة فرصة الاختفاء الهادئ من هذه العالم، من دون ترك أثر يميّز بين حقيقة الحضور وواقع الغياب، فالمصنع يقدم للمغادرين فرصة إدارة حساباتهم على مواقع التواصل بعد الموت، بحيث يتحول موتهم إلى سر دفين.
{أنماط ضدّية}
أما يبدع فيه الكاتب هنا، علاوة على براعة بنائه لعالمه الروائي، فهو اختياره للأنماط البشريّة الراغبة في الموت.
البداية مع هاناكو، خريجة ملجأ الأيتام، التي تخرج من بين جدران الملجأ إلى براحٍ لا تألفه، فتتطوع للخدمة في الكنيسة، كراهبة لا تعرف عن العالم سوى رغبتها في خدمة الآخرين، والحصول على طعامٍ كافٍ. يتراءى للقارئ هنا أن سِمنة بدانة هاناكو لا تمثل لها عقدة تودي بها إلى الرغبة في الانعزال، لكنه يقف أمام نموذج شائه من البشر، فتلك الفتاة، على طيبة قلبها وتصالحها مع سائر الموجودات، تلفظ كل فرص الحريّة التي لم تعتدها، فترتضي بالعيش كخادمة لراهب ذي مكانة هو يوشيدا، خادمة تلبي لراهبها المحبوب كل ما يتمناه من خدمات، شرعيّة وغير شرعيّة، وحتى عندما تشعر بالذنب حيال علاقتها بالراهب، تلقي باللوم على نفسها، وتخرج من تجربتها هذه من دون أسئلة واستفهامات كبرى، يموت يوشيدا، فتقرر أن حياتها لا قيمة لها ما لم تجد من تخدمه، تحتفظ بذكرى يوشيدا على مقربة من قلبها، وتمضي بخطى واثقة صوب الموت. نحن هنا أمام حالة لافتة من فقدان المعنى، والدافع، وانعدام القدرة على التآلف مع مفاهيم الحريّة، ثم سحق الذات، والانسحاب الطوعي من ساحات التجربة والمغامرة.
في إثر ذلك، يقدم لنا الكاتب شخصية متمرّدة تمثل نقيض شخصية هاناكو، أتحدث هنا عن ناومي، نادلة البار التي تبحث عن السعادة في التوقيت والمكان الخاطئين، لا تعبر ناومي عن مشاعرها سوى بنبرة شعورية واحدة؛ الغضب العدائي، واحتقار العالم برمّته. تخرج ناومي من علاقة غير منطقية مع رجل متزوج، بغضب عارم وحنق متقّدٍ تجاه ذاتها، تحقد الفتاة على نفسها، وتجتر حياتها فلا تجد بين فصولها ما يؤجل قرار الرحيل، طفلة هجرتها أمها في طفولتها، ودمر أبوها كل ذكرى تجمعها بها، فعاشت تبحث عن ملامح الأم بين الوجوه، وتحاول تعويض نفسها بنفسها، لكنها تفشل بكل السبل في خلق حالة من الاتزان. حالة الغضب التي تحرك ناومي وتقرر خطواتها، تدفها في النهاية إلى مصنع السحاب، إذ تتنامي في صدرها فكرة إسقاط الغضب على الذات، ومن ثم معاقبتها، وحذف وجودها من هذا العالم، بطريقة لا تترك لها أثرًا.
تدريجيًّا: يلاحظ القارئ تنامي دور ناومي، وتحولها إلى بطلة لرواية تبدو للوهلة الأولى، أنها تمنح بطولة جماعية لشخوصها.
{محطة ثانية للانطلاق}
بظهوره الأول، والمؤثر، يمنح العجوز كوباياشي نقطة انطلاق ثانية للرواية، إذ يمرّر أفكارًا مقبضة ولافتة عن عبثيّة الحياة، من خلال حكاية جدّة لم تُردْ أن تعيش طويلاً، لكنها استمرت قي الحياة رغم إراداتها، فكانت السنوات العشر الأخيرة من عمرها بمثابة العقاب. الطريقة التي تموت بها الجدة في النهاية تسقط القارئ في حالة من الذهول والتعجّب، ومحاولات كوباياشي لكتابة قصص الراغبين في الموت داخل المصنع، تمنح القارئ صوتا إضافيًّا لا يتفق بالضرورة مع الراوي العليم، وبتتالي كتابته للقصص، يُفلح الكاتب في منح صوت إضافي لكل شخص يدوّن كوباياشي حكايته وفق منظوره الخاص. يخفي كوباياشي سرًّا كبيرًا، ولغزًا غامضًا يتكشّف في الخاتمة، بوصول آخر الراغبين في الموت، وهو شخص مختل يدّعي الألوهيّة، ويعرف عن كوباياشي ما لا يود هذا الأخير ذيوعه بين الجميع.
شخصية ثريّة بتناقضاتها وأسرارها، وبتحولاتها خلال النص بين طوري السذاجة والذكاء الحاد، وبأفكارها الجامعة بين عبثية الحياة، والتمسك بذيولها الهاربة.
{التأرجح في هوّة تفصل بين موت وحياة}
بظهور شخصية إتشيرو، صاحب الحكاية البائسة، الممتدة فصولها بين طور طفولته، ووصوله إلى المصنع -بغية إسدال الستار على حياة أتقنت تعذيبه، فمنحته شعورًا بالذنب لا يفارقه- تكتمل بنية الرواية. طفل سمين اعتاده الخوف، وطفلة تحمي براءته، يتزوج منها وينجب طفلتين، ثم يترقّى في عمله فيما بدا كتعويضٍ متأخر يقدمه له العالم، إلا أن الحياة تدفع به في مساربٍ تُعارض حالة السكينة التي يفتّش عنها في ظل حماية الزوجة له من العالم. يقترب إتشيرو من ناومي، فتتفتح براعم الحياة في صدريهما، ويبدو أنهما بطريقة ما، استعادا شيئًا من أسباب البقاء في هذا العالم، فهل يغيّر ذلك من مصيرهما؟
{مكوّنات إضافية، ثانوية لكنها بالغة الأهمية}
في غضون ذلك، يقدم لنا حامد عبد الصمد عدة أنماط روائية تكتمل بها اللوحة التي أراد عرضها على قارئه، مثل سو يوون، بائعة الهوى التي ورثا مهنتها عن أمها، والمرأة المصابة بالسرطان، وياماموتو، القبطان الذي تم الاستغناء عن خدماته بعد أكثر من ثلاثين سنة من العمل، وقد تقرر استبداله بالذكاء الاصطناعي، ففقد بوصلته الأخلاقية وتردّى في عملية بشعة ولا إنسانية من الإتجار بالطفولة، مرورًا بمدعي الألوهيّة المجنون، وصولاً إلى شخصيّة إيسامو، مالك مصنع السحاب ومديره، وصاحب فكرة القتل الرجيم بعيدًا عن أعين السلطات.
لقد عاني إيسامو بدوره، فهو أستاذ الفلسفة الذي تعرض لعنف أمومي لفظي وجسدي، وانتهاك إجرامي من أبيه، وفقد حبيبته في ظروف قاسية أعطبت حواسه وضبّبتْ كل رؤاه الفلسفية، ثم ورث مصنع أبيه، ليتلقى صفعة أخيرة تضاعف من نقمته تجاه العالم، يحوّل إيسامو معاناته كلها إلى رغبة جنونيّة في مساعدة المنسحبين والمنسحقين على إنهاء حيواتهم، فإلى أي حدٍّ سيذهب إيسامو وراء شططه، وإلى أي مدى سيصيب النجاح في مسعاه؟
{السؤال اللا نهائي}
يقدّم الكاتب تصوّره عن الحياة بوصفها زجاجة كلاين، توحّد بين البقاء والغياب، وتمحو الحدود بين الواحد والكل، أي بين الفرد والمجتمع، تتداخل فيها فوهتا الموت والحياة كأنما هي عملية تسييل للهوية الفردية في بوتقة جماعية، حيث يمتزج الداخل بالخارج لخلق حالة لا نهائيّة من التساؤل المشروع عن الهدف من الحياة، وضروريّته كسبب رئيس يولّد الرغبة في الاستمرار.
يعبر الكاتب عن ذلك بصياغة أدبية وفلسفية اختار لها أن تنأى عن الصوت الصارخ والحرب الكلامية، لقد صاغ عبد الصمد حكايته بأناة رسامٍ يهتم بأدق التفاصيل، ويحرص على تجانس الألوان في فضاء اللوحة العامرة بالقلق والترقّب، لم أسمع صوته واضحًا في النص، فقام بخير ما يفعله الروائيون، إذ حشد الأسئلة في دماغ المتلقّي/القارئ، ثم غادر، تاركًا له حريّة اختيار الإجابة المناسبة.
ملحوظة: في الوقت ذاته، لا يفوتني أن أشير إلى رسالة شديدة الخطورة مررها الكاتب منذ البداية، إذ أن حسابات التواصل الاجتماعي للمنتحرين، إذا ظلت حيّة/نشطة، فهذا أمر يكفي للإيمان باستمرار حياة أصخاب هذه الحسابات. لقد تحوّلنا إلى شعوب رقمية باردة يغمرها جفاف وتباعد واحتراز، لا يهم أن نتحرى حقائق بسيطة كحياة وموت الواحد منا، طالما ظلت الحسابات على مواقع التواصل: حيّة! أعتقد أن هذا ما أراد الكاتب تمريره.
{خاتمة}
يفاجئ حامد عبد الصمد قارئه بنهاية صادمة، تفتح أبواب التأويلات على مصاريعها، فالحكاية هنا لا تتوقف عند مناقشة الفاصل بين رغبتي الموت والحياة، فهو وإن مارس فنون المخاتلة بطول نصه، حتى قدّم في النهاية دعوة مبطنّة لعدم الاستسلام للغياب، والتشبّث بفرص البقاء، فهو أيضًا أراد -حسب رأيي- أن يحاكم المنسحبين والهاربين من ميدان الحياة، فهؤلاء الشخوص مجرّد عينه مصغرّة من مجتمعات هائلة، تلك المجتمعات الضعيفة، التي تؤثر الانسحاب على المواجهة، وتعتنق الصمت عقيدة لا تحيد عنها، هي في واقع الأمر مشاركِة بدور فاعل في تغذية الطغيان وإنماء الضيم الذي يحكم العالم اليوم، حتى وإن جهلوا بمشاركتهم، يظلون مشاركين في توسعة رقعة الظلم فوق هذه الأرض، بالصمت العاجز، وفقدان بوصلة الغاية والجدوى، والرغبة الفرديّة الأنانيّة في الانسحاب من ميادين المعتركات كلها.
نص مهم، جريء في طرحه لأفكاره، محكم البناء السردي، لا يفرض رأيًا ولا يقصي آخر، ويشحذ الأسئلة في عقل القراء بطريقة هادئة وتدريجية، لذلك فإن الضوضاء التي يسببها أبطال هذا النص، آخذة في التزايد - داخل عقلي- منذ أنهيت قراءة حكايتهم.
كل الشكر للكاتب حامد عبد الصمد، ولدار التنوير، لتقديمهم هذا النص الملهم والمهم
{تعقيب تمنيت ألا أكتبه}
نشرتُ البارحة إشارة إلى جودة ثلاث روايات قرأتها مؤخرًا، ومنها مصنع السحاب، ثم وصلتني استفسارات مباشرة وغير مباشرة من البعض، تحوم حول عقيدة الكاتب وآرائه العلمانية وصفته الإيمانيّة وعلاقته بالجنة والنار، مصحوبة بدعوات كريمة بهداية الكاتب، وهدايتي. أود هنا أن أقول، بكل أسف، أننا كمجتمعات ثقافية وقرائية، ما زلنا نزج بالكاتب في المكتوب، ونقحم المكتوب في حياة الكاتب. لقد عرضتُ للتو قراءة انطباعية، ليست نقدية أو متخصصة، عن نص أدبي وجدته فارقًا ومهمًّا، يتناول مجموعة من الأفكار المصيرية، المؤثرة على حياة الأفراد والمجتمعات التي غابت عن عينيها حيثيات الغاية والجدوى.
وهنا أتساءل بكل حنقٍ وإحباط: ما علاقة ما ذكرتُ للتوّ، بالحياة الشخصية للكاتب، وبأفكاره العقائدية والأيدولوجية؟ ماذا يضيرني لو كان حامد عبد الصمد يتبنى نفس أفكاري أو يعارضها؟ ما الغاية من دعوتي إلى تتبع مسار الرواية إبان انتقالها من دار نشر إل أخرى؟ ما الهدف من هذه الأسئلة؟ ألها علاقة بالتناول المنطقي والعقلاني لنصٍّ أدبيّ؟
ختامًا، أرجو ممن يعتقد أنني لا يجب أن أناقش رواية بسبب موقفه الخاص من كاتبها، ألا يقرأ ما أكتبه كيلا ينزعج.
#محمد_سمير_ندا
تاريخ النشر في المدونة: 2026-07-24